من المعلوم أن الناس يسمون كل حكم ظالم «حكم قراقوش»، ويقال إن الحاكم والقاضي قراقوش سأل المتهم وهو بائع حليب غشاش: كيف تخلط الحليب فى الماء؟! فأجاب البائع: أنا أغسله فقط، فقال قراقوش: أنت رجل تحب النظافة، ولا لوم عليك، ويُوضع من أبلغ عنك فى السجن! من المؤكد أنه عندما يتم الاستقواء بالسلطة والاستهانة بالحق تنعدم النزاهة ويختفي الحياد ويصدر الحكم الظالم فتتهلل أسارير الظالمين وتكفهر وجوه المظلومين، وهذه جولة سريعة في ساحات بعض المحاكم القراقوشية. 

في محكمة الغابة، تم رفع قضية مفادها أن الأسد والذئب والثعلب خرجوا للصيد، وكانت حصيلة الصيد غزالاً وحملاً وأرنباً، عندئذ أمر الأسد الذئب بتقسم الصيد بينهم، فقال الذئب: الغزال لك يا مولاي، والحمل لي، والأرنب للثعلب، فكشر الأسد عن أنيابه، وفى لحظة واحدة أطاح برأس الذئب وفصله عن جسمه، ثم التفت للثعلب المذعور وأمره بتقسيم الصيد، فقال الثعلب بخبث: الغزال لإفطارك والحمل لغدائك والأرنب لعشائك! فضحك الأسد بشدة وسأل الثعلب: من أين تعلمت كل هذه الحكمة؟ فقال له الثعلب: من رأس الذئب الطائر، وبالطبع لا يُمكن إستئناف حكم محكمة الغابة!
في محكمة دولة (كلو تمام يا افندم)، حيث يجاور مقهى شهود الزور مبنى المحكمة، صدر حكم بتطليق مدعى عليه فقير من زوجته الحسناء وتزويجها للمدعي الغني الذي كسب دعواه بعد أن قدم كتيبةً من شهود الزور ومجموعة من المستندات الرسمية المزورة، أصيب المدعى عليه المسكين بذبحة صدرية في لحظة النطق بالحكم ثم توفي لاحقاً وكان آخر ما سمعه في حياته هو صيحات (يحيا العدل، يحيا العدل)!
أمام محكمة جمهورية الموز، طلب ناظر المدرسة من المحكمة الموقرة نقل الملهى من جوار المدرسة بحجة أن معظم التلاميذ صاروا يهربون من المدرسة ليمرحوا ويرقصوا في الملهى، فسأله القاضي: أيهما بُنى أولاً: المدرسة أم الملهى؟ أجاب الناظر: الملهى، فأصدر القاضي حكمه وصاح: خلاص رحلوا المدرسة!
في محكمة ما كان يُسمى بثورة الانقاذ السودانية التي قادها البشير، تم إعدام المتهم مجدي بعد إدانته بتهمة حيازة نقد أجنبي عُثر عليه في حيازته وهو من حر مال أسرته، بعد أن أطاحت ثورة ديسمبر السودانية بالانقاذ تم تقديم البشير للمحاكمة بتهمة حيازة نقد أجنبي لكن الثوار السودانيين يتشككون في نزاهة المحكمة، فالمتهم البشير يأتي للمحكمة بأحدث سيارة دفع رباعى مصحوباً بأشد حراسة أمنية، ويرتدي عمامة وجلابية بيضاء مكوية ويُخاطب بعبارة سعادة رئيس الجمهورية، ورغم اعتراف البشير بأنه استلم بصفة شخصية مبلغ 25 مليون دولار هدية من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومبلغ مليون دولار هدية من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد وإدعائه عدم تذكر أين ذهب المليون دولار الإماراتي إلا أن الثوار السودانيين يعتقدون أن المحكمة قد تقوم بتبرئته وقد يقوم البشير عندها بتقديم رقصة من رقصاته الهوجاء داخل قفص الاتهام وسط تكبيرات وتهليلات انصاره في قاعة المحكمة وقد تصدر المحكمة حكماً بضبط المليون دولار الإماراتي وإعادته سالماً لسيادته مع كامل التقدير والاحترام ضاربةً بعرض الحائط أي حديث قانوني عن جريمة فساد أو أي حديث ديني عن لعن الراشي والمرتشي! مع العلم أن الاجراء القانوني الامثل الذي كان يجب اتخاذه في مواجهة الرئيس المخلوع البشير هو محاكمته في نفس القضية عن جرائم قتل مئات الآلاف من السودانيين في دارفور وفي جميع أرجاء السودان ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن وقد لا يحدث أبداً طالما أن عسكر السودان لا يقبلون بادانة عسكري من قبل محكمة مدنية حمايةً لأنفسهم وحتى لا يصلهم رأس السوط المدني مهما أجرموا في حق المدنيين السودانيين فهم يعتقدون أن العسكر أفضل من المدنيين الذين هم في نظر العسكر مجرد ملكية ساكت كما يصفونهم ويكفي أن نعلم أن الرئيس المخلوع نميري الذي قتل الكثير من المدنيين السودانيين لم يحاكم ولم يدان أمام أي محكمة سودانية وعندما عاد النميري من مصر الى السودان في عام 1999 تم استقباله استقبالاً رسمياً وتم نقله بسيارة مرسيدس مضادة للرصاص الى مقر حكومي وقام الرئيس المخلوع البشير باصدار عفو رئاسي عن النميري ليسقط كل التهم الموجهة إليه بقتل المدنيين السودانيين ولسان حال العسكر يصيح: لا نامت أعين المدنيين السودانيين في أي مكان!!
من المؤكد أن أحكام المحاكم القراقوشية تعج بالمفارقات التي لا يستسيغها عقل ولا يهضمها خيال حيث يختلط حابل الملهاة بنابل المأساة ويصعب التفريق بين الابتسامة والتكشيرة ويستحيل التمييز بين الضحك والبكاء، وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول (اللهم لا حق ولا عدل في الأكوان إلا أنت، اللهم افرغ علينا الحق والعدل وأجعلنا أحق المحقين وأعدل العادلين) ولا نامت أعين الظالمين في أي مكان!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.