سلسلة ذكريات يكتبها: صلاح الباشا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أطلت بخاطري وأنا أعمل حتي وقت قريب بالعاصمة القطرية الدوحة ، مراجعا لحسابات وزراة الخارجية القطرية حتي العام 2003م ، أطلت فكرة إصدار هذه الذكريات بكل مكنوناتها من الحكاوي الرطبة عن مدينتي وعُشقي المستديم ودمدني .. مدينة الأحلام .. فقد كانت مناسبتها كالتالي :

ذات يوم وقد كان جو البيت عندي بالدوحة موحشاً كعادته بعد سفرعائلتي في صيف العام 2001م فلأتحاق بعض الأبناء والبنات بالدراسة الجامعية ( وقد تخرجوا الآن ) ..  طاف بخاطري فجأة طيفها.. لم يفارق خيالي مطلقاً ذلك الطيف .. مذ تركت الوطن وأنا لا أزال خريجاً طري العود أعمل بالمملكة العربية السعودية وقتذاك في منتصف السبعينيات من القرن الماضي عقب تخرجي من كلية التجارة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وهنا أرجو ألا تذهبوا بعيداً ، لأنني أقصد هنا طيف مدينتي .. مدينة الأحلام وليس طيفاً آخراً ، رغم إعترافي بأن هنالك طيفُ آخر بالفعل في الخيال ، ولم لا يكون هنالك طيفان في الخيال، عموماً كنت مهموماً وأنا أدير محرك السيارة خارجاً ذات صباح مشرق من منزلي بالدوحة إلي عملي بالخارجية ، ودائماً ما أدخل علي إذاعة لندن ( بي بي سي ) لسماع نشرة الصباح من راديو السيارة أثناء (تسخينها) فالنشرة تأتي علي رأس كل ساعة  ، لكنني في ذلك اليوم تحديداً قد صرفت النظر عن سماع الأخبار في (البي بي سي ) فقد آلمني وقتذاك رحيل المذيع المتفرد العريق ماجد سرحان الفلسطيني الأصل ونجم إذاعتها المقتدر في لندن ، كنت أحب صوت الرجل وأحب مداخلاته وخفة دمه من وقت لآخر في - هنا لندن هيئة الإذاعة البريطانية- ( يرحمه الله) ، كما أنني قد مللت تكرار أخبار تفجيرات برجي مركز التجارة في نيويورك وأنباء الضربات الموجعة علي طالبان  في بلاد الأفغان خلال تلك السنة من العام 2001م ، لذلك فقد أدرت شريط كاسيت كان مركوناً بمسجل العربة و لم أكن أدري ماذا  بالشريط من غناء يريحني، ولمَن مِن أهل  الإبداع في بلادي يكون ذلك الشريط ، فكنت فقط أريد أن أسمع شيئاً من الغناء السوداني يزيح عني ذلك الضغط المحتقن داخل صدري ، فجاءني صوته هادئاً ، ولكن بنبراته القوية الواضحة المعالم وتصحبه موسيقي في هدوء شاعري متميز وجاذب:

مالو .. أعياه النضال .. بدني…

روحي ليه.. ليه مشتهية ودمدني

كنت أزور أبويا .. ودمدني..

وأشكي ليهو …الحضري  والمدني

    فقلت ياسبحان الله ، ما أجمل هذا الصباح ، إذ سرعان ما بدأ الهم والغم يتسرب من صدري وينسحب بعيداّ بعد أن جثم عليه بكل عنف يوماً كاملاً  ، فإنزاحت سحابة الغم الداكنة من خيالي بعد أن جاءني صوته.. صوت أبو الأمين كي يشدني مع جماليات خليل فرح إلي جماليات ودمدني .. عشقي المستديم.. ودمدني التي كانت ولا تزال تعانق النجوم .. وتتغطي بالنجوم ، ونحن أيضاً نعلق أنجمنا عليها ، فإنتشيت وحلقتُ في أجواء عالية  ( إلي حيث لا حيث ) ، فطافت بخيالي ذكريات أزمنة كانت رشيقة وخبايا أمكنة كانت حقيقة في تلك المدينة الوطن ، ليمتليء كياني ويزدحم ، فتسمرتُ ولم أحرك السيارة من جراج المنزل إلا بعد إن إنتهت تلك الأغنية الخالدة التي قام الفنان محمد الأمين ببعثها من جديد بعد أن كانت قابعة في سجلات التاريخ حين كتبها الراحل الرمز الوطني المبدع ( خليل فرح) في عام 1930م وهو في طريقه بالقطار من الخرطوم صوب ودمدني للمشاركة في فرح فنان السودان الأول ( الحاج محمد أحمد سرور) إبن قرية ودالمجذوب شمال ودمدني  ، فشدتني الأغنية تماماً نحو عُشقي .. نحو مدينة الأحلام .. ودمدني… ورحم الله خليل فرح ، ورحم الله سرور.

     ولأجل ذلك.. وبسبب كل ذلك .. وبسبب كل تلك الحزمة من الوجد والعشق لودمدني الروح ، كانت رائحة الرواية تستفزني أن أكتبها .. فكانت ودمدني هي تلك الرائحة، ولأجلها جاءت فكرة هذه الذكريات  .. جاءت لتحكي ودمدني قصتها بنفسها .. تحكي بعضُُ منها لأهل السودان عامة ولأهل ودمدني في كل مكان.

      لذلكً نقول .. تفضلوا معنا في  ودمدني التاريخ بكل أسرار حكاياتها .. ومفاصل حياتها الثرة المكتنزة بكل ألوان الجمال التي كانت متناثرة هناك في مدينة الأحلام .. إلي ودمدني بكل ضواحيها التي تحاصر وتحيط بها إحاطة السوار بالمعصم وتجمِّـل خاصرتها لتكتمل حكايتها .. وإلي ناسها وإلي أحيائها بكل حواريها وأزقتها.. إلي همومها وإهتمامات أهلها المتعددة المتألقة في ذلك الزمن البعيد القريب.. وإلي مفاصل حياتها الإجتماعية والأدبية والفنية والسياسية وعمالقة الرياضة فيها منذ زمن بعيد ، وإلي حلقات الذكر والقباب التي تحرسها برعاية الله من كل الشرور..  وإلي حكاوي أسواقها الرشيقة .. وشخصياتها الجادة والمرحة أيضاً .

     مع كل ذلك الزخم ذو الطعم اللذيذ  .. نواصل الحكاوي  .. عن مدينة الأحلام .. ودمدني .. والتي حصرناها هنا في عشر سنوات هي في تقديري تعتبر العصر الذهبي لنا وللمدينة معاً ( 1961- 1970م ) حيث ولجنا فيها إلي الدراسة بالمرحلة الوسطي ، ثم الثانوية ، فالرحيل إلي الخرطوم في العام 1970م للدراسة الجامعية .

      كان المشهد التالي قد عايشته في نهاية أبريل من عام 1961م والعمر لا يزال غضاً لم يتجاوز الحادية عشر ربيعاً ، حين ذهبنا من بركات ( 8 كيلومترات جنوب ودمدني ) حيث توجد رئاسة مشروع الجزيرة وهي مقر سكني ونشأتي الأولي ، إلي ميدان المدارس الأهلية الوسطي العريقة والضخمة جدا من حيث عدد الفصول ،  في حي بانت بودمدني ، مع أفواج من الصغار الذاهبين مثلنا في صحبة أولياء أمورنا في ذلك الصباح الندي    وقد كان يصحبني أخي الكبير الراحل حسن الباشا الموظف بمشروع الجزيرة آنذاك ، ( توفي في 14 مايو 1997م ) . ذهب معي كي يخفف عناء المشوار الطويل عن والدي الذي تقدمت به السنون وقد رحل في أكتوبر 1987م عن عمر ناهز المائة عام ( عليهما الإثنين الرحمة)  ، ذهبنا ونحن نشعر بنوع من القبطة والسعادة المشوبة بنوع من الحذر لمعرفة الحد الفاصل بين مرحلة دراسية واخري .. وهي الإستماع لإذاعة نتائج إمتحان اللجنة للدخول للمدارس الوسطي من مركز الإمتحانات بالمدرسة الأهلية ، فكانت النقلة المرتقبة من المدرسة الأولية التي كان يُطلق عليها ( الكـُتـّاب) وهي أربع سنوات حين كان التعليم العام لإثنتي عشر عاما قبل الجامعة وهو ( أولية ووسطي وثانوي )  ، فالحد كان فاصلا لنا بين الأولية  و المرحلة الوسطي وقد كانت هي أمنية كل صبي .. بل وأمنية أهله أجمعين . ولم لا .. فقد كان خريج المدرسة الوسطي القديمة في زمان مضي من الممكن أن يصبح موظفاً كبيراً إذا لم يرغب في مواصلة الدراسة بالثانوية. 

    واللجنة كانت بلغة ذلك الزمان هي إمتحانات القبول في المدارس الوسطي بالمدينة بعد إكمال المرحلة الأولية التي كانت من أربع سنوات دراسية . كان الصيف في أبرلي من العام 1961م قد بدأ يكشرعن أنيابه ، والجو الصباحي بدأ يودع البرودة مسرعاً نحو السخونة ، وجميع التلاميذ ومعهم أولياء أمورهم يتصببون عرقاً بسبب طول مدة الوقوف خارج حائط حوش المدرسة في ميدان كرة القدم الخاص بالمدرسة الأهلية . وفي تمام الثامنة صباحاً أطل أحد المعلمين من فوق سور المدرسة من الداخل وهو يقف علي كرسي حتي يراه الناس الذين كانون يتوقون لسماع أسماء الناجحين من أبنائهم من مايكرفون اليد بالبطارية الذي كان يستخدمه ذلك الأستاذ في إذاعة الأسماء  ،  فكان يمسك المايكفرون بيمناه  ، بمثلما كان يمسك كشوفات الناجحين بيسراه بعد أن قام بتثبيت الكشوفات علي سطح الحائط العريض ، وبدأ في إذاعة أسماء الطلاب الناجحين.

   كان عدد الجالسين للإمتحانات من مدارس مدينة ودمدني الأولية وهي مدارس عديدة كمدرسة البندر وأبوزيد والمزاد والسكة حديد الشرقية والغربية ، وبانت ، والدباغة ، والشرقية ودردق وجزيرة الفيل ، ومن المناطق القريبة التي تحيط بودمدني وهي:( بركات- الشكابة- أم سنط- السوريبة ) وقد كان مجموع الطلاب الممتحين في المركز يبلغ حوالي الألف طالب ، بينما كان العدد المطلوب قبوله في ثلاث مدارس متوسطة بالمدينة لا يتجاوز الثلاثمائة طالب . كانت المدارس الحكومية المتوسطة هي الأهلية الوسطي بشقيها (أ) و ( ب) ، والمدرسة الأميرية التي تأخذ أربعين طالباً ( الأوائل) فقط وبرسوم كاملة تبلغ إثني عشر جنيهاً في العام الواحد لأنها كانت تعتبر مدرسة نموذجية وذات نهر واحد ، ويتم دفع الرسوم علي ثلاثة أقساط ، أما الأهلية (أ) فقد كانت كبيرة وبها ثلاثة أنهر في زماننا وهي شرق وغرب وجنوب  ويتم أيضاً قبول أربعين طالباً في الصف الواحد ، أما الأهلية ( ب) فقد كانت ذات نهرين وهما أيضاَ ( أ) و ( ب) وكان لا يفصل بين الأهليتين شيئاً غير حوائط الفصول ومكاتب المدرسين وممر مفتوح علي المدرستين معلق به الجرس الذي يستخدم كتوقيت لبدء الدراسة والحصص بالمدرستين . أما المدرسة الوسطي الثالثة الحكومية فكانت هي المدرسة الصناعية وهي في حي بانت أيضاً وتقع بالشارع المطل علي خط السكة الحديد حيث يفصل بينهما سلسلة المخازن العريقة التي تم هدمها مؤخراً – مخازن أبوسنون - وتم بيع أراضيها كخطة إستثمار حكومي بالمزاد العلني. فكانت الصناعية مخصصة للتلاميذ الناجحين من كبار السن أو من الراغبين في دخول التعليم الصناعي المهني ، أما المدارس الخاصة المتوسطة والتي كانت تسمي بالشعبية فقد كانت إثنتين فقط هما مدرسة شيخ أبوزيد في منتصف حي بانت ، ومدرسة الهوارة الوسطي في نهاية حي المزاد ، كما كان يوجد المعهد العلمي الأوسط بجامع الحكومة بشارع النيل والذي كان إمامه الرسمي في ذلك الزمان ولعقود طويلة هو المرحوم العلامة (شيخ آدم) وقد كان الشيخ مرجعاً في فقه السنة وفي سائر العبادات رغم أنه كان ضريراً. وكانت هناك مدارس الإتحاد المصرية بموقعها القديم بشارع الدكاترة قبل أن يتم بناء مباني جديدة لها وهي المدرسة العربية بمراحلها الثلاثة بحي الدرجة الأولي علي شارع مدني – بركات الرئيسي ، والتي تم تحويلها مؤخراً إلي مدرسة ثانوية سودانية تحمل إسم الشهيد الدكتور مصطفي الطيب علي، بعد إلغاء حكومة الإنقاذ لكل التعليم المصري بالمدن السودان وكذلك إلغاء جامعة القاهرة فرع الخرطوم خلال سنوات الشد السياسي والإحتقان في بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين .

       عموماً.. تم إذاعة أسمائنا في ذلك الصباح كناجحين وتمت مقابلتنا بلجنة المدرسة لمدة ثلاثة أيام للمعاينة بمعدل مائة طالب يومياً وذلك لتحديد الرسوم الدراسية ولمعرفة عمر التلميذ ومهنة الأب والتي علي أساسها يتم تحديد الرسوم الدراسية ، وقد كانت الرسوم يبلغ أعلاها إثني عشر جنيهاً وأوسطها ستة جنيهات وأدناها ثلاثة جنيهات في العام الدراسي الواحد ( والجنيه السوداني كان ذا قيمة كبيرة جداً وقتذاك) كما كان هناك القبول المجاني للمتعسرين أو لأبناء أرباب المعاشات أو الأيتام . ولكن بعد مرور سنتين  من قبولنا أي في العام 1963م تم إلغاء تلك الرسوم بقرار من المرحوم اللواء محمد طلعت فريد عندما تم تحويله كوزيرمن وزارة الإستعلامات والعمل إلي وزارة التربية والتعليم في زمان حكم الرئيس الفريق ابراهيم عبود الذي إمتد من العام 1958 وحتي ثورة أكتبور الشعبية في العام 1964م ، حيث تمكن اللواء طلعت فريد من إستصدار قرار من مجلس الوزراء بإلغاء رسوم الدراسة بالمدارس الحكومية كلها ( وسطي وثانوية) في كل السودان ، ما أثار فرحتناوفرحة ىبائنا لسنوات طويلة ، فالجينه كان عزيزا وقتذاك حين كان الإقتصاد السوداني متوازنا ومستقراً ،،،،،

نواصل