سلسلة ذكريات يكتبها: صلاح الباشا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 بالعودة مرة أخري حول ذكرياتنا بالمدرسة الأهلية ومفاصل حياتنا الدراسية بها ، أذكر أيضاً بعد إنتهاء مذاكرة المساء الإجبارية ، قد ذهبنا في إحدي المرات  لحضور ندوة  في نادي إجتماعي كان يقع بالقرب من ميدان بانت بمدني حينما كانت هناك حديقة دائرية جميلة تقع قرب الميدان وبداخلها بوفيه وهي تتبع للبلدية ، كانت الندوة يقدمها اللاعب كرار العربي ( كرار حسن كرار) والذي رحل مؤخراً ، وهو لاعب خط وسط نادي الإتحاد والفريق القومي في ذلك الزمان، ثم أصبح يدرب  نادي الإتحاد لسنوات طويلة خلت ، وقد كانت بمناسبة عودته من جولة مع المنتخب القومي السوداني الذي  طاف فيها دول شرق أوروبا عام 1963م حين كان إقتصاد السودان في عصره الذهبي يسمح بمعسكرات طويلة المدي في أوروبا ، وقد حكي  كرار للحضور طرفة حدثت لهم هناك في أوروبا ولا زالت عالقة بخاطري ، وهي كيف أنهم ذات مرة في العاصمة البلغارية( صوفيا) قد دخلوا كي يشتروا أشياء من محل لبيع الملبوسات ، وكانت صاحبة المحل إمرأة ، ويبدو أنها لم تشاهد أناس سود البشرة بهذا الشكل من قبل ، فقد دخل عليها في البداية كابتن سبت دودو ، وعندما رأته ، تسمرت في مكانها  ثم أعقبه في الدخول كرار العربي فإزداد رعبها برغم أن لونه كان قمحياً ، وعندما دخل عليها المرحوم الحكم الدولي الخليفة موسي  وقد كان طويل القامة وأسود البشرة داكنها ، فإنها صرخت وتركتهم وخرجت من المحل تجري في الشارع. ولقد تذكرت هذه الواقعة مؤخراً في عام 1999م حين قابلت المرحوم كرار العربي في دكان كابتن محجوب الدابي مدافع الإتحاد في ستينيات القرن الماضي ، ويقع محله في سوق الصياغ مقابل بنك السودان ، وقد كان  كابتن كرار العربي يدرب نادي الإتحاد فحكيت له الحكاية التي مر عليها قرابة الأربعين سنة ، لأنني قد تذكرت الحكاية للتو عندما شاهدته ، فضحك الرجل وتذكر الموقف تماماً وأعاد حكايتها لي مرة أخري لأنها أيضاً ظلت عالقة بخاطره.

         ومن طرائف الرياضيين في ودمدني ، كان هنالك الرجل النكتة الظريف ( حاج عوض بعشوم) وقد كان يحرس مرمي نادي الرابطة ويعمل بورشة صيانة العربات بمشروع الجزيرة ببركات، ثم كان خليفته في حراسة المرمي مصطفي الجعلي الذي كان يعمل أيضاً موظفاً بمشروع الجزيرة ببركات ، وكان أخيه الأكبر السيد عبدالله الجعلي قد ترأس إدارة نادي الرابطة لعدة سنوات كما ذكرنا ، فكان نادي الرابطة يضم بين صفوفه  العمالقة في اللعبة ، كان هناك عمر النور لاعب الزمالك لاحقاً حين كان طالباً بالمدرسة العربية المصرية بودمدني ويلعب لنادي الرابطة ، وكان هنالك المرحوم غالب حسن الذي كان يتميز باللعب العنيف في خط الدفاع ، وعثمان مرحوم رأس الحربة السريع في تحركاته ، ثم اللاعب ( الدقيل ) الذي كان من أظرف اللاعبين والعاملين أيضاً بورشة الهندسة الميكانيكية ببركات ، واللاعب الحريف ( كرن) ، واللاعب الراحل مزمل و اللاعب ودالعسكري الذي تصوّف بعد إعتزاله الكرة وصار من أعمدة الطريقة البرهامية بالمدينة ، ولاعب الوسط الفنان جداً (الناير ) الذي إنتقل لاحقاً إلي الإتحاد وغيرهم وغيرهم من جيل الستينيات والمرحوم اللاعب الفنان الحريف سيد مصطفي دينمو النادي الأهلي والفريق القومي ، وقد كان الكابتن معاوية الشقيق الأكبر للاعب الرابطة المرحوم مزمل هو الذي يقوم بتدريب الرابطة في تلك الفترة ،  ومن طرائف منافسات الكرة ونتائجها وإنعكاساتها في اليوم التالي بمقر العمل بين اللاعبين والمشجعين  أذكر أن حاج عوض بعشوم الذي كان يعمل بورشة الهندسة الميكانيكية بمشروع الجزيرة ببركات قد دخل معه المرحوم محمود عواض – حكم سابق - في نقاش رياضي ساخن ذات مرة ، و قد كان محمود ضابطاً للوقت  ( تايم كيـبر) في تلك الورشة التي تم إنشائها لصيانة أسطول عربات مشروع الجزيرة ببركات ،  والمسؤول عن الحضور والإنصراف لعمال الورشة ، وقد دخل محمود عواض في مناقشة بها عتاب شديد في فسحة الإفطار مع حاج عوض بعشوم حيث كان فريق الرابطة قبلها بيوم واحد قد خرج مهزوماً من نادي الإتحاد هزيمة نكراء بأستاد ودمدني وبأهداف عديدة ، وكان محمود عواض حتي وفاته ببركات في عام 2000م أهلاوياً أكثر حدة من كلمة (علي السكين) وقد كان متعهداً لبوفيه النادي الأهلي بعد نزوله المعاش عن العمل بالمشروع ، وهو من كبارأقطاب النادي حيث كان يوجه اللوم إلي حاج عوض بعشوم كيف أنه حارس مرمي عريق وكبير ويترك تلك الأهداف تلج مرماه بسهولة من ناس الإتحاد ( الند التقليدي للأهلي)   فكان رد عوض بعشوم الذي كان يشتهر بالنكتة الظريفة كما قلنا وقد كانت في لسانه ( لجَنه ) ظريفة محببة حين يتحدث ، فقال لمحمود مبتسماً وقد بانت أسنان الذهب الموجودة في فمه : ( والله ياحاج محمود ناس الإتحاد ديل بيجوا هاجمين وهايجين علي قوني زي البقر، آي والله هاجمين ودافرين كلهم زي البقر تماماً.. يجوا زاحفين علي القون وأنفاسهم قايمة ).

ومن وقتها تم تسمية ناس الإتحاد بالبقر وربما حتي اللحظة ، وكنا عندما نذهب إلي الأستاد ونجلس في مسطبة الإتحاد فإن مشجعي نادي الأهلي ينادون علي لاعبينا بكلمة( هُرت.. هُرت) ، فقد كانت أجسام لاعبي الإتحاد فعلاً ممتلئة وقوية البنيان في ذلك الزمان وكانت عضلاتهم واضحة المعالم وطريقة لعبهم عنيفة مثل الكرة الأفريقية تماماً ، فكان هناك في الإتحاد الراحل الجناح الأيمن الرشيد محمد علي ( كوفادس) ويطلق عليه ايضا لقب (أبو نانا) وهو الشقيق الأكبر لإبراهومة وحمد النيل ، وإبراهومة هذا هو  – إبر اهيم محمد علي بحيري- الذي إنضم لنادي المريخ في عام 1958 بعد أن لعب لنادي الإتحاد لمدة عامين حيث قام بأخذه إلي المريخ المرحوم حسن أبو العائلة الذي كان كابتناً للنادي ثم أصبح سكرتيراً عاماً للنادي بعد الإعتزال ، أما حمد النيل محمد علي شقيق إبراهومة فقد لعب لنادي النيل بمدني ثم إنتقل للهلال العاصمي في عام 1962 ومنه سافر إلي دولة قطر حتي الآن ثم لحق به إبراهومة عام 1963م وهما أيضاً أبناء خؤولة لكل من التوم السيد والسني السيد وخالد السيد وعامر عوض عبده وأخوانه كما كان هنالك بالإتحاد الجناح الأيسر بدر حوفي ، وكان في الهجوم محجوب الله جابو ( البابور) ثم كرارحسن كرار في الوسط  ومحجوب الدابي والطيب موسي عليش ، ودورية ، ومختار حاج أحمد ( مُخ)  وخالد أب لبدة ويوسف إسكيمو في الدفاع واللاعب الفنان أحمد عبداللهِ لاعب خط الوسط وهو يعمل في دولة قطر حالياً حيث كان حينذاك يعمل موظفاً ببركات بمشروع الجزيرة ، وكذلك لعب بالأتحاد المرحوم جعفر ودالنوبة الذي توفي بسبب الفشل الكلوي عام 1999م وقد مثل السودان كثيراً مع المنتخب القومي ، وفي وقت لاحق إنضم للإتحاد اللاعب الماهر المشاكس صديقنا عامرعوض عبده وقد كان من أميز لاعبي خط الوسط في السودان كله ثم إنتقل عامر إلي الموردة فودنوباوي ثم إلي قطر، وقد أتي الحارس وزميل دراستنا في الوسطي (خالد السيد ) علماً بأن كابتن عامر عندما إنتقل إلي الموردة بأم درمان فإنه قد نقل معه في فترة لاحقة خالد السيد للعب بالموردة. كما لعب للإتحاد في الهجوم في منتصف الستينيات الراحل الظريف كابتن مجدي الدين سنهوري الذي كان حريفاً جداً في اللعبة وكان شخصية هزلية مرحة وساخرة وله العديد من النوادر الجميلة ، ولمجدي هذا طرائف عديدة ، ولكن من أهمها  أنه في إحدي مباريات الأهلي والإتحاد والكأس أمامهما – كأس شهر  رمضان -  قد أضاع مجد الدين هدفاً مضموناً كان كفيلاً بإحراز الإتحاد للكأس ، وفي ذلك كانت هنالك قصة لا تخلو من الطرافة ، فقد تخطي مجدي الدين سنهوري كل دفاع الأهلي حتي الحارس الرشيد ، وعندما وصل أمام المرمي الذي أصبح خالياً تماماً ، لم يحرز الهدف  بل ظل يلعب بالكرة بقدمه اليمني داخل خط ستة كنوع من الإستفزاز للخصم دون أن يودعها المرمي بعد أن إنبطح كل دفاع الأهلي أرضاً خلفه و لمدة نصف دقيقة تقريباً ، وجمهور الإتحاد يصرخ   ( سجّلها يامجدي ، سجلها يامجدي ) إلي أن قام مدافع الأهلي ( وداللمين) من مكانه وجري بسرعة خاطفة خلف مجدي وضرب منه الكرة بفنيات عالية بعيداً عن المنطقة ، فضاع بذلك هدفاً كان مضموناَ مائتين في المائة وضاع الكأس ، فخرج مجدي من الإستاد والشرطة تحرسه حتي بيته خوفاً من فتك الجمهور به ، وعندما سئل مجدي الدين بعد المباراة لماذا لم يحرز ذلك الهدف ، أجاب بكل بساطة وبسخريته المعروفة ( ماعندي مزاج أجيبها  قون !!!) وقد أغضب جماهير الإتحاد وكادت أن تفتك به ، كما أغضب بالطبع كل مجلس الإدارة الذي كان يرأسه رجل الأعمال الراحل عزت أبو العلا ، مدير أعمال شركات ابوالعلا بودمدني وقتذاك .

نواصل ،،،،