تعني الديمقراطية شكل الوصول للسلطة عن طريق انتخابات تمثيلية. وهي يكمن، بل يجب ان تمثل مختلف الاراء والأطراف في المجتمع. واذا اصبحت تمثل طرفا واحداً، فهي تكون قد أفرغت من مضمونها واصبحت وسيلة لإلغاء السياسة برغم التمثيل الشعبي. 

وتعني السياسة في بعض وجوهها الصراع من اجل الوصول الى السلطة، وتبقى مسألة شكلية ما لم تنقل الى المضمون المتعلق بإرادة المجتمع، قضايا المحتمع، تنقضاته، صراعاته الداخلية والخارجية، موارده ومنتجاته، قواه الاجتماعية، صراعاته الطبقية، الخ... كل ذلك يعطي السياسة مضمونها الذي لابد منه.
السياسة نوعان: صراع على السلطة وصراع على ادارة المجتمع. النوع الثاني هو السامي، وهو ما يعطي المجتمع قوة لابد منها ، قوة في وجه الخصوم الخارجين كما قوة في وجه الحاكم. السياسة بمضمونها كإدارة للمجتمع تعطي المجتمع قوة في مواجهة الحاكم وتجعل من الديمقراطية شكلا تمثيليا فعليا، لانه اصبح كيانا مستقلا يواجه الحاكم ، الذي يديره ويخاف كل يوم من المحاسبة.
تعتبر جمهورية ألمانيا اهم دولة أي الرائدة في الاتحاد الاوروبي، حيث تتمتع بقوة نفوذ سياسية واقتصادية، وغدت قاطرة الاقتصاد في القارة الاوروبية، ممتلكة اكبر احتياطي نقدي في دول الاتحاد الاوروبي (194) مليار دولار(لها مخزون 3396 طن من الذهب)، ويبلغ فائض الميزان التجاري (240) مليار دولار، وتتنافس في حلبة الدول الاربعة الغنية الكبرى عالميا. تبلغ مساحتها 376000 كم، ويقطنها 82.375 مليون نسمة، ينحدر منهم 18.6 مليون من اصول اجنبية. يصل الناتج الاجمالي لدخل الفرد سنوياً مبلغ 41936 دولار.
تتكون الدولة الاتحادية من 16 ولاية، لكل منها حكومتها وبرلمانها وقوانينها الخاصة، ويمنح الدستور الحكومة الاتحادية السلطات العليا لادارة حكم البلاد. ويعتبر البرلمان الالماني (البوندستاج) مصدر السلطات التشريعية ، وينتخب المستشار(المستشارة) لتكوين الحكومة الفيدرالية(ايضا تسقط الحكومة بطرح الثقة) . المستشار(المستشارة) صاحب أو صاحبة القرار السياسي(السلطة التنفيذية)، والرئيس الالماني يمثل رمزية الدولة بروتوكولياً.
وسط ترقب عالمي ادت نتائج الديمقراطية البرلمانية الالمانية الى إنتخاب البوندستاج (البرلمان الفيدرالي) في 24 سبتمبر 2017، ادت الي ارتفاع قياسي لعدد اعضائه من (630) الى (709)، ولذا يتحتم تكوين أية حكومة الحصول على اغلبية 355 عضواً. اظهرت النتائج النهائية حصول حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي(حزب المستشارة انجيلا ميركل) على (200) مقعداً، وحليفه الاتحاد المسيحي الاجتماعي (46)، باجمالي (246) مقعداً، وحصلا عام 2013 على (311) نائباً، وتظل رغم الخسارة اكبر كتلة برلمانية وصاحبة الحق لمنصب المستشارية وتأليف الحكومة.
أما الحليف في الوزارة المنتهية ولايتها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فحصل على اسوء نتيجة في تاريخه بالحصول على (153) مقعدا، بدلا عن (193) لعام 2013، وأعلن فورا عن عدم المشاركة بشكل قاطع في تأليف الوزارة الجديدة، والذهاب لمقاعد المعارضة وقيادتها.
وفاجأ حزب "بديل ألمانيا" اليميني المتطرف والمناهض لهجرة الاجانب، بدخوله لاول مرة للبرلمان منذ تأسيسه(فشل عام 2013)، فاجأ الجميع بحصوله على المركز الثالث، وحصل على (94) ممقعداً، ليكون كتلة برلمانية، وسوف يترأس اللجنة المالية ذات الاهمية القصوى والتمثيل في كل اللجان البرلمانية الألمانية والاوروبية، فضلا عن حق تمثيل ألمانيا في قوام الوفود الى الامم المتحدة وحلف الناتو. بل اصبح الحزب اليميني المتطرف ممثلا في برلمانات (13) ولاية من اصل (16). وأفرز التصويت للبوندستاج حدثاً خطيراً وقلقاً للسياسيين بإكتساح "بديل ألمانيا" اصوت ناخبي ولاية زاكسن ، وحصد (26%) منهم، ليتربع على عرش الكتلة البرلمانية الاولى. هذا الحزب اليميني المتطرف، العنصري ،المعادي للاجانب ليس بالظاهرة العرضية، لان قاعدته الجماهيرية تتسع باستمرار، وقياداته منحدرة من صلب الاحزاب الألمانية الحالية، أي محترفي السياسة، وكانوا اعضاء في البوندستاج، وبرلمانات الولايات، ورجال اعمال ، واساتذة جامعات الخ ...
وتمكن الحزب الديقراطي الحر(ليبرالي) من العودة الى البوندستاج(غياب دام 4 سنوات) بحصوله على (80) مقعداً، ليكون الكتلة الرابعة. أما حزب اليسار، فقد حصل على (69) نائباً بزيادة 5 مقاعد. كما تمكن حزب الخضر من قطف (67) مقعداً بزيادة 4 نواب.
برفض الحزب الاشتراكي الديمقراطي المشاركة في تأليف الحكومة المنتظرة، والاصرار القطعي بعدم التراجع عن هذا القرار، ومع رفض جميع احزاب البوندستاج الجديد القاطع التعامل مع حزب "بديل ألمانيا"، بل التحرك بكل الوسائل المشروعة لمحاربتة، حيث خرجت المظاهرات المناهضة له في جميع المدن الكبرى.
لذا لم يتبقى امام المستشارة أنجيلا ميركل خياراً سوى سلك طريق التحالف الوحيد مع الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، ويعرف بتحالف "جاماياكا" ( نسبة إلى الوان علم جماياكا، الاسود يمثل الاتحاد المسيحي، والاصفر الحزب الديمقراطي الحر، والاخضر حزب الخضر).
انطلقت جلست المحادثات الاولي لتأليف حكومة "جامابكا" في 18 من اكتوبر المنصرم في برلين، وطرحت فيه (12) ورقة من قبل الاحزاب الاربعة( المسيحي الديمقراطي وشقيقته المسيحي الاجتماعي، اليمقراطي الحر والخضر). لكن تحقيق ذلك لن يكون سهلا، فمع ان هذه الاطراف لن يكون لديها الكثير من المتاعب للوصول الى الحلول السياسية اللازمة، إلا انها تختلف بشكل واضح في عقلية الحكم واسلوب القيادة.
وعلاوة على ذلك، من المرجح ان يطيل الجدول الزمني السياسي الداخلي محادثات الإتلاف المنتظر. يصر قادة الاحزاب على مواقفهم ويحاولون المحافظة على برامجهم لدى دوائرهم الانتخابية، ويتوقع ان يطول الانتظار لميلاد الحكومة الجديدة.
الاختلافات المعسرة تكمن في تباين المواقف بين الخضر والمسيحى الاجتماعي حول الهجرة واللاجئين وحق احضار عائلاتهم، بل حماية البيئة وسياسة النقل إضافة لمسقبل صناعة السيارات مع الاحزاب الثلاثة الاخرى. يخشى الجميع تقويض المحادثات وإجهاضها(تلميحات من الحزب الديمقراطي الحر بالذهاب مرة اخرى لصناديق الاقتتراع واخرى من الخضر بالذهاب للمعارضة).
البديل الوحيد لإتلاف جامايكا هو حكومة أقلية للاتحاد المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي أو انتخابات جديدة، وهذا الاخير يعزز من موقف حزب "بديل ألمانيا". فكلتا الحالتين ستكونان غير مقبولتان لألمانيا، التي ينظر إليها كدعامة للاستقرار في أوروبا، (بل الخوف من احراز نصر مؤلم من الحزب اليميني العنصري).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.