هاهي عجلة الزمان تدور، تدور بمعدل دوران عالي ، تدور لتتباعد المسافات بين الناس أكثر، الزمن نفسه أصبح في عجلة من أمرهِ ،فلا ندري حقاً كيف إنقضت تلك السنوات الطويلة علي رحيل ذلك المبدع الشامل
نعم .. رحل عبدالعزيز العميري سريعاً دون إستئذان .. دون حتي أن يقول وداعاً لأحبابه في كل الدنيا ، رحل عنا ليستبدل داراً خيراً من دارنا هذه ، رحل سريعاً وقد كان في عجلةٍ من أمره ، فالقدر أيضاً لم يمهله حتي يقول وداعاً لكل الناس .. علي الأقل لأهل الإبداع ..وهذه مشيئة الله تعالي ، فلكل أجلٍ كتاب. فقد كانت ليلة الرابع من يوليو والناس لم يفقوا بعد من دهشة الذي حدث قبل الرحيل بأربعة ايام .. اي في 30/6/ 1989م .. كان ذلك اليوم هو يوم إستئذان المبدع الشامل عبدالعزيز العميري لمفارقة الدنيا بطولها وعرضها ، ومن بعد رحيله بقليل رحل أناس كثرُ عن الدنيا من أهل الإبداع في بلادي ، ثم ارتحل الأحياء من شعب السودان المؤهل جداً ، إرتحلوا إلي كل البقاع مكونين مجتمع الشتات الحالي لعلهم يجدون أمكنة وأزمنة تكون أكثر أماناً من أمان ديارهم الأولي .
فقد رحل العميري وقد كان يملأ الساحة الإبداعية بالكامل ولدرجة الفيضان بإبداعاته الرائعات والمتعددة الآفاق ، فهو قد كان طاقة جبارة وهائلة لا تعرف التوقف مطلقاً ، وكان في كل لحظة من لحظات حياته يتحف شعب السودان عبر التلفاز بإبداع جديد ، وببرنامج جديد ، كان يكتب الفكرة الدرامية ويختار شخوصها ويخرجها ، بل و يؤدي دوراً متميزاً فيها ، فقد كان مثل الراحل (أنور وجدي) في الدراما المصرية قبل أكثر من نصف قرن بقاهرة المعز حينما كان أنور يكتب ويخرج وينتج ويمثل العمل مع ليلي مراد والريحاني وعبدالوهاب ويوسف وهبي . ونحن شاهدون علي كل إشراقات العميري ، بل ونحتفظ له بمكتباتنا بكل شرائط الفيديو لتلك الأعمال الرائعات قبل إكتشاف تقنية اليوتيوب التي سهلت لنا أمر الإطلاع متي ما شئنا .
فقد كان الزمان نفسه أنيقاً ومشرقاً وتحفه حزمة الألق السودانية المتميزة. نعم.. كان الزمانُ شديد الإخضرار كأيادي العميري حينما كان يغرد وقتذاك بتلك الأهزوجة التي قام مبدعنا المهاجر بأمريكا الفنان علي السقيد بوضع لحنها الجميل ذاك:- (جينا نخت.. إيدنا الخضرا فوقك يا أرض الطيبين يابنوت الحِله العامره أبشراً بينا.. عديله وزين... أفتحن البيبان والطاقه وأذرفن الدمعه الحرّاقه) لم نكن وقتذاك نري غير الأحلام الخضراء ، ولكن... سرعان ما إنقلب الأمر وتبددت تلك الأحلام الخضراء في لمحة بصر ، فصحونا من الحلم الأخضر لنري أن المسافات قد تباعدت، وقد أصبح الكل يقطعون تلك المسافات ويرتحلون هائمين علي وجوههم في هذا الكون الواسع(مع الطيور المابتعرف ليها خرطه ولا في إيدها جواز سفر). ونحن إذ نسترجع شريط ذكريات إبداعات العميري المتعدد الآفاق ، أشعر وكأنني قد هيجتني الذكري مثلما كتبها صاحبها الراحل عبدالرحمن الريح وغرد بها الذري مبتدئاً بها حياته الفنية العامرة ، أتذكر العميري وأعود هنا إلي عام 1980م تحديداً وهو يؤسس حينذاك مع رفاق دربه كل أحداث حلقات المحطة الأهلية المتألقة ، تلك المحطة التي كان ينتظرها شعب السودان كله أمام التلفاز ، ذلك بكل بساطة ... لأنها كانت حلقات أنيقة ورشيقة أيضاً ، فيأتي العميري ليطوف بخيال المشاهد بالروائع ، نعم ... لا زلت أحتفظ في مكتبتي المتواضعة بتسجيلات فيديو( نعسان داقس
النايم) بذلك الحوار الندي في برامج المحطة الأهلية الذي كان يحكي عن أزمة السكن العشوائي في أطراف العاصمة ومعه ذلك الساكن العشوائي المبدع عبدالحكيم الطاهر، نعم .. هو .. هو عبدالعزيز العميري الذي قدم لنا في محطته الأهلية الطفلة الموهبة وقتها ( عفاف حسن أمين) إبنة الشاعر الراحل حسن أمين .. وقصيدة ( وا شقاي) بالمحطة الأهلية.. ثم كان درباً جميلاً لإبنتنا عفاف لتصبح بعد حين من الدهر من أعظم المحاورات في البرامج الإجتماعية التلفزيونية والإذاعية . .. كانت عفاف إحدي البصمات التي طبعها الراحل العميري علي جبين الإعلام مع والدها الشاعر الراحل حسن أمين في ساحة الإبداع التلفزيوني بالسودان قبل رحيلهما.
كان العميري ينغمس في الأداء الكوميدي الرائع مع أترابه الشباب آنذاك محمد نعيم سعد و مصطفي محمد خليفه.. وفاروق .. ومحمد السني دفع الله ..
وعبدالمنعم.. و يحي فضل الله ومعهم المخرج المبدع الأستاذ العريق عبدالعظيم كباشي ( مخرج الروائع ). ثم ينتقل العميري مرة أخري ليتألق في ثنائية غنائية يطل بها من وقت لآخر مع الراحل الجابري ( من طرف الحبيب ..
جات أغرب رسائل) ،وفي ثنائية أخري لتخليد الراحلة مني الخيربأغنيتها الرائعة ( ياعيون المها ياعيون) مع المبدعة المطبوعة ( سمية حسن) التي كانت لاتزال في بداياتها الأولي آنذاك ، ليستمر التألق ويبلغ مداه عندما يغرد العميري برائعة الخليل المحفورة في مخيلة كل شعب السودان حتي أجيال الشباب الحالية التي ظلت تتمسك بذلك التراث الخالد المتجدد ، فلم يندثر ولن يحدث ذلك طالما كان هنالك شباب تكسوه الجدية وعدم إهمال غناء الخط الوطني الأصيل والذي لا يرتاح له البعض (وهم قِلة) لا ترغب في أن تتغني الجماهير بهمومها وقضاياها الضائعة أو المُغيّبة عمداً ، فكان العميري يجد نفسه عندما يغرد لأهل السودان بتلك الرائعة لخليل فرح:
ما ألذ نسيم وصلِك ....
ما رأيت ياجميل مثلك
يانبيل السوح.. هو هذا هواك
أم هوي الأسحار
صبغ الخدين حُمره..
وبعد ساعه بشوف صُفره
الإصفرار ده كتير..
أخجلوك يا أمير..
ولاّ نـُمتَ نهار
فلق الصباح قول لي..
أهو نورك لاح خِلـّي
ياخفيف الروح.. هو هذا نداك..
أم ندي الأزهار
ورحم الله الأربعة الذين تغنوا بها كثيراً وهم:- الخليل.. الكاشف..
أبوداؤد .. ثم العميري .
ونحن عندما نتحدث عن فن الدراما ، فقد كان العميري يصول ويجول في دروبها الصعبة ، وعندما نتحدث عن الكوميديا تحديداً ، فإن كنوز برامج المحطة الأهلية كانت تكفينا ( وزيادة) حتي أوقفها النظام المايوي في بداية الثمانينات من القرن الماضي وهي لم تزل بعد رطبة العود ، ولينة القوام ، فوأدوها قبل أن تبلغ الحُلم ، وما أكثر مسلسل الوأد في بلادنا لكل صنوف الإبداع الذي يتلمس قضايا وهموم الجماهير ليعكسها في دراما ساخرة تحت ظلال الأنظمة الشمولية البائسة التي تفتقر لكل شيء ، وهذه كانت دائماً إحدي حساسيات أهل السياسة والحكم تجاه أهل الثقافة والفنون والإبداع ..
ولكن ثقافة وتراث أهل السودان ستبقي وستتجدد وستداولها الأجيال ، وسيذهب كل الذين يقفون عقبة أمام تعدد ثقافة وإرادة ومزاج الجماهير ، ونحن هنا نختلف جداً مع من يعتقدون بغير ذلك .. فالتغيير نحو الأفضل هو سنة الله في الأرض بإذنه تعالي ، وسيعيد التاريخ نفسه لأن الثوابت ليست هي الأخطاء ، بل هي أشياء أخري جميلة وعديدة رحلت من بين أيادي المجتمع السوداني وربما لا تعود بسهولة ، الثوابت التي يعرفها شعبنا هي لغة التسامح والحنية والتواضع والتكاتف والتجرد والأمانة والزهد الذي غادرنا في رحلة مجهولة الأمد ( ورحم الله شاعرها عثمان خالد) ...
ومن حق مجمل أهل السياسة حاكمين ومعارضين أن يحلموا بما يشاؤون.. ولكن شريطة ألا تكون تلك الأحلام مفرطة ( ومفتوحة) إلي ما لا نهاية ، لأن لكل بداية نهاية .. وتختلف هنا أنواع النهايات فربما تكون النهاية (إنتحارية
) أو إجبارية كالتي حدثت للمخلوع في أبريل 1985م والتي يعتقد البعض بأنها سوف لن تتكرر ، ولا نعلم بعد عن الأسس التي تم عليها بناء هذا الإحتمال .. وربما تكون النهاية أيضاً إختيارية وحضارية جداً مثلما حدث في بعض دول الربيع العربي ( مصر وتونس ) … ولكن هذه تبقي من رابع المستحيلات حسب التجارب الجارية في العالم الثالث.
ولكن …عندما يقول الله تعالي لها كوني ، فبلا شك (ستكون) ، أو ليست التجارب السابقة في كل أركان الدنيا (ونحن من ضمنها) تدل علي ذلك ؟؟ أم نحن حالة إستثنائية خاصة ؟؟؟… معليش ( لم يكن هنالك داعياً لحديث السياسة ، ولكنها واللهِ.. أتت عرضاً ولوحدها لتحشر نفسها ، إذن لا فكاك منها … أو لم يكتب سيف الدين الدسوقي منذ زمن بعيد عندما لحنها له ودالحاوي وتغني بها الفنان الذري - ليه بنهرب من مصيرنا؟؟؟) .
ولعل المصير هنا هو ساس يسوس… فهو إذن سايسُُ وربما للخيل.. أما إذا عدنا إلي إبداعات الراحل العميري في مجال الشعرالغنائي فقد كان فارسه المغوار برغم أنه لم يكتب فيه كثيراً ولكنه عندما كتب فإنه إنفرد بتميز الأسلوب وجمال النكهة.. نعم... كانت للعميري لغته الخاصة به والمتميزة فيه ، فكيف ننسي تلك الرائعة التي كتبها الراحل العميري ليطربنا بها الراحل الكروان مصطفي سيد أحمد بعد وفاة العميري ، وكان بذلك - مصطفي سيد
أحمد- يريد أن يذكر الناس بجماليات مفردات أشعار العميري الغنائية بعد رحيله.. فكانت ( الممشي العريض) هي من أجمل ما كـُتب في شعر الغناء السوداني علي الإطلاق .. وكان الكروان مصطفي سيد احمد يضع لها من اللحن المتألق والرشيق جداً ما يجعلها تخاطب كل الناس بأشيائهم الجميلة لتعكس مدي قدرة وكفاءة ناظمي الشعر الغنائي في السودان .. فقد كانت ( الممشي
العريض) تقول:
مكتوبه .. في الممشي العريض
شيلة خطِوتـَك.. للبنـية
ممهورة بالخط العنيد
في ذمة الحاضر وصية
شاهد التواريخ والسـِيَر.. والإنتظار
أدوني من قبلِك.. مناديل الوصول
وفردّتَ .. أجنحة العشم
في ساحة الوطن البتول
وضحكتَ .. ماهمـّاني شي
وبكيت.. ولا همـّاني شي
عندِك وقفت .. من المشي
وغرقتَ في ضوء النهار
ألم نقل أن الراحل العميري كان يمتلك المقدرة في الإتيان بأجمل الكلام الرهيف الخفيف ، كلام تفوح منه أجمل الروائح المضمخة بعرق شعبنا الكادح .. ( وضحكت ما هماني شي.. وبكيت ولا هماني شي.. عندك وقفت من
المشي) .. ورحمة الله تغشاك يا عميري.. ورحمة الله تغشاك يامصطفي سيد أحمد ، لتتواصل الرحلة في الممشي العريض وكل مفرداتها كانت عبارة عن ألق وإشراق ، ولنري (كمية الحُب) التي كتبها العميري في (مشروعه) الذي لم يكتمل ، وقد كانت من أجمل المشاريع من حيث رهافة الحس ونداوة التعبير ، فهي قد كانت لوحة زاهية الألوان لنراها في المقطع التالي:
قالوا.. بتمنوكِ لو..
ترتاحي لحظه.. علي الدرِب

حبُّوكِ حُب... قدر الحروف الحايمه
في بطن الكتب

ولنا أن نتصور حجم هذا الحب في كمية (الحروف) الحائمة في بطن الكتب ، والتي إذا أتينا بأحدث موديلات الكمبيوترات ذات التقنية العالية فإنها لن تستطيع إحصاء عدد تلك الحروف الحايمه في بطن الكتب، ليؤسس العميري بمثل هذا التعبير لأرقي أدبيات مفردات الشعرالغنائي الحديث في في ( إستايل) غير مسبوق ، ولنري ذلك التدفق العجيب من خيال الراحل الخصيب ،لتكتمل الحكاية التي كتبها في ذلك الممشي العريض .. وبالبنط العريض أيضاً:
قدر الخيال .. ما مدَّ إيدو علي السُحب
بكل خاطر.. كان بريدك
إلا ريدك .. كان رسول الدهشة
.. في كل الديار
وأنا زي عوايد الشعراء فارس
شد خيل الكلمه ليكِ
ومصلوب .. علي ظهر البدايه
القالوا .. آخرها بين يديك
وسرحتَ .. يامهوِّن تهوِّن
كان أجيك..
كان .. أصَل يوم لحضورِك
كـُت بدورِك.. وبشتهيك
وإنكسر.. فيني الترجي
ونلت.. من سفري الخساره
بس ... داير أقولك يا أصيـله
لو تعب .. فيني التمني
وإنهتك.. وتر المُغني
كان تسدي علينا.. طاقات البشاير
.. ينهتر.. يوم التجني
وأجيك.. ولا همّـاني شي أجيك
عندِك.. وقفت من المشي
وغرقتَ .. في ضوء النهار
وهكذا نجد أن الراحل المبدع عبدالعزيز العميري -عليه الرحمة-قد ترك خلفه أجمل الأشياء في تاريخ الفنون والآداب السودانية ، وستستمر أصداؤها لفترة طويلة من الزمان،فهي بلا شك سوف لن تنمحي من ذاكرة شعب السودان الفنان ...لأنه شعب يظل يضحك ولا همّاهو شيء.. وأيضاً يبكي ولا همّاهو شيء .. لكنه لم يتعب بعد من المشي في ذلك الممشي العريض الذي كتب فيه العميري أجمل أشيائه بالخط العريض .. وأيضاً لم يغرق شعبنا بعد في ضوء النهار.. بل سيظل صابراً ومتقداً ووهاجاً ..إلي أن يحقق كل أمانيه ويعيد كتسباته القديمة ولو بعد حين ... ورحم الله العميري . وكفي ...
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////