بقلم: محمود عثمان رزق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ولد الشاعر على إبراهيم عكير - أو "أوكير" كما تنطقها البجة-  فى مدينة الدامر عام 1906 حيث يتحلق أبناء جعل حول  نار المجاذيب  لتعلم القرآن .  وينحدر عكير من أب بجاوى وأم جعلية وكان  نتيجة هذا الإختلاط القبلى أن ولد عكير جميل المحيا واسع العينين مربوع القامة، متناسق الأعضاء، فصيح اللسان، عزيز النفس.   درس عكير الخلوة والكتاب بالدامر بين أهله الجعليين وتتدرج فى التعليم حتى دخل كلية غردون التذكارية وتخرج فيها، وعمل مترجما وتقلب فى وظائف شتى كان آخرها منصب باشكاتب بالقيادة العسكرية بشندى، وقد أثرى ساحة الفن السودانى وأخذ عنه الثنائي ميرغنى المامون وأحمد حسن جمعة معظم أغنيهما الحماسية،  وتوفى رحمة الله عليه فى عام 1990.
 وقد عرف عن عكير حبه لصيد البر بما فيه الأرانب وصيد البحر بما فيه التماسيح!!  و عرف عنه أيضا حسن الهندام و المسكن والمركب والمأكل، ومع ذلك كله، فقد كان عكير فارسا ضخم الشوارب، طيب النفس، صادق التدين، شديد الولاء لخط الإمام، و كان أيضا متواضعا تواضع العظماء. 
 فإذن شاعرنا جعلي الدم، وجعلي المولد، وجعلي الثقافة، وجعلي اللسان.   وبما أنّني لست من أنصار العصبية القبلية لأنّ رسول الله (ص) قد نهى عنها، إلا أن نصرة المظلوم حق على كل قادر، وقد رأيت الجعليين يظلمون ظلما يستوجب النصرة ورفع الضرر عنهم من غير عصبية للقبيلة.   ومن المؤسف أن نرى  كل عنصري لئيم، وكل مغرض عميل، وكل انفصالي جاهل قد شمر مصوبا سهامه نحوهم حتى لم يبقى  فى جسمهم موضع إلا وقد أصابه سهم مسموم.   والسبب فى ذلك كله يرجع للخلاف السياسي الذي نشأ بين الخليفة عبد الله التعايشي وعبد الله ود سعد زعيم الجعليين بالمتمة، ذلك الخلاف الذى أدى للمذبحة المشهورة التى كانت مفصلا بين كثير من أهل الشمال والوسط عامة وبين نظام الخليفة خاصة مع تمسك المعارضين لنظام الخليفة بخط الإمام العام.
 ومن تاريخ تلك الحادثة وحتى الآن ظلننا نسمع ونقرأ شططا لبعض أنصاف المتعلمين وبعض الذين أعمت قلوبهم العنصرية والجهوية والقبلية النتنة، فنجدهم فى كلامهم وكتاباتهم يصورون الجعليين وكأنهم طابور خامس فى تاريخ السودان!   ولا يسعنا إلا أن نسخر منهم لجهلهم بتاريخ وطنهم ونحزن لهم لعصبيتهم النتنة الجهلاء، ونحن نردد مع المرحوم خضر بشير رائعته:
لو أنصفوك ما بيجهلوك!
كيف يجهلوك !!
كيف يجهلوك !!
يا جميل.
 وعلى كل حال، عسى أن يكره  الإنسان شيئا وهو خير له، فهذه النظرات و الكتابات العنصرية هى التى دفعتني بصورة شخصية لإعادة قراءة تاريخ الثورة المهدية دراسة دقيقة متأنية، كانت نتيجتها أن  وجدت الجعليين ركنا شديدا من أركان الثورة، ووجدت نصيبهم  من قيادتها نصيبا موفورا، هو فى الحقيقة بمثابة نصيب الأسد مقارنة بقبائل السودان الأخرى التي شاركت في الثورة.   وفى بحثي أيضا وجدتهم أوفياء للثورة فى ظل قائدها الأول، وظلوا أوفياء لها من بعد رحيله المفاجئ الذي هو أشبه برحيل القائد جون قرنق بالنسبة للجنوبيين.   ومن الغريب المدهش أن يستمر وفاء القوم للثورة حتى بعد مذبحة المتمة!!  فقد وجدت بصماتهم واضحة فى كل المعارك بعدها.  وها هى كررى أرض البطولات تشهد لهم بالصولة على عواتى الخيل فى الوقت الذى  فرّ فيه آخرون منتهزين فرصة انشغال الخليفة في الحرب  ليعيدوا ملكهم القديم!.  وفى طريق البحث والتفتيش أيضا، وجدت فارسهم عبد الرحمن النجومى أول من عقدت له راية الجهاد فى تاريخ المهدية وكان حريا بها إذ كانت رايته أول راية دخلت الأبيض، وجدته مجندلا على ظهر جواده مقبلا غير مدبر فى أرض توشكى بعد أن إنكشف عنه جنوده  وعلم عدوه بضعفه فطلب منه الاستسلام ورفع الراية البيضاء ، إلا أنّه رفض ورد عليهم  بقولته المشهورة التى أصبحت شعارا للأنصار من بعده: "إذا مكننا الله منكم فسنجد ما وعدنا به المهدى حقا، وإن مكّنكم منا فلن تجدوا عندنا سوى الجبة المتروزة والحربة المركوزة".
  وها هو شاعرنا عكير ومعه غيره من شعراء الجعليين فى زماننا هذا  يقفون شاهدا لذلك الوفاء الموروث الذي ورثوه كابرا عن كابر.
يقول عكير مؤرخا لأنصاريته مخاطبا السيّد عبد الرحمن المهدى: 
البيعة المع لبن الجهل بلّتنا
أول من كبرنا  نور عليك دلتنا
ياراجل الزمان البيك عجب حالتنا
يا درب السلامة البكرة بيك وصلتنا
من زمن الصغر يحكولنا بى أخبارك
إنّك ذو كمال مقدام عفيف ومبارك
يا نعم الثبات سبحان ربى تبارك
أيضا يحفظك بحق يسن وتبارك
ويقول أيضا:
رحم الله والدى البى الرشاد جلانى
مسّكنى الطريق الحق وفات خلانى
يومو المات وصية سمحة بيها ملانى
راتب المهدى سوى فى جيبك الجوانى
إذن فقد شرب عكير البيعة من ثدى أمه مع "لبن الجهل" وأوصاه أبوه عندما حضره الموت براتب المهدى وخطه، فولد عكير أنصاريا وهو فى المهد صبيا كما يدعى ويفاخر!!  وقد أزاح الشاعر الستار عن حقيقة هامة، وهى أن مجتمع الجعليين بالرغم مما أصابه في المتمة من أذى، لم يكن معاديا لفكرة المهدية فى أصلها وأصولها، ولا قادة الأنصار فى عمومهم، بل ظلّ هذا المجتمع يحدث أطفاله بعظمة الثورة وقادتها الأموات و الأحياء، وها هوعكير فى صغره يسمع من أهله الكبار عن عظمة الإمام عبد الرحمن وبأنه رجل " ذو كمال مقدام عفيف ومبارك ".
وعكير الصغير الذى شب وترعرع فى ظل تلك الحكاوي يحس الآن بفتوته وقوة عضلاته فتأخذه فورة الشباب لنصرة الإمام فيصرخ هاتفا:
نحن سيوفها نحن رجالها نحن زنودها
نحن ركيزتك الفوقا الكراع مسنودة
وهذا الشاب المتحمس أصبح ركيزة الإمام لأنّه ببساطة ورث الارتكاز كابرا عن كابر كما يرث الشبل الأسد ويتقوى الأسد بشبله :
الحر ما بيفوت المن أبوه مؤرخ
زى ود الأسد بتقوّى كلما فرّخ
ولا يكتفى عكير بذلك بل يخاطب الإمام بن الإمام قائلا:
أبوك نور حق مصفّى من النّبى ومتسلسل
وإنت خرجت مصباح منو جيت متسلسل
ما خاب النده  مولاهو بيك متوسّل
إياك الوسيلة الغيره ما فى موصّل.
ويشارك عكير الشيعة الإمامية فى مسألة  توريث الإمامة فيقول:
من قبل الوضوع المهدى بيّن وصفك
الأربع كتب عرفت حقيقة وصّفك
يا قابض الزمام الديمة منصور صفك
يوم الناس تجول أمسك عكير فى كفّك
وعكير الذى  أوصد كل الأبواب والطرق المؤدية لرحمة رب العالمين إلا طريق المهدي وآله  يضيف هالة على إمام زمانه قائلا:
أهلا بى شفاك يالبيك نمرض ونشفا
يا حامى العروض بالسترة يوم الكشفة
ظل المسلمين يوم الهجير ووعيدو
يوم الزول عمايلو عقدا تطوق جيدو
ومن الواضح أن عكير قد دخل نفقا ضيقا ورفع الإمام عبد الرحمن مكانا عليّا يشفع منه يوم القيامة للمسلمين عامة وليس للأنصار فحسب!  وفى عقيدتنا الإسلامية أن الشفيع المتفق عليه ومعلوم للناس كافة هو الرسول الأعظم (ص)، أما بقية الشفعاء بما فيهم الشهداء لا نجزم بهم ولا نسميهيم فنقول: فلان سوف يكون شفيعا، بل نعمم فنقول: الشهيد شفيع، والصالح شفيع، والطفل الذى يموت شفيع لأبويه بإذن الله ، وهكذا دواليك.
وعكير لا يكتفى بما سبق، بل يذهب لأبعد من ذلك و يدّعى أن الجزيرة أبا كانت مهبطا للوحي فيخاطبها قائلا:
أهلا مهبط الوحى الجزيرة السامية
أهلا شتلة التقوى  المفرهدة  نامية
أهلا قلعة الدين  القوية   الحامية
أهلا بالشفا البعالج الجروح الدامية
وأخيرا، ينفجر عكير غضبا ويسب كل من ينكر الإمام وأبناء الإمام ويحيد عن طريق الإمام، فيقول فى كلمات عنيفة قوية:
ال هنا وال هناك عارفين أبوك ونباهو
والما شاف سمع،  لكن بغشو غباهو
عزك قديم أبد الأزل كاتباهو
ملعون دين ودنيا المنكر الياباهو
هذا قليل من كثير أردنا أن نثبت به حماس وولاء الشاعر بل تطرفه فى نصرة طائفته الأنصارية.  كما أردنا نثبت به أيضا أنّ الجعليين ومنهم القائد عبد الله ود سعد وآل سعد عموما قد سقوا شجرة الثورة بدمائهم وأموالهم وتخطيطهم وفصاحتهم، وقد اثبت التاريخ أنهم كانوا فى  أول فوج هاجر  لمبايعة إمام الثورة فى الجزيرة أبا، وكوّنوا معه أول خلية قتالية وشاركوا معه فيما بعد ومع خليفته فى كل حروب الثورة ونضالاتها حتى فى معركة المتمة نفسها!!! فقد روى التاريخ أن القائد محمد عبد النور أحمد كان أحد القادة الكبار فى جيش محمود ود أحمد وطلب منه المشاركة فى ضرب أهله بالمتمة فنصحه بعض أصحابه بأن يختلق عذرا للغياب، إلا أنّ وفاء الرجل للثورة جعله يرفض ويقول: "أكلت حلوها فلابد من أن آكل مرها".  وهكذا ظل الجعليون أوفياء للثورة حتى لفظت أنفاسها فى كررى حيث سقط كثير من فرسانهم شهداء على أرضها متوشحين دماءهم، لم تمنعهم مذبحة المتمة ولا تهميش الخليفة لهم، ولا تحرشه بهم من تلبية النداء وركوب عواتى الخيل دفاعا عن الوطن العزيز.
  وعلى الذين يدرسون تاريخ الثورة المهدية ألا يخلطوا بين إستنكار الجعليين لسياسات نظام الخليفة وتهميشه لهم ولدورهم فى إشعال الثورة وبين ولائهم للفكرة وقائدها ، فما زال كثير من الجعليين حتى هذه اللحظة أنصار أوفياء.  ونتمنى فى مقال آخر أن نكشف الستار بالأرقام عن حجم دور الجعليين في  إنجاح الثورة المهدية وحجم دورهم القومي النبيل في تعليم أهل السودان القرآن الكريم رسما ومعنى، ونشر اللغة العربية، والعلوم الحديثة. كما لا ننسي دورهم فى التأليف والفن والأدب والمدائح، والجغرافية، والسياسة والإقتصاد ويكفيهم فخرا أن أول دكتوراة فى تاريخ السودان كانت فيهم.  وأرجو ألا يعشم القارئ الكريم  فى كتاب أسود آخر، فأنا والعنصرية والقبلية خطان لا يلتقيان أبدا، ولكن البحث العلمي ورفع الظلم عن الناس شئ والعنصرية والقبلية المقبوحة المذمومة والدعوة إليها شئ آخر. 
وهل يا ترى قد عرف الأنصار حق عكير كما عرف عكير حق الأنصار؟  أم ضاع حقه مع حق أهله الجعليين عموما؟؟.