في إحدى المدارس الابتدائية السودانية، زاد صاحب البوفيه سعر ساندوتش الطعمية أو الفلافل الواحد من 15 جنيهاً لثمانية عشر جنيهاً، قاطع الصغار البوفيه، أخذوا يجمعون شيرنغ خمسة جنيهات من كل طالب ويشترون الخبز والطعمية من خارج المدرسة، اكتشف الصغار أن نصيب كل طالب هو 3 ساندويتشات مقابل خمسة جنيه فقط، عرض عليهم صاحب البوفيه بيع الساندوتش الواحد بعشرة جنيهات لكنهم رفضوا فأفلس صاحب البوفيه، أما الدرس الذي قدمه صغار السودان للعالم فهو أن تصرفات الصغار، المبنية على الوحدة والمصلحة الجماعية، لن تهزمها التصرفات التقليدية للكبار ولعل أكبر دليل على وعي أطفال السودان هو أن طلاب المدارس الابتدائية بمدينة عطبرة هم أول من أشعل شرارة الثورة السودانية بسبب مضاعفة سعر الخبز ثم لحق بهم الكبار دفاعاً عن فلذات أكبادهم وبذلك انقلبت الآية وأصبح صغيرهم هو الذي علمهم سحر العمل الثوري!

قبل الأشهر القليلة الماضية، لم يسمع أحد بتجمع المهنيين السودانيين، كانت كل الأحزاب السودانية الكبيرة عاجزة عن إسقاط نظام الانقاذ الذي فصل الجنوب وأشعل الحروب وتورط في الفساد وعرض السودان لأطول حصار اقتصادي وأكبر أزمة اقتصادية، فجأةً، نبت تجمع المهنيين السودانيين من العدم، وهو تحالف غير حزبي عريض تكون من أطباء ومهندسين ومحامين وطائفة واسعة من منظمات المجتمع المدني، استجاب الشباب والأطفال لنداءات تجمع المهنيين وانهمرت المظاهرات ضد الانقاذ، بعد عدة محاولات فاشلة للوصول للقصر الجمهوري لتسليم مذكرة تنحي واستشهاد عدد كبير من الشباب والأطفال بطلقات الرصاص وتجاهل العالم للثورة السودانية، نفذ تجمع المهنيين اعتصاماً سلمياً أمام القيادة العامة للجيش السوداني وتشكلت أغلبية المعتصمين من الشباب والأطفال وتمت حماية الاعتصام بوضع المتاريس وإجراء عمليات التفتيش للداخلين لميدان الاعتصام وتنظيم عمليات التمويل، ازداد حجم الاعتصام وعند حلول الظلام بسبب القطع العمدي للتيار الكهربائي، أخذت الجوالات تتحول إلى أكبر تجمهر لجوالات مضيئة في العالم وتجذب كل أنظار العالم لميدان الاعتصام، عندها بدأت الأحزاب الكبيرة والحركات المسلحة في الهرولة للحاق بتجمع المهنيين وشكلت معه ما يُسمى بقوى الحرية والتغيير وبدأت دول العالم والمنظمات الدولية تهتم بالثورة السودانية!
أخيراً، أطاح المجلس العسكري بالرئيس البشير، وفاوضت قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري بغرض نقل السلطة للمدنيين، في البداية، قرر المجلس العسكري أن يكون المجلس السيادي حكراً على العسكريين فقط، فوصل من مدينة عطبرة قطار محمل بعدد كبير من صغار الشباب لدعم الاعتصام، عندها تراجع المجلس العسكري وقبل بتشكيل المجلس السيادي من عسكريين ومدنيين، تجدد النزاع مرة أخرى حول نسب التمثيل داخل المجلس السيادي ودخل المجلس العسكري في أكبر حيص بيص وما زال صغار الثوار يركبون رؤوسهم ويطالبون بالاستجابة لكافة مطالبهم بما في ذلك تشكيل المجلس السيادي بأغلبية مدنية!
المؤكد إن الثورة السودانية قد نجحت حتى الآن في تحقيق بعض مطالبها لكن كل الوقائع تشير إلى إنتصارها النهائي بسبب قوة العناد الثوري لصغار الثوار وانحياز صغار جنود الجيش والشرطة لهم والضغوط السياسية المتصاعدة من قبل المنظمات الدولية ومنها المهلة النهائية التي قدمها الاتحاد الافريقي للمجلس العسكري والتي تقضي بتسليم السلطة لحكومة مدنية خلال ستين يوماً، أما الدرس الذي قدمه صغار الثوار السودانيين للعالم فهو أن الاعتصام السلمي أمام القوة المسلحة هو أفضل وسيلة للتغيير وأن عهد الأحزاب الكبيرة القائمة على أفكار عقائدية أو سياسية تقليدية قد انتهى وأن العصر القادم بقوة هو عصر منظمات المجتمع المدني، المبنية على قوة الوحدة والمصلحة الجماعية، والتي لن تهزمها أي تصرفات دكتاتورية انتهت مدة صلاحيتها وأصبحت مجرد ذكرى سيئة لا يرغب أحد في استعادتها بأي حال من الأحوال!
فيصل الدابي/المحامي
جوال 55619340

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////