بروفيسسور محمد زين العابدين

أولاً وقبل الدخول لصلب الموضوع أن نقرر أن الحزب الاتحادي الديمقراطي المعنى هو الحزب الاتحادي الديمقراطي الذى تكون عام 1968م بأندماج حزبى الوطنى الأتحادى بقيادة السيد اسماعيل الأزهرى والشعب الديمقراطى بقيادة الشيخ على عبد الرحمن الضرير ورعاية السيد على الميرغنى مرشد الطريقة الختمية واللذان أعلنا قبر الحزبين الوطنى

أن كل الثورات الشعبية التى قامت أو أندلعت فى السودان كانت ضد حكم العسكر للبلاد لعدم نجاحهم فى قيادة البلاد وتحقيق الرفاه والعدل والمساواة واتاحة الحريات لشعبهم. بل قادوا البلاد والشعب بكل العسف والتسلط وكبت الحريات وتعذيب كل من قال لهم لا أنكم على خأ، بل وصلوا مرحلة القتل والسحل لمعارضيهم ولكل من كان له رأى حر وشردوهم


 

تحدثنا فى مقالنا السابق بعنوان " ما أشبه الليلة بالبارحة مرة أخرى" والذى قلنا فيه أن القوى التى أختطفت من قبل ثورة أكتوبر فى جبهة الهييات هى نفسها التى تريد أختطاف ثورة 19 ديسمبر. وقلنا أن هذه الثورة نتاج لتراكم نضالى طويل قامت به القوى السياسية والقوى الحية من شباب وطلاب على مدى ثلاثين عاماً وليست وليدة يوم 19 ديسمبر وأن كان قد أكتملت مقومات الثورة وألهبت بالضايقة فى كل المناحى وعلى قمتها الضايقة المعيشية والبترولية والمالية والنقد المالى لتسيير الحياة مع أرتفاع الغلاء الفاحش فى كل شي والذى فاق أستطاعة معظم الشعب السودانى. وأن كان الذين قاموا بالتحرك الأول فى التظاهر هم الشباب والطلاب وهم الذين تعرضوا للعسف الشديد من نظام الأنقاذ على مدى الثلاثين عاماً. وهم الذين تعرضوا للضرب والسحل والأعتقال وسالت دماؤهم بالجامعات بصراعهم مع مليشيات النظام وطلابه المرتزقة فى الجامعات. وهم الذين قد أمتلأوا غضباً وحنقاً بأن يتخرجوا من الجامعات ولا يجدوا وظايف فى الخدمة المدنية رغم تفوقهم الأكاديمى وزملايهم من طلاب المؤتمر الوطنى بالجامعات ومرتزقته وهم الأقل تحصيلاً أكاديميا والذين لم يكونوا مبرزين فى تحصيلهم العلمى وتخرجوا بأقل الدرجات يحتلون مراتب الخدمة المدنية العليا. هذه العوامل مجتمعة ألهبت الروح الثورية الغاضبة على النظام وتأكدت الا مستقبل لهم الا بزوال هذا النظام مما ولد فيهم روح الأصرار والمثابرة على ثورتهم الى أن ألتحقت بها بعد ذلك كل قطاعات الشعب السودانى وكان هذا الألتحام والشعارات الناتجة من التجربة المريرة التى عاشوها فى ظل نظام الأنقاذ. وكعادة الجيش السودانى عندما ذهبت الثورة محتمية بجيشها أنحاز لها أولاً القيادات الوسيطة والصغيرة من ضباط الجيش ومن بعدها فرضت القيادات الكبيرة أرادتها على قيادة النظاما لسابق وانحازت للثورة حماية لها وتجنيبها أراقة وسفك الدماء لنظام يعتقد انه المالك الوحيد للأرادة الألهية ومفوضاً للحديث بأسمها.

بعد كل هذا الحراك الثورى العفوى جاء ما يعرف بتجمع المهنيين الذى لم نسمع له ركزاً ولا عملاً طوال سنين عمر الأنقاذ. وأندثرت النقابات والأتحادات المهنية طوال الثلاثين عاماً ولم نسمع لها ركزاً غير نقابة الأطباء التى قدمت الشهداء فى بداية عمر الأنقاذ وأيضاً أستنهاضها فى أواخر عمر الأنقاذ فى زمن مامون حميدة وزيراً للصحة بولاية الخرطوم. ومن بعدها كانت نقابة أساتذة جامعة الخرطوم التى أنتزعت وجودها بدلاً عن نقابة المنشأة وتجبر أدارة الجامعة للأعتراف بها ومن بعدهما نقابة المحامين فى السنوات الأخيرة من الأنقاذ فى صراعها مع نقابة المؤتمر الوطنى بقيادة فتحى خليل. من غير ذلك لم نسمع بحراك يذكر لبقية المهنيين، فمن أين أتى هؤلاء ومن يمثلون من المهنيين نريد أن نعرف؟ وأذا كان هنالك من تكوين للمهنيين يجب أن يكون تمثيله من النقابات والأتحادات المهنية المنتخبة من قبل الأنقاذ ومن تبقى حياً من أعضاء لجانها التنفيذية ولكن تجمع المهنيين الحالى هو حالة أختطاف من القوى اليسارية بمختلف مسمياتها كما حدث فى جبهة الهييات بعد ثورة أكتوبر. وحقيقة الأمر أن معظم النقابات والأتحادت التى تم تكوينها بالأنتخاب فى عهد الديمقراطية الثالثة كانت تسيطر عليها قوى وأحزاب الوسط ونضرب مثلاًٍ كل نقابات العمال والأتحاد العام للعمال كانت الغالبية فيه للأتحاديين وكان على قمته قبل نظام الأنقاذ محجوب الزبير ولجنته الكاملة 90% منها أتحاديين وكذلك أتحادات المزارعين والأتحاد العام لمزارعى السودان كان يسيطر عليها الأتحاديين.
الآن وبعد قرابة العشرين يوماً من أنحياز القوات المسلحة للشعب وتكوين المجلس العسكرى الأنتقالى وأستجابة أعضاء المجلس العسكرى الأنتقالى بأزاحة كل من أتضح لهم أنه فى أرتباط بالنظام القديم أو ينتمون تنظيمياً وسياسياً للمؤتمر الوطنى، بدأ اليساريون وبخلفيتهم الثورية والفكرية اليسارية يحاولون فرض تشكيل الفترة الأنتقالية بما يرون هم لأنهم هم الآن الذين يسيطرون على تجمع المهنيين وعلى قوى الحرية والتغيير وهذا واضحاً من كل اللجان التى دفعوا بها للحوار مع المجلس العسكرى الأنتقالى. وكما رشح من عضوية لجنة التحاور معهم من المجلس العسكرى الأنتقالى أن هنالك تبديل مستمر فى المتحاورين وأن رؤاهم متقلبة متغيرة من يوم لآخر. وطوال هذه المدة الذين يتحدثون بأسم تجمع المهنيين وباسم قوى الحرية والتغيير لا يتصف ما يصرحون به بالعقلانية وبالحديث الواقعى والمؤسسي على معطيات مجرى الأحداث بعد سقوط نظام الأنقاذ. وكما أتضح أن المفاوضين بأسم قوى الحرية والتغيير كان كل تركيزهم على الأشكال الهيكلية لشكل السلطة القادمة وتقاسم المناصب مع المجلس العسكرى الأنتقالى دونما أن يكون همهم الأول هو ما هو دور السلطات وتخصصاتها فى أدارة حكم البلاد فى الفترة الأنتقالية وهذا ما قال به السيد الصادق المهدى رييس أحد أضلاع قوى الحرية والتغيير ورييس نداء السودان والذى يمتلك السند الأكبر أذ أنضمت فى لوايه الحركات المسلحة فى دارفور والنيل الأزرق وشرق السودان. ويبدو ما نراه من تكوين وفد قوى الحرية والتغيير المتحاور مع المجلس العسكرى الأنتقالى أقصاءاً لقوى الوسط كاملاً. لا يمكن أن يفهم أن هنالك وفداً للحوار مع المجلس العسكرى الأنتقالى ولا يكون على قمته السيد الصادق المهدى رييس حزب الأمة أو الأستاذ على محمود حسنين نايب رييس الحزب الأتحادى الديمقراطى ورييس الجبهة الوطنية العريضة الذى ظل يعارض من المنفى بكل قوة الى حين سقوط نظام الأنقاذ وما يملكه من خبرة وتمكن فى كل علوم القوانين وقد أجتهد كثيراً وعصر خلاصة جهده بأن كتب المطلوب فى الفترة الأنتقالية حين سقوط نظام الأنقاذ وكان ما كتبه متاح لكل القوى المعارضة ولماذا يأتى الحديث الآن كما ذهب السيد الصادق المهدى أنه لم يتم عمل فى تحديد مسيوليات مكونات الحكم فى المجلس السيادى ومجلس الوزراء المدنى والجهاز التشريعى والجهاز القضايي. هل حاولت القيادات التى أختطفت تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير أن تلتقى بالأستاذ على محمود حسنين وطلبوا منه ما أجتهد فيه ومناقشته فيه وأن يدلوا بآرايهم أضافة وحذفاً وتعديلاً؟ أم أن الأمر هو أمر صراع سياسي وأستحواز؟ لا يحق لتجمع المهنيين مع أحترامنا للدور الذى قاموا به ولا لقوى الحرية والتغيير أن تحتكر الثورة أو تدعى أنها القايدة فهنالك كثر ممن قدموا التضحيات الكثيرة والطويلة طوال الثلاثين عاماً أكثر من كثير ممن يدعون قيادة الثورة أو هم حملة شعلتها والثورات دايماً هى نتاج لعمل ثورى ممتد وتراكمى على مدى يصل الى مرحلة الأنفجار عند تراكم هذا الحراك الثورى وتوفر الظروف الموضوعية لأنفجارها ونجاحها.
الآن هنالك أختناق وشد وجذب بين المجلس العسكرى الأنتقالى وبين قوى الحرية والتغيير وهذا سيؤخر الثورة أن تبلغ مراميها. ويجب أن تعترف قوى الحرية والتغيير ومعها تجمع المهنيين الذى يحاول دايماً أن يميز نفسه عنها بأنه القايد الوحيد أن يعترفوا بالدور الكبير الذى قامت به القوات المسلحة واستجابت لكثير من طلبات الثوار. فيجب بعد هذا أن يتم الأعتراف كاملاً بالمجلس العسكرى كما هو بعد أن تم أبعاد كل من يشك فى صدقهم نحو الثورة ويجب أن يتفقوا معهم على أختصاصاته وطريقة عمله. لا أدرى لماذا يطالبون بسلطة سيادية هجين بين العسكر والمدنيين وهذا ما لم يحدث فى كل التجارب السودانية أو التجارب العالمية فللجيوش خصوصيتها فى أى دولة ولا يمكن أن يشاركها فيه مدنى أن كنا فعلاً نبحث عن جيش وطنى. وبالتعاون مع هذا المجلس يمكن هيكلة كل القوى الأمنية التى خربها نظام الأنقاذ من قوات مسلحة وجهاز الشرطة وجهاز الأمن وحل جميع الأجهزة الأمنية التى كونها النظام السابق من مليشيات ودفاع شعبى وشرطة شعبية وأمن طلابى وغيرها. ويتم دمج قوات الدعم السريع دمجاً كاملاً فى القوات المسلحة للدور الرايد الذى قاموا به لتأمين الثواروتأمين الوطن كاملاً. وفى كل التجارب السابقة كان المجلس السيادى من نصيب القوات المسلحة التى أنحازت للشعب. وللأسف عندما ترك امر محاسبة ضباط قيادة أنقلاب مايووالفاسدين فى النظامللسلطة المدنية الممثلة فى مجلس الوزراء لم يعملوا بالدستور الذى انقلب عليه النميرى ولا القوانين المرفقة به وما ذلك الا لأنه سيتعرض لمحاسبة المدنيين من اليساريين. وكما هو معروف ليس هنالك أنقلاب عسكرى حدث فى السودان ألا وراءه قوى سياسية وخاصة أقصى اليسار وأقصى اليمين. ويجب ان يعطى المجلس العسكرى صلاحيات محاسبة الذين قاموا بأنقلاب الأنقاذ من العسكريين والمدنيين ومحاسبة الفاسدين الذين أفسدوا فى نظام الأتقاذ بهذا الكم المهول من الفساد وألا لو ترك للمدنيين لكان مصير هذه المحاسبة هو ما حدث لنظام مايو ومفسديه.
نتيجة للشد والجذب المنطلق من الروح الثورية وليس العقلانية جعلت المجلس العسكرى أن يبدى شكه فى أن قوى الحرية والتغيير فعلاً تمثل الشعب السودانى أو تمثل حتى الثوار المعتصمين أمام القيادة ولذلك سأل عن التفويض الكامل من الشعب السودانى وهذا من حقهم ولكنهم طلبوا ذلك لأنهم يعلمون أن قوى الحرية والتغيير لن تستطيع أن تتحصل على هذا التفويض والذى يحتاج لوقت طويل وأموال حتى يتم أستفتاء الشعب السودانى فى هذا التفويض. وأذا أستمر هذا الأحتقان وأصرار المجلس العسكرى الأنتقالى على التفويض وهو الذى بيده الآن السلطة الحقيقية فليس هنالك من مجال ألا الرجوع للأحياء من أعضاء الجمعية التأسيسية فترة الديمقراطية الثالثة مع أبعاد أعضاء الجبهة القومية الأسلامية فى تلك الجمعية التأسيسية لسبب بسيط لأنهم هم الذين دبروا ونفذوا الأنقلاب عليهم. وفى هذا من حق السيد الصادق المهدى وأعضاء الجمعية التأسيسية من الأحزاب الأخرى أن تمثل الشعب السودانى فى الحوار والأتفاق مع المجلس العسكرى الأنتقالى وأن ينتخبوا من بينهم اللجنة التى تفاوض مع تطعيمها بالخبرات التى لم تكن ممثلة فى تلك الجمعية التأسيسية.
كنت أقترحت من قبل أرتكازاً على قرارات الأتحاد الأوروبى ولأتحاد الأفريقى أن يترقى الفريق عبد الفتاح البرهان الى رتبة المشير وينزل هو وبقية أعضاء المجلس العسكرى الأنتقالى بعد تم التخلص من المنتمين تنظيمياً للمؤتمر الوطنى أن ينزلوا هم أيضاً للمعاش أذا أصروا أن يكونوا فى مجلس السيادة فى هذه الفترة الأنتقالية. وفى هذه الحالة يمكن أن يطعم مجلس السيادة بمدنيين وبطبيعة الحال سيكون البرهان رييساً لهذا المجلس لأنه بطبيعة وظيفته سيكون القايد الأعلى للقوات المسلحة حتى لو كان مدنياً والمهم أنه صاحب خلفية عسكرية ويمكنه أن يكون مجلس دفاع كله عسكري وبطبيعة وضعه الوظيفى هو على رأسه بمثلما كان الصادق المهدى فى حكومة الديمقراطية الثالثة رييس مجلس الدفاع الوطنى رغم أن السيد أحمد الميرغنى كان القايد الأعلى للقوات المسلحة. أعتقد أن هذا الأقتراح يمكن أن يسهل عملية الخروج من هذا الأحتقان والشد والجذب بين المجلس العسكرى الأنتقالى وقوى الحرية والتغيير كما أنه يعطى أعادة ثقة فى أبناينا فى القوات المسلحة الذين أنحازوا للثورة وتنتفى عملية التشكيك ويحل مكانها التكامل من أجل مصلحة الشعب السودانى فهم أبناء الشعب السودانى بمثلما المدنيين أبناء الشعب السودانى وليس من حق أى أحد أن يدعى أنه أكثر وطنية منهم. وأختم وأقول رغم أيمانى بقوة الشعوب أنه لولا أنحياز الجيش السودانى للثورة لما سقط نظام الأنقاذ مهما أوتيت الثورة من قوة. ولولاهم لما تجنبنا سفك مزيداً من الدماء أو صار علينا ما هو صاير الآن فى سوريا وليبيا واليمن. أيا هؤلاء أليس منكم من رجعل رشيد وعاقل بدلاً عن الأنسساق وراء الحماس والروح الثورية الشبابية. وما فايدتكم أنتم الكبار أن لم تكونوا أصحاب العقلانية والخبرات المتراكمة والبال الطويل أن لم تستطيعوا كبح جماح الثورة الشبابية التى يمكن أن تصل مرحلة فقدان كل شي بعد عطايه الكثير ومثابرتهم لسبب بسيط لعدم النظر للأشياء من كل أوجهها وبكل مكوناتها وبكل تداخلاتها. ويقينى أن يكتمل الحوار والوصول لنتايج متفق عليها وعند حلول شهر رمضان سيضعف الأعتصام وستقل أعداده وتصعب الأستجابة لكل النداءات ووقتها تكونوا قد فتحتم ثغرة للثورة المضادة ووقتها ولات ساعة مندم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////

أن الأمم المستدركة لأمرها لابد أن تتعلم من تاريخها وتجاربها وتتذكر الأحداث التى أثرت عليه وعلى حياته ومساره، وألا لكانت أمة فاقدة للذاكرة وتعيد نفس التجارب السالبة التى أثرت على مجريات حياتها. وأن ما يحدث الآن فى الثورة السودانية يعيد نفس الأخطاء التى واكبت 

ما كنت أظن أن اللقاء الذى أجراه الطاهر حسن التوم مع السيد رئيس الجمهورية فى قناة النيل الأزرق مساء يوم الجمعة الموافق 3 فبراير 2012م ونقلته فى نفس الوقت قناة التلفزيون القومية وقناة الشروق وأذاعة أم درمان يمر مرور الكرام على الكتاب الصحفيين والكتاب