تأمل فهيم واقع الحياة ثم همس لنفسه: استلام الحقوق من الناس شيء رائع ومريح للنفس أما تقديم الالتزامات والواجبات للناس فهو شيء مرهق، ثقيل، وممل أيضاً، فهل يُمكن الاستمتاع بأخذ الحقوق من الغير والتخلص النهائي من تقديم الالتزامات والواجبات للآخرين؟! عقد فهيم اجتماع قمة مطول مع نفسه ثم أصدر فرماناً شخصياً قرر بموجبه إخلاء جميع الالتزامات من رأسه بالقوة الجبرية!
أدخل فهيم زوجته مدرسة القيادة واشترى لها سيارة جديدة بعد حصولها على رخصة القيادة فتخلص بذلك من التزام قضاء المشاوير العائلية الخاصة من وقت لآخر! استقال من عمله في إحدى الشركات العامة وامتلك شركة خاصة ثم أصدر توكيلاً لأحد الموظفين بإدارة الشركة فتخلص بذلك من التزام الدوام اليومي المقترن بالخضوع لأمزجة المدير ومجاملة سيادته بدون وجه حق في معظم الأحيان!
تعاقد مع مدرس خصوصي لمساعدة أولاده في فهم وحل الواجبات المدرسية اليومية فتخلص بذلك من الالتزام اليومي بمراجعة دروس الأولاد! اشترى أحدث جوال ووضع كل صور التهنئة والتعزية الجاهزة على شاشته وصار يتواصل مع جميع معارفه وأصدقائه بلمسة إصبع عبر رسائل الواتساب فتخلص بذلك من التزام قيادة السيارة وزيارة المعارف والأصدقاء من وقت لآخر والتورط في زحمة السير! جلب لمنزله أجهزة رياضية مختلفة فأصبحت الرياضة اليومية متاحة داخل المنزل لكل من هبّ ودبّ وتخلص بذلك من التزام الخروج من المنزل من وقت لآخر بغرض التمشي في الحدائق العامة!
أخيراً شعر فهيم بارتياح بالغ عندما تمكن من طرد آخر التزام يومي من رأسه وراح يتجول في غرف رأسه الخالية وهو يكاد يطير من فرط السعادة والمرح !
بعد مرورعدة أيام، شعر فهيم بأسوأ أنواع الانزعاج وأردأ أنواع القلق وأقسى أصناف التوتر، وعندما بحث عن السبب المجهول اكتشف فهيم أن السبب الوحيد هو خلو رأسه من أي التزام يومي، عندها تطايرت أفكار فهيم من شدة عدم الفهم، وبعد كثير من الشد والجذب الشخصي، عقد فهيم أقصر مؤتمر صحفي مع نفسه ثم رفع لافتة كبيرة فوق رأسه تحمل إعلاناً تقول كلماته المكتوبة بالخط الأحمر العريض: رأس للإيجار مع إعفاء المستأجر الجديد من أجرة شهرين!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.