هاهي عجلة الزمان تدور دورتها الطبيعية ، وهاهو القدر يأخذ من دنيانا صاحب أرق الشعراء في نظم الشعر الغنائي ، المغفور له بإذن الله ( حسين بارزعة ) والذي عرفته الأجيال بأنه شاعر الحب والجمال والذي أحدث أكبر نقلة في تأليف قصائد الغناء السوداني. ويأتي التزامن بأن بازرعة قد إنتقل إلي رحاب الله في ذات شهر رحيل صنو روحه ومسيرته الطويلة عثمان حسين. فقد رحل عثمان في يونيو 2008م وهاهو بازرعة يلحق به في ذات الشهر بعد تسع سنوات... وقد أراد الله للإثنين أن يتلقيا بعد إغتراب لبازرعة من السودان حيث كان قد إتخذ من مدينة جدة مستقرا له منذ منتصف ستينيات القرن الماضي حتي عاد إلي البلاد مؤخرا في الألفية الثالثة.
وكان لابد لنا وبازرعة يودع الدنيا فجر اليوم الثلاثاء من أن نكتب للأجيال الجديدة بعض إضاءات وملامح طفيفة عن مسيرته الشعرية الغنائية مع الراحل الفنان عثمان حسين .
و بازرعه هذا تعود جذوره الأولي إلي ذلك البلد الذي إشتهر بأنه مهد العروبة الأول.. إنه اليمن السعيد ، وتحديداً (إقليم حضرموت) التاريخي في جنوب جزيرة العرب الكبري.. وقد أتي أجداده كعادة العرب قديماً متنقلين في حركة التجارة وحريتها المتاحة عبر البحار في أزمنة بعيده ماضيه .. فكانت مدينتي جده وبورتسودان من أهم المحطات التي شهدت هجرة التجار الحضارمة ، وهكذا كانت بورتسودان ملتقي تاريخياً للتجار العرب منذ ذلك التاريخ .. فكانت مرفأ للكثير من عائلات الحضارمة عبر التاريخ البعيد مثل آل بازرعه وباوارث وباعبود وباخريبه وباكثير وباعشر وعبده ربه.. وكل الباءات التي أضافت للحضارة السودانية تراثاً ثراً في مختلف العهود.. وهذا المزيج العربي الافريقي هو الذي كان نتاجه هذا الشاعر الفذ المتألق حسين بازرعه.
فجاءت الروائع من خيال هذا الشاعر المفعم بالوجد .. نعم جاءت : لا تسلني وأنت لي ومن أجل حبي والمصير وقصتنا وبعد الصبر وشجن والقبلة السكري والوكر المهجور ونشيد أرضنا الطيبة ( أفديك بالروح باموطني ) وغيرها وغيرها من تلك القصائد الحسان التي ظلت تحمل في طياتها دفء العشق والوجد الجميل ، و التي إرتبطت بعثمان حسين بمثلما إرتبط عثمان حسين بها وبشاعرها حتي اليوم.. ولعل (الوكر المهجور) تأتي كواسطة عقد لقصائد هذا الشاعر المرهف ليزين بها جيد الغناء السوداني علي إمتداد تاريخه القديم والحديث .. فهي اغنية ذات معانٍ تعيد للإنسان ذكريات أيامه الخوالي .. ولا ادري هل كان بازرعه يرمز بها إلي وادي سيدنا التي لها في نفوس طلابها معزة خاصة .. أم أن له مشروعاً أصبح يتذكر به كل جماليات أيامه حين يقول في ذلك:
كانت لنا أيام .. في قلبي ذكراها
ما زلت أطراها
ياليـتـنا عدناها أو عادت الأيام
****
إن أنسي لا أنسي ..ذكراك ياسلمي
في وكرنا المهجور.. والصمت قد عمَّ
تحلو لنا الشدوي .. والحب والنجوي
وتتواصل الأغنية بهذا المسار الذي يتحدث كله عن ماض رحل بكل مايحمله من أحداث محدده تعيد للشاعر ذكري حزينه وربما تنكأُ جُرحاً قديماً قد إندمل.. والله أعلم.. وتتواصل:
كيف أنسي ايامي ..
يافتـنـتي الكبري
ووحي إلهامي ..
ذكري لياليكِ
في خِدر واديكِ
وفي منتصف الستينيات أهدي بازرعه لعثمان حسين عملاً كبيراً يحمل مضامين جديده في مكنوناته .. كان ذلك العمل ولا يزال من أرق وأعذب الأشعار في ساحة الغناء في السودان وحتي هذه اللحظة ظل هذا العمل الغنائي يقاوم كل الجديد الذي يطل من وقت لآخر في ميدان الشعر الغنائي ، أنها تلك الرائعة (شـجن) . فهي ليست شجناً واحداً فقط .. إنما هي كمية هائله من الأشجان التي تبرز من بين ثنايا تلك القصيده الصامدة حتي الآن .. كما أن عثمان حسين قد جاد خياله الخصيب بتأليف لحن جميل هاديء ينساب بكل رقة إلي المسام .. وقد إستخدم أبوعفان في موسيقي المقدمه كل أنواع الصولات واللزمات الموسيقيه .. ثم تدخل كل الآلات في اللحن بإنسجام تام .. مع توظيف إيقاع في غاية الهدوء وجمال التـقاسيم:
لمتين يلازمك ..
في هواك مُر الشجن
ويكون في أيامك..
ويطول عذاب
ياقلبي.. لو كانت محبتو
بالتمن
يرضيك هدرت عُمر
حرقت عليه شباب
لكن هواك أكثر..
وما كان ليه تمن
والحسره مابتـنـفع ..
ومابجـدي العتـاب
أحسن تخليه لليالي وللزمن
يمكن يحس ضميرو..
ويهديـه للصواب
وهنا أذكر طرفة أري ضرورة إعادة كتابتها هنا وهي : أنني قرأت ذات مرة في صحيفة الراي العام السودانية في الإنترنت مقالاً صغيراً قبل عدة سنوات وقد كنت وقتها لازلت أعمل خارج البلاد ، وكتبها شخص لا اذكر إسمه الآن حيث قال بأنه كان يستغل سيارة أجرة (تاكسي ) قبل عقود طويلة من الزمان من الخرطوم إلي الخرطوم بحري وكان يسكن بحي الأملاك في مدخل بحري .. وفي ذلك الوقت كان عثمان يغرد بهذه الأغنية(شجن) من راديو العربه التاكسي.. فطرب الرجل وطلب من السائق أن يواصل المشوار حتي إشارة مرور المؤسسة بشارع الزعيم الازهري ببحري وسيعمل له زياده في الأجره دون أن يذكر السبب للسائق .. و من هناك عاد مرة أخري بذات التاكسي ولايزال أبوعفان يترنم بنهاية القصيدة (وتعود مراكب ريدنا لي بر الأمان )..حتي وصل إلي منزله في حي الأملاك.. وهنا سأله السائق :(لماذا كل هذا المشوار مع التكلفه الزائده وإنت أصلاً تسكن في حي الأملاك ولم تـنزل فيها منذ البدايه؟؟) فأجاب الرجل بانه طرب لأغنية شجن التي أهاجت أشجانه بالكامل .. ولذلك طلب منه أن يواصل المشوار حتي يستمتع بكل الأغنية.. ولكن الرجل عندما همّ بدفع أجرة المشوار ، فوجيء بأن صاحب التاكسي يرفض إستلامها .. بل (حلف بالطلاق) ألاّ يدفع ولا مليماً واحداً لأنه هو الآخر كان في غاية الطرب وأن أبوعفان هو فنانه المفضل.. فعجبت لشاعرية هذا الراكب كاتب المقال وعجبت أكثر لشفافية ورقة صاحب التاكسي.. ولا أملك هنا غير أن أقول ( ياهو ده السودان ) .. ولا أزيد.... ورحم الله الإثنين ، بازرعة وعثمان حسين .
نعم ... إننا مع الشاعر الراحل حسين بارزعة والفنان الراحل عثمان حسين .. كانت لنا أيام .. في قلبي ذكراها .. ما زلت أطراها ... ياليتنا عدناها ... أو عادت الأيام ،،،،،،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////