عبق التاريخ وصدي الذكريات

سلسلة خواطر يكتبها: صلاح الباشا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>



نعود قليلاً للوراء مرة أخري ، فذات مرة ونحن في السنة الرابعة الوسطي بالأهلية سمعنا بأن هنالك مظاهرات في جامعة الخرطوم ، كان ذلك في أمسية الأربعاء 21 اكتوبر 1964م تحديداً ،  فلم نشعر ونحن داخل الفصل في الحصة الثانية إلا وبقوالب من الطوب الأحمر تلج إلي داخل المدرسة وترطدم بشبابيك حجرات الدراسة وكنا نسمع أصوات مظاهرات تأتينا من الخارج ، لم نكن نعي جيداً ما هي المظاهرات وما هي أسبابها لكننا علمنا بأن البوليس قد أطلق الرصاص علي ندوة بداخليات جامعة الخرطوم ( البركس)  وأصيب طالب جامعي وهو الشهيد أحمد القرشي طه من قرية القراصة بالجزيرة وقد كان في السنة الأولي بالعلوم         ( بريليم) ، وظللنا نتساءل بكل براءة الصبيان : وطيب نحن مالنا ومال الطالب هذا ، خاصة وهو بالخرطوم ونحن في ودمدني ، حيث لم يكتمل الأفق السياسي لدينا بعد ، فضلاً علي عدم وجود تيارات معارضة لحكم الرئيس الراحل إبراهيم عبود ، كما لم تكن هنالك أزمات إقتصادية أو غلاء في أسعار السلع والخدمات ، حيث كان الإقتصاد السوداني متوازناً تماماً ، وهنا أتذكر أن الأستاذ الزبير تميم الدار ( توفي الله قبل عدة سنوات )  وقد كان ضابطاً للمدرسة ، أي مسؤولاً عن الطابور ، وكان يدرسنا اللغة الإنجليزية والرياضيات قد دخل علينا في الفصول  وقال لنا أخرجوا مع أخوانكم في الشارع علشان تدافعوا عن الوطن وأعملوا حسابكم كويس من الرصاص والبمبان ، وكان الطلاب الذين أجبرونا علي الخروج هم من مدرسة ودمدني الثانوية ، وعند خروجنا من المدرسة وجدنا سيل من القنابل المسيلة للدموع في إنتظارنا من البوليس الذي أحاط بمدارس الأهلية بإعتبارها أكبر تجمع مدارس وكثافة طلاب في المدينة ، وبعدها بقليل إنضم إلينا طلاب مدرسة  أبوزيد الوسطي في حي بانت ، فتشتتنا من الشرطة داخل الحواري والشوارع الفرعية لكي تتوزع جهود رجال الشرطة ، علي أن نلتقي كلنا في السوق الكبير ، وقد ذهبت بعض المظاهرات تجاه المدرسة الأميرية عن طريق شارع بانت - القبة ، ثم شارع القبة المتجه إلي النيل حتي موقع المدرسة الأميرية بجوار جامع الحكومة ، وأذكر أن ناظر المدرسة الأميرية رفض خروج الطلاب ، فقمنا برجم المدرسة بالحجارة بكثافة هائلة ، فسمح لهم وخرج الطلاب معنا إلي الشارع ، ثم سرنا بشارع النيل حتي ميدان نادي الإتحاد ( ميدان الملك فاروق )   حيث وجدنا بقية مظاهرات طلاب المدارس قد فاض بها شارح الحرية الحالي الممتد من سينما الخواجة بجوار شارع السكة الحديد حتي شارع النيل ، وقد علمنا أن هنالك تاجراً سبق له أن أرسل برقية للإذاعة يؤيد الحكومة لتضرب ( العابثين بيد من حديد) فزحفت جموع الطلاب إلي متجر ذلك الشخص وهو الشيخ أحمد الشيخ الذي يقع في الناصية المقابلة لنادي الإتحاد الحالي  وتم إضرام النار في البقالة فإحترقت بالكامل .

كما حدث إطلاق رصاص من الشرطة في أحد  شوارع القسم الأول حيث ادي ذلك الرصاص إلي سقوط شهيد واحد برصاص الشرطة وهو شاب يسمي ( حسن أحمد يابس) كأول شهيد في ثورة أكتوبر بودمدني وثاني شهيد بالسودان بعد أحمد القرشي طه ، وكان الثالث هو بابكر حسن عبدالحفيظ من جامعة الخرطوم الذي مات بعد أيام متأثراً بجراحه .

كان ناظر المدرسة الأهلية الوسطي (ب) في فترتنا هو الأستاذ محمد جاد كريم ، ثم خلفه الأستاذ محمد إبراهيم ثم الأستاذ المرحوم حسن خرساني الذي كان يدرسنا الإنجليزية في السنة النهائية ، كما كان ناظر الأهلية (أ) طوال فترة دراساتنا ولسنوات طويلة لاحقة هو الأستاذ ( سليمان أحمد سليمان) الذي كان يدرب نادي النيل في تلك الفترة. وأذكر من الأساتذة المشهورين الذي عمل في المدرستين ب ثم أ ، هو الزبير تميم الدار السابق ذكره وقد كان الزبير حكماً للكرة بعد ان كان يلعب لنادي النيل ، وهو إبن الدلال المشهور تميم الدار علي عثمان وكان له دوراً مشهوداً في إخراج الطلاب للمظاهرات في إنتفاضة أكتوبر السابق ذكرها ، وكذلك كان بالأهلية الأستاذ عز الدين وأيضاً وكيل المدرسة الأستاذ عوض مصطفي الذي سبق أن كان أحد لاعبي الأهلي في الخمسينيات وقد عمل فيما بعد ناظراً لمدرسة بركات الوسطي التي أفتتحت في عام 1964م ، وكان هنالك أستاذ داؤد الحلفاوي وكمال ، ثم أتي لنا الأستاذ إبراهيم محجوب حمد النيل ، ومحمد إبرهيم (سايلانس) وكمبال والأستاذ المرحوم بابكر هاشم النقيب – من الكوارتة - وقد كان هلالابي بتعصب بائن، حيث وافاه الأجل المحتوم وهو في طريقه في صيف عام 1965م ومعه وفد من المكتب السياسي لحزب الشعب الديمقراطي قبل أن يتوحد مع الحزب الإتحادي حيث كانوا في طريقهم إلي الخرطوم بعربة أجرة (تاكسي)  لحضور مؤتمر هام لحزب الشعب الديمقراطي بالخرطوم والذي كان يرأسه المرحوم السياسي المحنك الشيخ علي عبدالرحمن الأمين الضرير وكان يحتل منصب الأمين العام للحزب الدكتور أحمد السيد حمد ، فإصطدم التاكسي، وقد كان الوقت ليلاً،  بمقطورة (ترلة ) كانت متعطلة بالطريق حيث توفي كل أعضاء الوفد مع سائق التاكسي ، وقد نجا من الحادث شخص واحد فقط هو قطب الحزب في مدني الأستاذ سيف الدولة خضر عمر المحامي حيث أُصيب بكسور في ضلوع الصدر ،  ولا تزال أشعار الأستاذ النقيب عن نادي الهلال محفوظة في ذاكرتي  ، خاصة تلك التي كتبها وألقاها علي مسامعنا في الفصل في حصة العربي عندما كنا في السنة الثالثة بالأهلية الوسطي عندما إنتصر الهلال علي المريخ بهدف نصر الدين عباس جكسا المشهور في ليلة المولد  في أغسطس من عام 1963م وأحرز به كأس الدوري بعد أن كان المريخ يكيل الهزائم للهلال طوال عامين متتاليين حتي وصلت إلي ثمانية هزائم متتالية ، وكان وقتها قد ظهر بالمريخ المهاجم والهداف المرعب ماجد الذي أتي من أندية مدينة عطبرة ، وقد إغترب لاحقا كمدرب بالسعودية ، وكان هنالك أبراهومة     ( إبراهيم محمد علي بحيري ) لاعب وسط المريخ حين كان يقوم بتجهيز الكرات لماجد الذي كان يمتاز بالسرعة وبقوة التصويب، وكان دفاع الهلال في ذلك الوقت قد بدأ يشيخ ويتقدم بأفراده العمر مثل عثمان الديم ورحمي ومتوكل احمد البشير والهادي صيام ، فكان من السهل من مهاجم سريع وقوي البنية  مثل ماجد أن يتخطاهم ويحرز الأهداف في شباك الحارس الفذ ( سبت دودو ) الذي أسماه العرب بلقب صقر قريش من قبل ،زأيضا الحارس الراحل فيصل السيد ( إستيف )  وقد كتب الأستاذ المرحوم بابكر هاشم النقيب القصيدة في هذا الحدث وألقاها علينا في الصباح بالفصل بعد أن نال الهلال الكأس بهدف جكسا الشهير في ليلة المولد حيث قال:

صبراً يامريخ ُ صبر ومهلاً بفن جكسا

وصقر قريش يحميهم.. ويزيل عنهم الرجسا

وأمينُ زكي…  كان بالأمس ترسا

وكوارتي.. أين ماجدُُ ؟؟..

هل في جيبك إندسا

وكيف أحكمت عليه القِفل…

فلم نسمع له حِسا

وديمُُ صغيرُُ لكنه … 

كبير العزمات نفساً

ومن يلاحظ هذه المفردات جيداً يري في ملامحها طابع الهزل والتريقة السودانية المحببة عند جماهير الرياضة بأسوب لغوي جاذب ، كما يري أسماء نجوم الكرة الذين كان لهم دوراً متميزاً بالسودان . ومن المعروف في تلك المباراة التاريخية أن مدرب الهلال  وقتذاك هو            ( جورج أستاروستا) اليوغسلافي الذي صنع فرقة متميزة وقد أسند في تلك المباراة دوراً هاماً إلي كابتن إبراهيم يحي الكوراتي ( الأستوبر) ، عليه الرحمة، وهي متابعة ماجد هداف المريخ المرعب والإلتصاق به بطريقة رجل لرجل( مان تو مان ) ، وأن يقوم محي الدين عثمان ديم الصغير ( رحمه الله ) لاعب وسط الهلال بإحكام الرقابة أيضاً علي إبراهومة بنفس الطريقة حيث ان أبراهومة كانت مهمته صنع الكرات لماجد الذي عليه أن يجري ويهدف ، وبالتالي تكون حركة هجوم المريخ قد شلت تماماً ، وهذا ماحدث فعلاً وقتذاك وتوقفت الهزائم ، بل كانت سبباً في إنشطار المريخ إنشطاراً تاريخياً معروفاً ، وفي ذلك قصة معروفة قد عاصرناها وقد حكاها لي مرة أخري قبل فترة كابتن أبراهومة بالدوحة حين كنت أعمل هناك وهو لايزال يعمل في سلك التدريب ، وهي أنه بعد تلك المباراة في عام 1963م ذهب لاعبو المريخ إلي النادي وقد وضعوا بينهم ( جردل عصير الليمون البارد) في حوش النادي ليشربوا منه ، فوصل إلي النادي  في تلك اللحظات سكرتير عام النادي المرحوم العقيد حسن أبو العائلة الذي كان غاضباً من الهزيمة وكان أبو العائلة شخصية صعبة  في إتخاذ القرارات الإداراية ولا يتراجع عنها وذلك ناتج من تربيته العسكرية الصارمة ، فما كان منه حين رأي اللاعبين يشربون عصير الليمون وهم يضحكون إلا وأن قام بإنفعال بركل الجردل بقدمه وقال لهم ( كمان عندكم نفس تشربوا ليمون ؟) ، ثم توالت الأحداث بعدها في النادي ووسط اللاعبين وقتذاك نتيجة لهذا التصرف الذي أعتبره اللاعبون إساءة بالغة لهم فإتفقوا علي التغيب عن التمارين حتي يعتذر أبو العائلة لهم ، ولكن أبو العائلة كان عسكرياً صعب التراجع  فأقنع مجلس الإدارة الذي كان يترأسه العم عبدالرحيم شاخور  بضرورة إتخاذ قرار سريع لإيقاف أولئك اللاعبين من ممارسة الكرة مدي الحياة حتي لا يتمكنوا من التسجيل في كشوفات أي نادي آخر  كعقاب لهم حتي يرضخوا ويعتذروا ، ولكنه فوجيء باللاعبين أكثر صلابة في الرأي ، فإعتزلوا الكرة كلهم ثم هاجر معظمهم وقد كانوا في قمة عطائهم ، ونذكر منهم بجانب إبراهومة كل من ماجد ، جقدول ، عبدالله عباس ، ودالحسين، ماوماو ، الحارس هاشم محمد علي ، وآخرين، وهنا إستعاض أبوالعائلة بلاعبي الصف الثاني الذين قادوا الفريق لسنوات طويلة وكان من بينهم سليمان عبدالفضيل ومحسن العطا وبشري وهبة وبشارة عبدالنضيف وكاوندا والحارس رفعت ، وقدورة ولوممبا وآخرين.

ونعود مرة أخري لأساتذتنا بالأهلية (ب ) حيث كان هناك الأستاذ الجليل وإبن حي (أم سويقو ) أحمد حسن مدني الذي كان يدرسنا الرياضيات والإنجليزي في السنة الرابعة أيضاً ، ثم سافر وقضي بقية عمره منذ نهاية الستينيات في مدارس الجماهيرية الليبية وتزوج من أسرة مصرية وإمتلك شقة بالقاهرة  وقد قابلته في مدني في منتصف الثمانينات عندما عاد نهائياً ، لكنه رجع مرة أخري إلي الجماهيرية ، وقد سمعت أنه قد توفي مؤخراً في ليبيا في نهاية عام 2000م يرحمه الله ، وهو شقيق الأستاذ الراحل الزين حسن مدني المشرف التربوي والمعلم المشهور بالمدارس الأولية بمدني وقد كان الزين من الشخصيات الظريفة جداً بالمدينة  ويسكن في منزلهم المعروف في حي أم سويقو بمحطة قباني بشارع القبة بمدني، وكنت أزورهم من وقت لآخر لوجود علاقة مصاهرة تجمع أحد أخوالي بهم وهو الراحل أحمد عبدالله التوم منذ عشرات السنين وقد كان متزوجا من شقيقتهم التي رحلت قبل خالنا بسنوات .  كما كان يعمل بالأهلية (أ) في تلك الفترة الأستاذ الموسيقار دهب السابق ذكره ودافوري ومحمد أبو الروس الذي كان يلعب لنادي النيل وحسن مهدي والبشير في مادة الدين وأستاذ عبدالرحيم قرشو ، وقد وجدنا الأخيرين فيما بعد في مدرسة مدني الثانوية يدرسون نفس المواد ، وكذلالراحل اللواء شرطة لاحقا بابكر الصديق بليل والذي ترك التدريس في فترة لاحقة ليلتحق بكلية البوليس ويتخرج ضابطاً  ثم يتدرج حتي يصل إلي وظيفة مدير عام الجوازات والجنسية والهجرة برئاسة وزارة الداخلية  ثم تقاعد بدرجة لواء شرطة وقد توفاه الله قبل سنوات قليلة حين كان في  رحلة علاج بالاردن .

ومن الشخصيات  ( المهترشة) بودمدني والتي لاتنسي أبداً كان هناك رجلاً سايحاً في المدينة أي به بعض مس من التخلف أو الجنون وكان أصلعاً ، وكنا نطلق عليه لقب          ( قرشو) كما كان  هناك أيضاً عليش الدرويش ، وأيضاً حسين ودالبحيرية الذي كان يرتدي ملابس الرياضة بشعار نادي الإتحاد كاملة حتي الحذاء والشرابات ويمسك في فمه بالصفارة الهارمونيكا ويعزف عليها وهو يقطع شوارع السوق الكبير في منطقة شارع الجمهورية ، وكنا نجده دائماً في أستديو ( إبراهيم رشدي) المصوراتي بجوار عمارة أبو شمس في مكان ثلاجة الموز الحالية التي يمتلكها ( ود لاظ) ، وكان إبراهيم رشدي إتحادياً ، ولذلك كنا نجد عنده في الاستديو دائماً الراحل كابتن مصطفي كرار مدرب الإتحاد وشقيقه الأكبر إبراهيم كرار الذي رحل أيضاًً والأستاذ الراحل هاشم ضيف الله الذي كان ناظراً لحنتوب الثانوية في ذلك الزمان ثم إنتقل إلي مدني الثانوية وهو رياضي مطبوع وكان يدرب الإتحاد أيضاً، أما رئيس النادي عزت أبو العلا فكنت تجده يجلس دائماً في النهار في المكتبة الوطنية التي تبيع الصحف والمجلات المصرية وتقع بناصية عمارة الديمياطي لصاحبها الراحل عيسي عبدالله والتي اصبحت الان كافتيريا سياحية لبيع الهامبورغر والعصيرات.

وكما ذكرنا من قبل كان يرأس نادي الإتحاد قبل عزت أبو العلا المرحوم أحمدإبراهيم خلوتي نائب محافظ مشروع الجزيرة فيما بعد حتي السبعينيات من القرن الماضي وكان من الإداريين بالنادي ايضاً الزراعي الكبير ( مفتي) ، كما كان من الشخصيات الرياضية الإتحادية بالمدينة الحكم الدولي عابدين عبدالرحمن ، وبعد أن تقاعد عن التحكيم عمل أيضاً في رئاسة نادي الإتحاد ، ثم رئاسة الإتحاد المحلي للكرة بودمدني وهو شخصية إدارية صارمة وناشطة ومنضبطة في كل ما يوكل له من مهام ، وقد كان يعمل أصلاً ضابطاً للإدارة بمشروع الجزيرة حيث كان من العلامات المضيئة في الحقل الرياضي والإجتماعي بمدني، وداخل مجتمع بركات ، وكان مصاهراً لعائلة الخانجي الشهيرة بحي القسم الأول بمدني ، ولدي العم عابدين أحد أبنائه الذي أصبح لاعب كرة متميزاً وهو (عواض ) وقد أسماه بهذا الإسم تيمناً ووفاءً لعائلة آل عواض ببركات حيث كانت لعابدين صداقة متميزة مع الحاج عبدالله عواض ببركات وهو عميد آل عواض في بركات وودمدني ، كما أن العم عابدين عبدالرحمن كان أيضاً علي علاقة متينة وحميمة مع أخي الراحل حسن الباشا حيث جمع بينهما العمل الإجتماعي والرياضي والثقافي المشترك ، فحسن الباشا كان رئيساً لنادي بركات الرياضي الإجتماعي لسنوات طويلة وكان أيضاً من الشخصيات المتميزة في العمل الإجتماعي والثقافي ، و الراحل حسن الباشا الذي توفاه الله في مايو 1997م  كان في فترة من الفترات في بداية الستينيات سكرتيراً لنادي الزهرة في شارع بانت بودمدني حين كان يرأس النادي صديقه المرحوم رجل الإعمال عبدالعظيم عبدالرؤف ، وقد كانت ولازالت تربطني شخصياً علاقة زمالة وصداقة منذ الصغر وحتي الآن مع شقيق عبدالعظيم الأصغر وهو الدكتور عبدالمحسن عبدالرؤوف الأستاذ بكلية الطب بجامعة الفاشر حيث تزاملنا في مرحلتي الوسطي والثانوية بمدني وبعدها سافر هو لدراسة الطب بعين شمس بالقاهرة وكان معه  في عين شمس من أبناء دفعتنا واصدقائنا – إبن جزيرة الفيل - المرحوم الدكتور كمال مهدي حسن الذي توفي في حادث مروري مروع بالسعودية بطريق الخرج في عام 1987م ( عليه الرحمة) كما درس بعين شمس في ذات الفترة من زملائنا الدكتور الرشيد عبداللطيف  ،والذي كان أحد عازفي فرقة الموسيقي بمدني الثانوية علي آلة الإيقاع ويشاركه في العزف عليها الزميل الصحفي والمترجم  الرشيد حميدة بالسعودية .

اذكر أن هنالك طالباً كان معنا ونسبقه بسنة واحدة بالأهلية وبمدني الثانوية ، وكان منذ صغره متعلقاً بهواية تحكيم الكرة إلي أن أصبح فيما بعد حكماً كبيراً يحكم حتي مباريات الهلال والمريخ ، وهو الأخ الحكم الدولي  عبدالعظيم شنكل الذي كان يعمل مديراً في أحد فروع بنك النيلين ، وربما كان متأثراً بهواية أخوانه الكبار في مجال التحكيم  مثل الحكم الدولي بابكر شنكل وأيضاً الحكم مصطفي شنكل الذي كان يعمل فرازاً للاقطان بمحالج مارنجان . كما اذكر أن الأخ مهدي عابدين الذي زاملناه بالأهلية قد لعب في نادي الإتحاد حيث كان والده عابدين يلعب حارساً للنادي في أزمنة سابقة. ومن غرائب الأشياء أننا عندما كنا بالأهلية الوسطي وكانت تجاورنا المدرسة الأولية الغربية كنا دائماً نتفرج علي مباريات تلك المدرسة الأولية بالصباح وقد جذبتنا موهبة و طريقة لاعب محدد بها وقد كان تلميذاً صغيراً وموهوباً في لعب الكرة وكنا نتوقع له مستقبلاً باهراً وصدق حدسنا فيما بعد ، ذلك الطفل الصغير هو فيما بعد اللاعب الضخم الفاضل سانتو هداف نادي الإتحاد ثم المريخ العاصمي والمنتخب القومي في السبعينيات ثم نادي النصر في دبي حتي إعتزاله وعودته للسودان ،  وقد عاصر الفاضل عمالقة المريخ مثل بشري وبشارة وكمال عبدالوهاب ومحسن العطا وجاد الله ،  وتأتي الصدف فيما بعد حينما كنت طالباً بجامعة القاهرة بالخرطوم في بداية السبعينيات أن أسكن مع بعض زملائي الطلاب ( كعزابة) بأم درمان في عام 1970م حيث كنا نعمل بالتدريس صباحاً في مدرسة بيت المال بجوار كبري شمبات ونذهب للدراسة بالمساء حين كانت جامعة القاهرة الفرع مسائية ، والصدفة هي أننا كنا نستأجر منزلاً في بيت المال بأم درمان بالقرب من منزل كابتن بشارة عبدالنضيف نجم المريخ والمدرب حالياً بالأمارات حيث كان يسكن معهم بمنزلهم في بيت المال وقتذاك الأخ كابتن الفاضل سانتو طوال فترته بالمريخ والفريق القومي إلي أن هاجر الفاضل إلي دبي عندما قام الرئيس نميري بحل الأندية الرياضية وإستبدلها بشيء غريب يسمي الرياضة الجماهيرية، وعندما تراجع نميري من القرار بعد سنتين كان كل لاعبي السودان المتميزين قد هاجروا ( طفشوا )  إلي الخليج والسعودية وتعاقدوا مع  أنديتها الكبري ، ثم عملوا في مجال التدريب فيما بعد بالخارج ، فخسرت الرياضة السودنية اعظم لاعبيها وإنتهي بذلك قانون توارث الخبرات والمهارات في بيئة الرياضة السودانية.

أما إذا عدنا إلي فترة دراستنا في مدارس الأهلية الوسطي وفي مدني الثانوية فيما بعد فهناك العديد من الطلبة الذين أصبح لهم شأناً كبيراً في كرة القدم بالأندية الكبيرة بالمدينة ثم بأندية العاصمة والفريق القومي وأذكر منهم من دفعتنا الأخ عبدالفتاح قسم الله ( الديبة) وقد رحل عن الدنيا مؤخراً والذي لعب في النادي الأهلي ثم بالهلال العاصمي وبالفريق القومي والمرحوم حارس المرمي الريح جادين الذي لعب للزهرة والنيل والهلال العاصمي وقد توفي بالأمارات في عام 1996م إثر سكتة قلبية مفاجئة ، كما أذكر صديقنا محمد حسين ودالقاضي الذي كنا نطلق عليه لقب ( أروما) وقد إشتهر فيما بعد بلقب محمد حسين كسلا بعد أن لعب موسماً واحداً في الأهلي مدني ومعه أيضاً الأخ الصديق محمد بدر عمر الذي كان طالباً أيضا بالأهلية (أ) وفي ودمدني الثانوية ، والسبب في تسمية محمد حسين بلقب  كسلا هو أننا عندما إنتقلنا من السنة الثالثة بمدني الثانوية إلي السنة الرابعة تم نقل والد الأخ محمد حسين من مدني إلي مدينة كسلا حيث كان يعمل مشرفاً تربوياً علي ما أذكر ، فلعب محمد حسين في نادي رياضي كبير بكسلا لموسم واحد وقد قام الهلال بتسجيله بعد أن إنتهي من إمتحانات الشهادة في كسلا الثانوية عام 1970م وأصبح أحد اعمدة هجوم الهلال العاصمي في عصره الذهبي حيث زامل كل من علي قاقرين وعزالدين الدحيش وأيضاً جكسا في سنواته الأخيرة ، وفوزي المرضي ، وشوقي وودالكوري وعروة والريشة وزغبير وودالشواطين وغيرهم من لاعبي ذلك الزمان، ثم سافر محمد حسين إلي الإتحاد السوفيتي ودرس الطب هناك ، وقد علمت بأنه الآن يعمل طبيباً بالخليج في دولة الإمارات، فالرجل إنتمائه منذ الصغر لودمدني أكثر منه لكسلا بحكم النشأة والتربية والدراسة معاً في مدينة مدني منذ صغره بودمدني .... نواصل ،،،،