Morizig@hotmail.com

 

 فى مقالى السبابق تحت عنوان "وفى لاهاى ..سطع نجم الإمام الأكبر" وعدت القراء بنقل رأى الإمام محمود شلتوت فى مسألة ختان الإناث.  وها أنذا أوفى بما وعدت.  ولقد لاحظت أنّ الأخ الأستاذ طارق الجزولى مدير تحرير "سودانايل" سبقنى إلى إستفتاء فى هذا الموضوع الهام. وحتى لحظة كتابة هذه السطور فإنّ الذين أدلو بأصواتهم حوالى 100 شخص غالبيتهم ضد ختان الإناث  إلا لضرورة طبية بينما أيّد  جزء منهم  ما يسمى بختان السنة، وقلة قليلة وقفت مع الختان الفرعونى!!  وفى الحقيقة أدهشتنى  أصوات تلك القلة القليلة التى تنادى بالختان الفرعونى فى القرن الواحد وعشرين!! دهشت لأنّ هذه القلة من المثقفين الذين يتميزون عن كثير من المثقفين الآخرين بقدرتهم على إستخدام تكنلوجيا المعلومات الحديثة مما يتيح لهم زيارة العالم كله والتعرف عليه من غير سفر ولا تأشيرات ولا يحزنون!!.  وفى الحقيقة كنت أتوقع أن ينحصر السجال بين الذين ينادون بختان السنة والذين يقولون أنّ السنة بريئة من هذا.  وعلى كل، نتمنى أن نسمع رأي هذه القلة بوضوح على صفحة هذه الصحيفة العامرة لنعلم حججهم وما يدور بخلدهم ، وبالطبع "إذا علم السبب بطل العجب"!

المصدر:  كتاب "الفتاوى" لمحمود شلتوت طبعة دار الشروق رقم 18 صفحة 283 – 287 :

سؤال المستفتى : اختلف أراء الإطباء فى ختان الأنثى، فمنهم من سمح به وأيده، ومنهم من أنكره وحذره.  والناس على رغم هذا الإختلاف متمسكون به ، حريصون عليه، يفعلونه ويقيمون له الولائم الأسرية، ويرون أنّه شأن يدعو له الدين، ويجعله شعارا خاصا للمسلمين، فهل لنا أن نعرف حكم الإسلام فيه، وأن نعرف وقته من عمر الطفل؟

الإجابة:

ليس صاحبنا هذا أول من يطلب حكم الإسلام فى عملية الخنان، وليس ما أكتبه اليوم جوابا له هو أول ما أكتبت فيه، فقد كتبت فيها مرات كثيرة ، غير أنّها كانت لخصوص السائلين، لا لعموم القارئين، وقد آثرت أن أحقق رغبته الكريمة فأتحدث فيها عن طريق منبر له صوته فى آذان الناس من جهة ما ترهف أسماعهم إليه، وهو حكم الدين وحكم الإسلام، فيعرف السائل وغير السائل موقف الشرع من هذه العملية، ويكون القارئون على بينة من الأمر فى علاقاتهم بالشرع والدين.

الختان شأن قديم:

وعملية الختان عملية قديمة عرفها كثير من الناس منذ فجر التاريخ، واستمروا عليها حتى جاء الإسلام، واختتنوا وختنوا – ذكورا وإناثا- فى ظله، غير أننا لا نعرف بالتحديد: أكان مصدرها لديهم التفكير البشرى وهداية الفطرة فى إزالة الزوائد التى لا خير في بقائها، أو التى قد يكون فى بقائها شئ من الأذى والقذر؟  أم كان مصدرها تعليما دينيا، ظهر على لسان نبى أو رسول فى حقب التاريخ الماضية؟  والذى يهمنا هو معرفة علاقته بالدين وحكم الإسلام فيه.

الفقهاء والختان:

وقد أثرت (جاءت) فى شأنه جملة من المرويات، كان الفقهاء أمامها فى حكمه على مذاهب شأنهم فى كل ما لم يرد فيه نص صريح.فمنهم من رأى أنّه واجب دينى فى الذكور والإناث.ومنهم من رأى أنّه سنة فيهما.   (أى سنة فى الذكور وليس واجب وكذلك هو سنة فى الإناث وليس واجب)ومنهم من رأى أنّه واجب فى الذكور دون الإناث، وأنّه فيهن "مكرمة".وكما اختلف الفقهاء فى حكمه على هذا الوجه - الذى تتباعد وجهات النظر فيه إلى أقصى حد التباعد، وتتقارب إلى أقصى حد التقارب- اختلفوا فى الوقت الشرعى الذى تجرى فيه عمليته على نحو هذا الوجه أيضا.  فمنهم من رأى أنّه لا يختص بوقت معيّن، ومنهم من حرمه قبل أن يبلغ الطفل عشر سنين، ومنهم من جعل وقته بعد أسبوع من الولادة،  .. ومنهم ومنهم ...  إلى آخر ما نقل عنهم فى ذلك من أراء.

وجهات النظر المختلفة:

وإذا كان لنا أن نأخذ من اختلافهم هذا – وهو الشأن الكثير الغالب بينهم فى كل ما لم يرد فيه نص صحيح صريح – ما ننتفع به فى معرفة الوضع الحقيقى للتشريع الإسلامى، فإنّ أول ما نأخذه أن القوم كانوا على حرّية واسعة المدى وهم يبحثون عن حكم الشرع فيما وصل إليهم، أو وصولوا إليه من مصار تشريعية لم تنل قطعية الدلالة ولا كمال الحجة المتفق عليها، لا يعيب أحدهم على صاحبه ولو كان على نقيض رأيه، وكانوا يستمعون الحجج فيقبلون أو يرفضون دون تزمت أو إسراف فى التجهيل أو الإنحراف.وليس أغرب من أن يستدل الذاهبون إلى وجوب الختان بقوله تعالى: "ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم حنيفا" (النحل : 123)، ويقولون أنّه قد جاء فى الحديث: "إنّ إبراهيم إختتن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة"، والإتباع الذى أمر به محمد وأصحابه يقضى عليهم أن يفعلوا ما فعله إبراهيم، وإذا يكون الختان وقد فعله إبراهيم واجبا على محمد وأتباعه.إسراف فى الإستدلال، غاية ما قوبل به عدم التسليم له، وهو من نوع إستدلال آخر للقائلين بالوجوب أيضا وهو : أن الختان أحد الأمور التى ابتلى الله بها إبراهيم والتى ذكرها بعنوان "الكلمات" بقوله تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" (البقرة: 124) ، قالوا ورد عن ابن عباس أن تلك الكلمات هى خصال الفطرة: وهى الختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ... إلى آخر ما قالوا ونقرؤه فى المتداول من كتب التفسير.

رأينا فى الموضوع:

وقد خرجنا من استعراض المرويات فى مسألة الختان على أنّه ليس فيها ما يصح لأن يكون دليلا على "السنة الفقهية"، فضلا (عن الوجود الفقهى) وهى النتيجة التى وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله : (ليس فى الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع)، وأن كلمة (سنة) التى جاءت فى بعض المرويات معناها، إذا صحت، الطريقة المألوفة عند القوم فى ذلك الوقت، ولم ترد الكلمة على لسان الرسول بمعناها الفقهى الذى عرفت به فيما بعد.

والذى أراه أن حكم الشرع فى الختان لا يخضع لنص منقول ، وإنّما يخضع فى الذكر والأنثى لقاعدة شرعية عامة : وهى أنّ إيلام الحى لا يجوز شرعا إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذى يلحقه.

ختان الذكر:

ونحن إذا نظرنا إلى الختان فى ضوء ذلك الأصل (عدم جواز إيلام الحى إلا لضرورة) نجده فى الذكر غيره فى الإناث، فهو فيهم ذو مصلحة تربو بكثير عن الألم الذى يلحقهم بسببه (أى الختان) ، ذاك أن داخل "الغلفة" منبت خصيب لتكوين الإفرازات التى تؤدى إلى تعفن تغلب معه جراثيم تهيئ للإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض الفتاكة.  ومن هنا، يكون الختان (بالنسبة للذكور) طريقا وقائيا يحفظ للإنسان حياته.. ومثل هذا يأخذ فى نظر الشرع حكم الوجوب والتحتيم.

ختان الأنثى:

أما الأنثى فليس لختانها هذا الجانب الوقائى حتى يكون كختان أخيها.  نعم، حكّم الناس فيه جانبا آخر يدور حول ما يتحدث به بعض الأطباء من "إشعال الغريزة الجنسية وضعفها" فيرى بعضهم أن ترك الختان يشعل تلك الغريزة، وبها تندفع (الفتاة) إلى ما لا ينبغى.  وإذن، يجب الختان وقاية للشرف والعرض.  ويرى آخرون أن الختان يضعفها فيحتاج الرجل إلى استعانة بمواد تفسد عليه حياته.  وإذن يجب تركه حفظا لصحة الرجل العقلية والبدنية!!.

إسراف هنا وهناك:

ولعلى لا أكون مسرفا أيضا إذا قلت: ما اشبه إسراف الأطباء فى وجهات نظرهم إسراف الفقهاء فى أدلة مذاهبهم!!  فإنّ الغريزة الجنسية لا تتبع فى قوتها أوضعفها ختان الأنثى أو عدمه، وإنما تتبع البنية والغدد قوة وضعفا، ونشاطا وخملا.والإنزلاق إلى ما لا ينبغى كثيرا ما يحدث للمختونات كما هو مشاهد ومقروء من حوادث الجنايات العرضية (الأعراض)، والمستور منها أكثر مما يعلمه الناس.والذين يتناولون المواد الضارة (الخمر والمخدرات وغيرها)  إنما يتناولونها بحكم الإلف الواصل إليهم من البيئات الفاسدة، وليس ما يحسونه فى جانب الغريزة (بسبب هذه المواد ) إلا وهما خيّله لهم تخدير الأعصاب.والواقع أنّ المسألة فى جانبيها " الإيجابى والسلبى" ترجع إلى الخلق والبيئة وإحسان التربية وحزم المراقبة. 

ومن هنا يتبين أنّ ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه ، وإلى تحتمه، لا شرعا، ولا خلقا، ولا طبّا.

قد يكون مكرمة:

نعم قد يكون ختان الأنثى – كما يقول بعض الفقهاء – مكرمة للرجال الذين لم يألفوا الإحساس بالزوائد، وهو قى ذلك لا يزيد عما تقتضيه الفطرة البشرية من التجميل والتطيب وإزالة ما ينبت حول الحمى.أما بعد:فهذا هو حكم الختان للذكر والأنثى فيما أرى، أخذا من القواعد العامة للشريع، لا أخذا من نصوص تشريعية خاصة بالموضوع.   (إنتهى كلام الإمام شلتوت)

تعليق على كلام الإمام:

من الواضح جدا أنّ الشيخ شلتوت يرفض ختان الإناث على أساس الدين، فهو لا يرى أنّ هناك نصوصا صريحة أو سنة ثابتة فى هذا الأمر حتى بالنسبة للذكور فصلا عن الإناث!!  والحكم الفقهى فى هذه الحالة يستخرج عن طريق الإجتهاد إعتمادا على قواعد أصول الفقه ومشورة أهل الإختصاص مثل الأطباء.  فوجوب ختان الذكور فى نظر الإمام شلتوت إنما ثبت بأراء أهل الإختصاص والتجربة الإنسانية ومن ثم أراء أهل أصول الفقه ولم يثبت بنص دينى صريح. أما ختان الإناث فليس له من القبول والتجارب  والإتفاق حول فائدته كما لختان الذكور فلذلك هو مرفوض، ولعل قوله : ". 

ومن هنا يتبين أنّ ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه ، وإلى تحتمه، لا شرعا، ولا خلقا، ولا طبّا." كلاما واضحا وصريحا فى المسألة. وأود أن ألفت نظر القارى إلى كلمة "زوائد" التى إستخدمها الشيخ فى كلامه وهو تعبير دقيق، والزوائد هذه فى الذكور عبارة عن غطاء زائد عن العضوه التناسلى وليس أصلا فيه وقطعها لا يؤثر فى الأصل ولا يمسه بشئ.  أما فى ختان الأنثى فدائما ما يقطع كل البظر أو جزء منه والبظر ليس بزوائد، فلذلك لا يجوز المساس به شرعا وطبا. أما إذا كانت هناك غلفة حول البظر – وهى حالات نادرة- كما هو الحال فى الذكور ، فالحال هنا يختلف وقطعها بلا شك لن يؤثر على البظر بشئ وهو أمر يفتى فيه الطبيب ولا يفتى فيه الفقيه.وأخيرا فالنقف جميعا صفا واحدا ضد ختان الإناث دفاعا عن ديننا الحنيف الذى يؤيد الفطرة ويمنع الأذى ويحث على  العفة والنظافة والطهارة البدنية والروحية.