لم استغرب كلام صلاح قوش الذي ورد فيه إن طبيبة شيوعية قامت بقتل الطبيب الشهيد بابكر لأسباب عاطفية بسلاح كانت تخبأه داخل حقيبة يدها، وهو السلاح الذي اثبت الخبراء من رجال الشرطة انفسهم عدم وجوده إلا في مخازن وزارة الداخلية.

ولن اخوض ايضا في هذا الموضوع أو كيفية وصول صلاح قوش لتلك النتيجة عبر الستلايت لأن كلامه من السخف بحيث ينبغي رميه في أول بالوعة مياه آسنة.

ما همني في هذا الأمر هو ذلك العداء الشديد والكراهية للشيوعيين من قبل حركة الاخوان المسلمين بحيث إذا عثرت بغلة في العراق قالوا أن الحزب الشيوعي كان سبب عثرتها. وظلت هذه مشكلتهم منذ نشأتهم الأولى حيث لم يجدوا شيئا يتحدثون عنه او يهتمون به سواء العداء للشيوعيين.

ولما اتيحت لهم فرصة حكم السودان عن طريق انقلاب عسكري قال د. حسن الترابي، تبريرا لخيبتهم في إدارة الدولة، إنه لم تكن لديهم خبرة سابقة لتولي المهام الجسام التي كانت تنتظرهم في إدارة بلد بحجم السودان. ولا ادري إذا كان قد طرأ على ذهنه السؤال: لماذا اتيتم للحكم إذن؟

والحقيقة أنهم جاءوا للسلطة وفي جعبتهم برنامج سياسي واحد هو العداء للحزب الشيوعي السوداني...

كانت مشكلتهم الثانية أنهم عندما جاء للسلطة لم يجدوا هدفهم الذي بنوا كل مجدهم وبرامجهم السياسية على عدائه، إذ لم يكن موجودا في الساحة السياسية بذات القوة التي كانوا يصارعونه بها، بل أن منظومة ما سمي بالشيوعية لم يعد لها وجود عقب انهيار الاتحاد السوفيتي بحيث أن امريكا الداعم الرئيسي لهم في حربهم على الشيوعية لم تعد تشغلها تلك الحرب لاختفاء الجهة المستهدفة بها.

وبما أن وجود الحركة الاسلامية برمتها قائم على فعل العداء والكراهية لجهة ما، توجهوا بعدائهم نحو روسيا التي اصبحت لا ناقة لها ولا جمل في شيوعيةٍ اضحت جزء من تاريخ ذلك البلد، فأصبحوا كمن يحاربون طواحين الهواء في بلد يحكمه يلتسين. لكنهم في ذات الوقت لم ينسوا عداءهم الأصيل للحزب الشيوعي السوداني الذي لم يتوقف هناك بل امتد عبره للشعب السوداني عندما تحرك الشعب ضدهم مطالبا بحقوقه الاساسية. لذا علينا ألا نستغرب هذا الحقد الدفين على المتظاهرين من ابناء وبنات الشعب السوداني، ففي عرفهم هم شيوعيون ويجب استئصال شأفتهم.

وقد يكون من الضروري تصحيح معلومة دارجة بين المواطنين بأن الذين يغتالون الشباب السلمي في الشوارع هم من ابناء المايقوما الذين لا ينتمون للمجتمع بأي رابط إنساني، لذا هم يقومون بهذه الإعمال الاجرامية.

هذه المعلومة يدحضها تصريح علي عثمان طه وتصريح الفاتح عز الدين بل تصريح البشير نفسه الذي افتى بأن قتل المتظاهرين برصاص اجهزة الأمن هو جزء من القصاص المذكور في القرآن.

ولم يكن أي من هؤلاء الثلاثة من ابناء المايقوما رغم أن كل اعمالهم يندى لها جبين أولئك الذين باءوا بظلم من المجتمع دون ذنب جنوه.

الحقد على الشيوعيين وعبرهم على المجتمع السوداني لم يأت عفويا بل هو جزء من تربية طويلة تربى عليها الأخوان المسلمون بمسمياتهم المختلفة. ونذكر في المدارس الثانوية في ستينات القرن الماضي كيف كانوا يستقطبون الطلاب مكسوري الخاطر لسبب أو لآخر واحتضانهم لحمايتهم من العنف الممارس عليهم، وكيف كان اساتذة بعينهم يولون اولئك الطلاب عناية خاصة ويساعدونهم في استذكار دروسهم وينظمون لهم رحلات طويلة للاستفراد بهم بعيدا عن اعين الأهل. بل لم يكن مستغربا لدينا رؤية الكثيرين من اولئك الشباب يتولون مناصب قيادية في التنظيم الحاكم اليوم.

غير أنه من المهم ايضا معرفة أن تدريب الإخوان على العنف وممارسته وخلق العداء والكراهية للآخر والعمل على التخلص منه لم يكن عملا سودانيا بحتا بل كان للمخابرات الأمريكية دورا كبيرا في تغذيته لأسباب لا يدرك الكثيرون منهم كنه دافعها أو سببها بحيث اصبح الأخ يعادي اخاه الشقيق غير المنتمي للإخوان المسلمين لدرجة إباحة دمه.

المخابرات الامريكية في حربها على الشيوعية العالمية لم تترك وسيلة قذرة إلا واتبعتها. لذا اخضعت كثيرين من الجماعات الإسلامية بما عُرف لديها ببرنامج الفراشة MK-ULTRA وهو برنامج ابتدعه الطبيب النازي جوزيف منجِل وطبقه كيرميت روزفلت والآن فوستر دالاس في المخابرات الأمريكية للتحكم في سلوك بعض الناس وجعلهم يفعلون ما يؤمرون به دون التفكير في عاقبة الأمر. وقد اُطلق على البرنامج تسمية الفراشة بسبب أن الفراشة المسماة monarch تغير طبيعتها من دودة إلى فراشة بعد عملية تطور كبيرة لا تعود بعدها لنشأتها الأولى. وهو نفس الأمر الذي يخضع له الذين تتم برمجتهم للقيام بأعمال لا يقوى الآخرون على القيام بها وهم في حالة صحوهم.

وهذا البرنامج يعتبر ايضا جزء من التدريب العسكري والشرطي والأمني لخلق نوع من العداء مع الآخر "دون غبينة"، نلاحظه كثيرا في كيفية تعامل قوات مكافحة الشغب مع المتظاهرين السلميين. ولعين السبب تتخذ السلطات المسئولة والخاضعة للمساءلة من قِبل شعبها إجراءات قاسية تلزم تلك القوات بعدم التصرف دون موافقة القاضي الذي يرافق تلك القوات في غالب الاحيان.

وقد خضع كثيرون من العسكريين لدورات مكثفة على برنامج الفراشة خصوصا اولئك الذين يأتون من بلدان ينشط فيها حزب شيوعي او بها نوع من انواع الوطنية المناضلة ضد الامبريالية العالمية. ومن بين الذين تلقوا تدريبا على هذا البرنامج اثناء تواجدهم في الدراسة العسكرية في امريكا، الجنرالات سوهارتو وبينوشيه وبيدلا بل والرئيس الاسبق جعفر نميري. وقد رجعوا جميعهم إلى بلدانهم وهم يحملون عداءا باثولوجيا للشيوعية وعملوا على تدميرها وقتل قادتها ومنسوبيها حين توليهم السلطة دون أن يرمش لهم طرف.

القاعدة وطالبان وداعش كانوا نتاج طبيعي لهذا البرنامج الشيطاني الذي يعتمده نظام الإنقاذ في السودان في هذه الايام.

إخوان السودان ومنذ بدايتهم الأولى تم إخضاعهم لتلك البرمجة كجزء من مهامهم في العداء للشيوعية العالمية. والحزب الشيوعي السوداني اُعتبر، لغرض استهدافه، من اكبر الاحزاب الشيوعية في افريقيا والشرق الاوسط. وقد ظلت هذه البرمجة تنتقل بين جماعة الإخوان من جيل إلى جيل عبر التلقين المستمر إلى يومنا هذا. ولم يستطع الكثيرون منهم الفكاك منها وإعادة برمجة انفسهم والتخلص من ميولهم العدوانية لأنهم لا يعون أنهم خاضعون لبرمجة قاسية استمرت معهم زمنا طويلا. لذا هم لا يتساءلون في الوقت الراهن عن سبب عدائهم وكراهيتهم للشعب السوداني وإخضاعه للمعاناة والمذلة رغم كل تضحيات هذا الشعب من أجل تعليمهم وإعاشتهم والأخذ بيد المعدمين منهم، لأن الشعب السوداني في عرفهم يتماهى مع الشيوعية طالما ظل يطالب بحقه في العيش الكريم. ومن هنا كانت اهمية ربط الحراك الشعبي الأخير بالحزب الشيوعي لفك شفرة البرمجة وإيقاظ غريزة العداء والكراهية لدى منتسبي الحركة الاسلامية وتنبيههم إلى أن الذي يواجهونه هم الشيوعيين الذين، وفق البرمجة، يجب قتلهم.

ولا يمكن اعتبار الذي يحدث الآن في شوارع مدن السودان المختلفة، خلافا سياسيا او ايدولوجيا، بل هو عنف منظم وممنهج ضد الشعب السوداني بأوامر من أعلى السلطات في الدولة والحزب الحاكم، أي من قيادة الحركة الإسلامية التي لا يخفى علينا ارتباطها الوثيق ببرامج المخابرات الأمريكية التي تولت حمايتها اثناء ثورات ما سمي بالربيع العربي الذي كان الغرض منه تمكين الإسلام السياسي في المنطقة ولم يكن هناك حاجة لثورة في السودان لأن الإسلام السياسي كان وقتها راسخ القدمين في السلطة.

لقد تحرك الشباب الذي لم يجد تفسيرا لهذا العداء المحتدم تجاهه، وجاء بمفهوم مختلف وتكتيك مختلف وأدوات لم يعرفها الشعب السوداني من قبل. وربما كان بعضهم ينتمى للحزب الشيوعي كما لأحزاب أخرى إلا أن ابداعهم الحركي وقدراتهم على ارهاق اجهزة الأمن حتى اصبحت لا تدري مع من تتعامل، ينم عن ميلاد حراك جديد وأسلوب جديد في العمل العام يتخطى الاطر التقليدية التي اعتاد النظام على مجابهتها لمعرفته بها.

إذن لا ينبغي أن تفت من عضد هذا الشباب تخرصات صلاح قوش واتهامه له بالشيوعية، فخطابه موجها هنا لمنتسبي الإسلام السياسي لحضهم على ممارسة العنف، وليس لشباب الثورة.

فتلك ثورتكم أيها الشباب وذلك مستقبلكم وانتم ادرى به وسنكون دائما في عونكم متى احتجتم لنا.

أما نظام صلاح قوش فيسقط بس


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////