عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يقول الشاعر:
السَّـيْـفُ أَصْــدَقُ أَنْـبَــاءً مِـــنَ الـكُـتُـبِ
فِـي حَــدهِ الـحَـدُّ بَـيْـنَ الـجِـد واللَّـعِـبِ
بيضُ الصَّفَائِحِ لاَ سُـودُ الصَّحَائِـفِ فِـي
مُـتُـونِـهـنَّ جــــلاءُ الــشَّـــك والــريَـــبِ

لا شك أن القرار السياسي الحاسم كالسيف القاطع فيه جلاء الشكِّ والريب. والشكُّ والريب تابعت مسألة تعويم الجنيه السوداني فترة طويلة جداً. وقد كتبت في هذه الصحيفة بتاريخ 3 يوليو 2013 مقالاً بعنوان "أين يقف المثقفون وأهل الفكر والتخصص من مسألة رفع الدعم" وفيه أبديت رأياً صريحاً وواضحاً ضد سياسة الدعم أيّاً كان نوعها وزمانها والنظام الذي يتبناها. لأنَّه ليس من الحكمة والرشاد أن تدعم الدولة المحروقات والدولار والمستهلكات. فسياسة الدعم ليست من المعقولات عقلاً فضلاً أن تكون من حِكَم الإقتصاد وثوابته.
وللأسف كان المختصون في الإقتصاد - إعتماداً على كتبهم - يعارضون تعويم الجنيه السوداني بحجة لا بد من وجود مسندة cushion مالية مليارية دولارية في بنك السودان لتدعم هذه السياسة. وكانوا أيضاً يحذرون قائلين أن رفع الدعم من المحروقات سوف يجعل الناس يموتون في الشوارع كالضان بسبب الغلاء الى آخر تلك التهويلات التي ظللنا نسمعها لعقود حتى هرمنا.
وقد اختطف السياسيون من أهل اليسار وبعض اليمين هذه الحجج من المختصين وبدأوا يزايدون ويلاوزن بها لكل الحكومات، وقد لاوزوا بها لكل وزراء الإقتصاد عدا عبد الوهاب عثمان رحمة الله عليه الذي لم يلتفت لأحدٍ منهم. هددوا كل الحكومات وكل الوزراء بتحريك الشارع إن هم مشوا في درب رفع الدعومات والذي هو وصفة البنك الدولي على حد زعمهم رافعين أصواتهم بهتافهم القديم المتجدد " لن يحكمنا البنك الدولي". وبالفعل في عام 2013 ألبوا الشعب ضد قرار رفع الدعم جزئياً من البنزين فاستشهد حوالي 200 شخص بدون سبب وجيه ثم عادوا هم نفسهم في عام 2020 ليتخذوا نفس القرار وفي ظروف أصعب وأنكى.
إن الدواء لهذا المرض المستفحل في جسد الإقتصاد السوداني منذ الإستقلال وحتى هذه اللحظة هو هذا القرار الشجاع الحكيم المر القوي الذي اتخذه د. جبريل إبراهيم وزير المالية قبل أسبوعين، وهو الحق الذي لا بعده حق والعلاج الذي لا بعده علاج.
وما يجب أن يعرفه الجميع أنَّ الإقتصاد السوداني في حجمه الكلي اقتصادٌ ضخمٌ جداً، وهو في نموٍ مطرد من الإستقلال وحتى الآن ولكنَّه لم ينعكس على حال المواطنين بسبب سؤ إدارته. ويمكن للقاريء الرجوع لمقالي في نفس هذه الصحيفة بتاريخ 19 ديسمبر 2018 تحت عنوان: "الأرقام توضح حقيقة الأزمة السودانية ومكانها" ليعلم حجم إقتصاده السوداني ومعدّل نموه منذ الإستقلال. وهذا الحجم وهذا النمو الإقتصادي هو الضامن بل هو جهاز المناعة الذي يساعد في انجاح أيّ سياسات مرّة وأيّ عمليات جراحية من غير بنج مهما كان نوعها.
وفي رأيي واعتقادي الخاص أنَّ معارضة هذا القرار وعدم التفاعل معه هو معارضة للوطن وليس معارضة للحكومة، والخلط بين الوطن والحكومة من أخطاء الماضي بل من كبائر الذنوب التي ارتكبتها المعارضة في الماضي البعيد وفي القريب الذي مضى، ويجب ألا تتكرر هذه الكبيرة مرة أخرى من أي جهة كانت يميناً كانت أو وسطاً أو يساراً. الحكومات يكون مصرعها على يد الصندوق أو الثورة الشعبية أو إنقلاب مشؤوم، أما الوطن فالأصل فيه أن فنفديه بكل ما نملك ولا نعارضه أبدً.

وحتى تأتي هذه السياسات أكلها في القريب العاجل جداً أقترح لوزير المالية د. جبريل الآتي:

1- أن يتقدم سعر صرف كل العملات الأجنبية في كل البنوك على السوق السوداء ب 5 جنيهات دوماً. فمثلاً اذا كان سعر الدولار في السوق السوداء ب 300 جنيه يكون سعره في البنك 305 جنيهاً. هذه السياسة ستجذب البائعين أولاً، وستوقف السوق السوداء من التقدم ثانياً، وستمنع المشتري من البنك أن يعيد دولار البنك للسوق السوداء من أجل الربح والمضاربة في العملة ثالثاً.
2- استصدار فتوى دينية من المفتي العام ومجمع الفقه الإسلامي يشارك فيها علماء كل المدارس والطوائف والجماعت الدينية الإسلامية وينضم إليهم علماء وقادة الطوائف غير المسلمة في تحريم المضاربة بالعملة لأن المضاربة بالعملة أذى للجميع مسلمين وغير مسلمين.
3- تشديد الرقابة والعقاب على تجار العملة واتخاذ هذه السياسة سياسة دائمة وليست موسمية تزداد شراسة يوماً بعد يوم حتى في قمة الرخاء والإستقرار. ولكي تنجح هذه السياسية لابد من تحفيز رجال الأمن الإقتصادي ورجال الشرطة والجمارك في كل انجاز ينجزونه وتزويدهم بكل ما يحتاجونه من آليات وأجهزة تساعدهم في أنجاز مهامهم الوطنية.
4- كل المسافرين الذين يستحقون عملة أجنبية تُسلم لهم مبالغهم في المطار بعد إتمام اجراءات السفر. والجدير بالذكر أنّ هذه السياسة اقترحناها لمحافظ بنك السودان د. صابر محمد حسن من قبل واستحسنها وطبقها وكانت ناجحة جداً وقد حدّت فعلياً من التلاعب بالدولار في الصرافات والبنوك من قِبَل الموظفين أنفسهم ومنعت عملية ضخ دولار البنك في السوق الأسود مرة أخرى من قبل المواطنين وموظفي البنوك والصرافات.
5- يجب أن يكون لوزارة المالية ولاية على أموال الأوقاف وهي أموال ضخمة يمكن أن تجعلها وزارة المالية في محفظة منفصلة تحت رعايتها تستدين منها لتمويل المشاريع الحيوية من جهة ولتراقب أوجه صرفها حسب وصية أصحاب الوقف. إنَّ وزراة الشئون الدينية هي وزارة توجيهية تربوية لا علاقة لها بإدارة الأموال شرعاً فلذلك يجب أن تنزع منها مسؤولية إدارة الأوقاف. فالأوقاف في التاريخ الإسلامي كله كانت تحت رعاية بيت المال الذي هو وزارة المالية بالمصطلح السياسي الحديث. فهذه أموال ضخمة يجب أن تضع وزارة المالية يدها عليها لتستفيد منها في الإستدانة ولمتابعة أوجه صرفها ومنع أيادي الفساد لتعبث بها.
6- يجب أن يكون لوزارة المالية ولاية على أموال الزكاة وهي أموال ضخمة أيضاً ويمكن أن تجعلها وزارة المالية في محفظة منفصلة تحت رعايتها تستدين منها لتمويل المشاريع الحيوية من جهة ولتراقب أوجه صرفها حسب الفقه الخاص بها. فالزكاة في التاريخ الإسلامي كله كانت تحت رعاية بيت المال الذي هو وزارة المالية بالمصطلح السياسي الحديث. فهذه أموال ضخمة يجب أن تضع وزارة المالية يدها عليها لتستفيد منها في الإستدانة ولمتابعة أوجه صرفها وفقاً للفقه الخاص بها ومنع أيادي الفساد لتعبث بها. ولا مانع من إبقاء ديوان الزكاة كمؤسسة مختصة بجمع وتوزيع الزكاة على شرط أن يكون الديوان وحساباته وموظفيه تحت تصرف وزارة المالية
7- يجب ألا تتوسع الحكومة في جلب قروض جديدة ولا تسرع في هذا القرار، فالمطلوب منها هو قليل من الصبر حتى يستقر مؤشر الإقتصاد وتبدأ عجلة الإنتاج في التحرك مرة أخرى وينكمش التضخم.
8- يجب وضع سياسة عشرية - لمدة 10 سنوات - تستهدف رفع ما تبقى من دعومات بنسبة 10% في كل عام حتى يتم الرفع من السلع المستهدفة بنسبة %100 في خلال 10 سنوات

هذه ثمان مقترحات أعتقد أن لو تم الأخذ بها سوف ننتقل للمرحلة الأخيرة وهي التعويم الكلي غير المدار من قِبَلِ البنك المركزي وإنَّما من قبل قانون العرض والطلب الحقيقي. وحفظ الله الوطن وأهله