عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
غنيٌّ عن القول ، أن لكل جيل قضاياه ، ولكل مرحلة رجالها ، بمثلما لكل مقام مقال . فالمقام اليوم مقام محاولة كتابة مقال بطرح جديد برغم تكرار المناداة به عبر سنوات عديدة ماضية عبر صفحات الصحف ومواقع النت السودانية.  وأجيال بلادنا علي مختلف مراحل الدولة السودانية الجديدة لفترة ما بعد إستقلال السودان ظلت تعاني حتي الآن من عدم ثبات تركيبة الدولة نفسها ، فبالإضافة إلي قضايا الهوية السودانوية التي تتصاعد وتيرتها الإثنية من وقت لآخر ، فإن الوضع الإجتماعي والجيوسياسي اليوم قد أجج صراعاته هذه الإثنية.   ذلك بسبب أن كل عنصر قبلي من عناصر المجتمع في السودان الشمالي  وأقصد هنا المجتمع الذي يتقن التحدث وينال التعليم والثقافة عن طريق اللغة العربية التي باتت اللغة الأساس والأم الحقيقية في السودان الشمالي بعد أن فارقه الجنوبيون( فراق الطريفي لجمله)ِ فكل عنصر عرقي يريد أن يفرض عنصريته علي بقية العنصريات السودانية الأخري حين ضاقت مواعين العمل السياسي بسبب فرض ثقافة فكرة الحزب الواحد والكيان الجامع التي تم تجريبها في سودان مابعد الإستقلال مرتين ( الإتحادي الإشتراكي العملاق والمؤتمر الوطني الجامع ) ، بعد أن كان أهل السودان يمارسون الفعل السياسي من خلال عدة منظومات وأحزاب ونقابات مهنية مطلبية تستوعب كل جهدهم وفكرهم وتطلعاتهم .. فحدث الإختناق حين تم تغييبها لسنوات طوال قبل أن تعود وهي كسيحة قبل مدة . فلم يستوعب الكيان الواحد الجامع رغبات الجماهير ، ما أدي إلي بروز الصراع العنصري والتسلح القبلي الذي يعتمد القبيلة منهاجا لرد الحقوق الضائعة ... وبعد ذهاب الجنوب الجغرافي في حال سبيله ، وربما لايعود تارة أخري للإنضمام إلي دولة الشمال المضطربة ، يبقي أن يبحث الشماليون أنفسهم في كيفية خلق مجتمع سياسي يباعد حالة الإحتقان الحالية التي تطغي علي المشهد السياسي بمجمله ، خاصة وأن أدوات التغيير الصعبة المنال صارت منهاجا متنامياً في همهمات خجولة من خلال تحركات العنصر الشبابي بشقيه الطلابي والمتخرج العاطل. ويزيد الأمر تعقيداً ، قوة العنصر الآخر الذي يعمل في وظيفته العملية بكد وجهد ، ولكن جهده لايغطي من إلتزاماته الحياتية إلا كلفة بضعة أيام من الشهر كله .
  وهنا ... وحتي لا تتكرر تحركات الشباب التي رأيناها تتميز بوتيرة إنفعالات عاتية غاضبة تزلزل الأرض تحت أقدام السلطة الحاكمة في مصر ومن قبلها في تونس ونلمس التحرك الآن في الأردن ، فإن الكياسة السياسية تستوجب من السلطة الحاكمة أن تبتكر من الأدوات الجديدة ما يمنع الغضبة من التفاعل ، فتأتي الحلول إيجابية منذ اللحظة الأولي لبروز حالات الضيق السياسي والإجتماعي ، حتي تستوعب التغييرات في السياسات الإقتصادية التي تحقق آمال الجماهير ، بما في ذلك إجراءت التوسعة الكاملة في مسألة الحريات التي تعيد الأمور إلي نصابها ، ويتم رفع الغطاء عن مكامن الفساد ، وتسبح المحاكم المدنية في بحار العدالة الناجزة التي تفيد السلطة الحاكمة ، أي أن تطهر السلطة نفسها دون تهاون وبلا هوادة ،  لتعود كل الأموال التي ظلت تخرج بطرق غير مشروعة أو بثراء فاحش حرام إلي خزانة الشعب ، خاصة وأن الفساد لاتسنده مستندات في الغالب الأعم ،  حتي يطمئن الشباب بأن هناك سلطاناً يضمن لهم إتساع فرص العمل وإعادة تدوير كافة أشكال المشروعات المتوقفة ، مع نشر بساط العدالة الإجتماعية في التوظيف ، بعد أن بات التوظيف لا يتم إلا لذوي العناصر التي تعرف كيف تتسلق حتي يتم إستيعابها ، ما يؤدي إلي الإحتقان داخل مفاصل المجتمعات في الأحياء والقري . ذلك أن أهل السودان ومن فرط إتساع فرص التواصل الإجتماعي والبيئي بينهم يكشفون المستور فوراً وبلا مدارة .
  ولعله من نافلة القول ، أن قطاعات الجماهير ومنذ عدة سنوات سبقت حتي المفاصلة التي شقت حزب المؤتمر الحاكم إلي حزبين ( وطني وشعبي ) في العام 1999م ظلت الجماهير تنشر وتشيع وتتداول أشياء وأشياء عن الفساد ، وبعد إنطلاقة البترول إزدادت وتيرة القيل والقال داخل مجتمعات أهل السودان عن مخازي توزيع عائداته ، خاصة وأن هذه النعمة النفطية التي ضربت الزراعة والصناعة في مقتل ، لم تنعكس آثارها الإقتصادية علي مجمل قطاعات الجماهير ، وفي ذات الوقت ظل الناس ينظرون بأمهات عيونهم التي غاصت في محاجرها ، كيف أن الناس قد تطاولوا في البنيان بطريقة مربية لاتتناسب حتي مع دخول كبار التجار ، دعك عن العامة ، ، وقد إزداد الثراء بشراهة بائنة لا تخطئها العين مطلقاً ، كما أصبحت كلمة ( البزنس) هي العبارة المفضلة تداولها عند قطاعات تقترب كثيرا من السلطة وأخري تقترب ثم تبتعد عنها وثالثة تقترب ثم تهرب عنها عند اللزوم ، ذلك أنها لا تملك روح الدفاع عن السلطة عند الملمات وبخاصة أن ديوان الضرائب لم تتمكن أذرعه العديدة من تحصيل ما يجب تحصيله من أرباح الأعمال ، وإلا لكان الفائض من تحصيل الضرائب قد غطي كل إحتياجات شعب السودان ، ولكانت الدولة لا تلجأ إلي تلك الزيادات العشوائية في السلع الحياتية التي هدت حيل الأسر تماماً ، ولم يشعر بتلك الزيادات المحظوظون من الطبقات الطفيلية التي نري مثلها الآن قد هرب حين هبت رياح الغضب ضد العديد من الأنظمة الحاكمة بالمنطقة العربية . وعليه فإننا اليوم حين نفتح حديث الصراحة هذا وبإتساع إشرعته فإننا نرمي في أن نباعد المظالم التي تهد حيل الدولة وحيل السلطة التي إن تراكمت عليها بسبب ممارسات الطفيليين بداخلها ، فإنها تجعل  السلطة  تنهار أمام الضغط الشعبي الذي لايحتاج أصلا إلي تحريض الأحزاب السياسية. كمان أن وجود مجلس وطني ومجالس تشريعية بالولايات الخمسة عشر وهم من عضوية حزب واحد لهي ملهاة وتضييع للمال ، ذلك أن تلك المجالس لن تضيف بـُعداً جديداً للسلطة أو مقترحات حلول لمصاعب البلد الإقتصادية ، خاصة وأنهم قد أجازوا الزيادات في أسعار السلع الحياتية دون أن يهتز لهم طرف ، بل لقد قابلها البعض بفرحة غامرة ... فمن أين أتي مثل هؤلاء النواب يرحمكم الله ؟؟؟  لكن مايثير الدهشة المقرونة بالإحتقان والوجع الأليم هو أن العديد من الصحف تنشر ماتشاء من مقالات مناصري الحزب الحاكم ، ولكن ما أن يكتب كاتب رأي آخر مخالف وبكل تهذيب ووطنية عالية المقام ، فإن الأجهزة الرقابية تضع قبضتها علي النشر وتمنعه من الصدور ليزداد الإحتقان ويتراكم داخل الصدور ، والذي يقود في نهاية الأمر إلي مثل تلك المآلات التي نراها الآن بشاشات الفضائيات .
   وحتي إشعار آخر ... فإن الحديث عن إتساع مواعين الحكم بإتاحة مقاعد السلطة للفئات المعارضة لن يحل إشكالية الأجيال الجديدة التي عاشت أقسي ظروف الحرمان، ما يؤدي إلي إنفعالاتها دون تردد ، فهي باتت لاتخاف علي شيء مطلقاً ، لأنها من الأصل لا تملك ما تخافه في السودان الشمالي الوليد ... كما أن الإعتقالات لن تضيف أماناً للسلطة . لكل ذلك فإن حديث الصراحة هذا ربما يقابله البعض بمد اللسان ، ولكن الغالبية في السلطة الحاكمة ستأخذه مأخذ الجد لأنه حديث مناصحة متجردة . فهناك من يتقون الله حق تقاته ويتخذون من ميزان العقل سبيلاً لتوافر الحلول الوطنية ... ويبقي مثل هؤلاء في الحزب الحاكم بالخرطوم هم الأمل وهم المخرج مما يحيط بالسودان من سيناريوهات يجري الإعداد لها منذ وقت ليس بالقصير ... فنحن والله نخاف علي أمن بلادنا الوطني أكثر بكثير من القابضين ، ذلك أن كل اطراف الوطن باتت تحمل السلاح .. ومن هم بالداخل يحملون سلاحاً آخر ، وهو سلاح الغبن المتراكم .
•    إعلامي بالحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل