عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في الحقيقة لم تتح لي الأيام فرصة للقاء سكرتير الحزب الشيوعي الدكتور محمد مختار الخطيب للأستماع اليه كفاحاً، ولكن الحمد الله الذي سخر لنا هذه التكنلوجيا لتأتينا من كل فجٍ عميقٍ بخبرٍ يقينٍ من قبل أن نقوم من مقامنا ومن بعده أيضاً. فقد جاءنا "الواتسب" بتسجيلٍ لجزءٍ مهمٍ من كلمته التي ألقاها في ندوة الحزب في مدينة أمدرمان يوم الجمعة الموافق 1 نوفمبر 2019 ، فذكرتني تلكم الكلمة بشيئين هما:
أولاً، ذكرتني كلمته بأيام الإنقاذ الأولى عندما طارت حمى الإنتصارات والآيدلوجيا في الرأس فخلقت هوساً ظن أهله أنَّهم قادرون على الأرض بمن فيها، فعلت هتافاتهم ضد كل ديَّار يسكن الأرض وبالأخص الأمريكان فهتفوا "أمريكا قد دنا عذابها". وها هو الخطيب يعيد إلينا تلك الأيام التي التفحت ثوب البطولات والعنتريات وتنادت لتطبيق الأفكار الأممية التي بشر بها قائد الثورة المهدية عند فتحه للأبيض حيث طفق يبشر أنصاره بفتح مكة والقاهرة وكل عواصم الإيمان والكفر التي وراء الحدود والبحار ليتمكن أنصاره من ملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا!
يبدو أن تلك الدعوات الأممية التي بشر بها المهدي وحاولها الترابي ما زالت تعشعش في رأس الخطيب بثوب إشتراكي فخيم فأراد تجريب المجرب، فقام يخطب خطبة خطيرة المضمون ركيكة في اللغة ضعيفة في الأداء، فقال: "نطالب الحكومة الانتقالية إنهاء كل الاتفاقيات التي أبرمتها حكومة غير شرعية مع جهات أجنبية، وندعو لسحب القواعد العسكرية والأجهزة الاستخباراتية والانسحاب الفوري من المحور الاسلامي العربي الرجعي وسحب قواتنا من اليمن". وأضاف قائلاً: "يرفض حزبنا التدخل في شؤون الدول الأخرى ويرفض وجود قواتنا في الافريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية بإفريقيا) تحت امرة وزارة الدفاع الامريكية لخدمة مصالحها، ونرفض تعريض أمن بلادنا وسلامة شعبنا لنيران الدول الكبرى" ثم اعلن بعد ذلك "رفض الحزب الشيوعي تماماً أن تتكرر مرة أخرى تجربة قصف مصنع اليرموك في الخرطوم بالصواريخ". وبعد أن هاجم أمريكا وجه الخطيب سهامه إلى الإمارات والسعودية ملوحاً بتص\ير الثورة فقال :" شعارات ديسمبر ارعبت دولًا، لذلك اتجهت للتآمر على الانتفاضة لأنها ارعبتهم بامكانية انتقال عدوى الثورة السودانية الى شعوبهم فيفقدون السيطرة عليها."
بغض النظر عن صحة ما قاله الخطيب أو خطأه، أو قوة إيماننا أو ضعفه، إلا أنَّ كلمة سكرتير الحزب الشيوعي هذه ستعمل لها الولايات المتحدة وشقيقاتها وربيباتها في العالم والمنطقة ألف حساب. وهذا بالضبط ما قلته قبل أيام قلائل من تاريخ كلمة الدكتور الخطيب لبعض الإخوة عندما تسائلوا عن إمكانية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. قلت إنَّ الولايات المتحدة لا ترى تغيراً في الوضع السوداني من الجهة التي تليها وإن اعترفت بالتغيير في الجهة التي لا تليها المواجهة للداخل السوداني، فلذلك لن تتحمس لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
فمن الجهة التي تليها هي ترى أن الإسلاميين المتطرفين قد ذهبوا فعلاً ولكن للأسف قد حل محلهم اليسار الذي هو أكثر تطرفاً منهم. وما يزيد الطين بلة في عين الولايات المتحدة أن لليسار دول عظمى يمكن أن تسنده وتتحالف معه كالصين مثلاً، التي يمكن أن تمده بالمال والمعلومات والتكنلوجيا في أي وقت شاءت، ولهم دول أخرى ككوريا الشمالية وكوبا وغيرها من الدول التي ما ظلت على الخط الإشتراكي والتي يمكنها مد يد العون أيضاً. إذن كلمة الخطيب ستعمق من أزمة السودان مع الولايات المتحدة وبالتالي سيزداد الوضع الإقتصادي سؤا وسيظل السودان في تلك القائمة المشؤمة يرى عذابه قد دنا وتدنى ليتقلب فيه يمنة ويسرى راجياً من المولى عز وجل أن يجعل له منه مخرجا.
ثانياً، ذكرتني كلمة سكرتير الحزب الشيوعي بما كتبه وشهد به ضدهم أحد مؤسسي الحزب المرحوم عبد الماجد أبو حسبو في مذكراته حيث قال:
"بدأ الشيوعيون-كدأبهم كلما واتتهم الفرصة- يخلقون المشاكل ويضعون العراقيل أمام الحكومة (أي حكومة أكتوبر) واستطاعوا عن طريق أغلبيتهم الميكانيكية في المجلس أن يستصدروا القرارت التي تتسم بالفوضى وعدم تقدير المسئولية حتى خلقوا في الحكم وللحكم المصاعب التي انعكست على الرأي العام وعلى أجهزة الدولة والأداء فيها" (ص. 191) "والشيوعيون -كما أعرفهم- لا يجيدون شيئاً اجادتهم الإنتحار، فما أسهل أن ينتحروا! ولقد أثبتت كل الحوادث ولا تزال أن الشيوعيين يجهلون أول ما يجهلون الشيوعية نفسها ومبادئها وتكتيكاتها ومنطقها ومنطلقاتها. ومع ذلك- وهذا شر البلية- يعتقدون بأنهم أذكى من غيرهم" (ص. 193) "ومن أخطاء الشيوعيين السودانيين التسرع في الأحكام، واتخاذ المواقف الخاطئة المدمرة دون دراسة ووعي وهم الذين يتحدثون دائما عن المنطق والفهم والمادية الجدلية" (ص.109) "وأنه (أي الحزب الشيوعي) استطاع أن يخوض معارك كثيرة (في ذلك الزمان) بنجاح، ولكّنه رغم هذا كثير الأخطاء وأهم سبب لتلك الأخطاء هو أن الشيوعيين لم يحللوا تحليلاً منطقياً طبيعة التكوين الإجتماعي للشعب السوداني وطبيعة ردود فعله السياسية" (ص.108). وأضاف قائلاً: "وهذا الفهم الخاطيء (لطبيعة التكوين الإجتماعي) من الرفاق السودانيين، جرهم الى مواقف وسط العمال وغيرهم كانت وبالا عليهم." (ص. 108)
وخلاصة الأمر هو أن الشعب السوداني يجب أن يفهم ويتيقن أن بلاده لن تذوق العافية ما ظلت تلك الأحزاب الآيدلوجية والدينية قائمة تبرطع في الساحة السياسية السودانية. إنَّ السودان يحتاج لدستورٍ دائمٍ يمنع قيام الأحزاب على أسس وشعارات آيدلوجية أو دينية أو إثنية. دستور يتبنى مقاصد الدين العليا المتمثلة في إقامة العدل، وإشاعة الحرية، وإفشاء السلام، وإتمام مكارم الأخلاق، ومحاربة الفساد، وغيرها من المقاصد، ومن ثمَّ يطلب من الأحزاب التنافس على تطبيقها كمطالب دستورية لا شعاراتٍ حزبية للمتاجرة بها آيدلوجيا أودينياً.
نحتاج لدستور يشمل مقاصد الدين ومحاسن الآيدلوجيات الإنسانية المختلفة، ومحاسن المواثيق الدولية، ويسحب البساط من الأحزاب الآيدلوجية والدينية والإثنية التي تؤجج الصراع السياسي فترتاح البلاد منها ومن تجارتها بتلك الشعارات النبيلة وللأبد. فالمنافسة في الدول الدستورية الديمقراطية تكون لتطبيق الدستور ومباديء الدستور وأهداف الدستور وليس لتمكين آيدلوجية حزب من الأحزاب، أو دين أو دين من الأديان، أو إثنية من الإثنيات. المنافسة تكون من أجل تطبيق الدستور وما يشمله من مباديء ومقاصد فقط.