يقول جاك غولدستون ، احد اهم الباحثين في تاريخ الثورات خلال الخمس قرون الماضية، إن الثورة التي تنتج تقدماً هي التي تدمر المؤسسات القديمة والتي تنشئ مؤسسات جديدة. اما في بلدنا فالثورات كانت وظلت عوداً على بدء، لأنها لم تدمر المؤسسات القديمة، وأصبحت النتيجة استمرار الأوضاع القديمة، أي انها ثورات دائرية. ويقول مستشرق آخر، ميشيل فوكو، شارك في الانتفاضة الطلابية عام 1968، إن الاهم في الثورة ليس النتائج التي تحصل على صعيد السلطة وتداولها، بل الأثر الذي تتركه لدى الجماهير. ليس المسرح هو المهم بل المشاهدون.
كنت كلي أمل، ان يحل عيد الفطر المبارك علينا لنفرح، ويتم إيقاف السيل السياسي الهادر الذي يجرف السودان نحو الهاوية، وأن يتجه التحالفات الحاكمة لحل مشاكل البلاد الحقيقية والملتهبة، والخروج بحلول جذرية نحو سودان مشرق، يلبي أمال دماء الشهداء الشباب التي سالت(لهم الرحمة والى جنات الخلد) وأجبرت الدولة العميقة للترجل عن السلطة.
يكتنف الغموض والضبابية العلاقة القائمة بين شركاء الحكم، حيث يتهمون بإتخاذ القرارات دون الاستعانة بخبراء المعرفة، لفرض ايدلوجية الخضوع والاذعان والهيمنة على الشعب السوداني( خبراء المعرفة في وطننا كثير العطاء ليسوا بالندرة، ولكن لا لزوم لهم في جميع الاحوال( قبل عودتي لبرلين سنحت لي الفرصة برفقة صديقي الذي يناجي الذكريات بين الجدران في القاهرة، الجلوس لأحد القامات الاقتصادية(الباقر يوسف مضوي)، ويا حبذا الاستنارة بأرائهم في خدمة البلاد والخروج من بيت العنكبوت الوهن.
كنت اود الدخول مباشرة حول المقترحات التي تلقيتها حول الجزء الاول، ولكن تقاطرت علي أسئلة وإقتراحات من إعلاميين أجانب(يحبون السودان وقلقون على ما يدور)، حول المسرحيات لاقطاب الحكم: لقاء البرهان ونتنياهو، حمدوك والبعثة الاممية، إعادة بث الفتنة العنصرية بتجدد طاحونة الموت بالنزاعات والانفلاتات القبلية وإراقة الدما، بقصد إخراج الدعم قوات الدعم السريع من العاصمة لتصبح الثورة لقمة شهية للمتربصين والقضاء عليها.والمفاوضات العقيمة في جوبا بين الحركات المسلحة واطراف الحكم(بعضهم لا يملكون شيئا على الارض)، ويتصارعون من اجل المناصب، بل يتنافسون بينهم لمقاسمة الكعبة المتأملة والتي طال وتطول انتظارها ، مع إقاماتهم في ردهات الفنادق الفخمة في جوبا. والمريب في الامر: لماذا المطالبة بنقل المحادثات من جوبا الى العاصمة التشادية!؟. وعليهم أن يدركوا كيف قضى اهلهم سكان مخيمات النزوح واللجوء الذين شردوهم وفقدوا حواكيرهم، ليقطنوا تحت وطأت ظروف معيشية مذرية قاسية في اطراف مدن وفيافي اللبلاد والخارج. نعم كيف أدوا فريضة شهر رمضان المعظم(بل اسوأ مما قضوها خلال عهد الإنقاذ البائد)، بل كيف سوف يقضون عيد الفطر المبارك، ولا يملكون قيمة رطل البلح ، ويشبه أوضاعهم بقوله تعالى:" يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد".
وعودة مرة ثانية لاسئلة محبي هذا البلد من الاجانب، فإن ما جرى بين صديق تاور واكرم علي التوم- من انجح وأحد اكفأ ثلاثة من الوزراء- والتلاسن على الهواء الطلق. هناك عدد كبير من اعضاء الحكومة عينوا بمواصفات لا تنطبق أو تتناسب مع مؤهلات مناصبهم، أو لم ينصبوا في المناصب التي كانوا أكثر تأهيلا لها. الأفضل الكتمان لما يدور في أروقة الحكم من خلافات وملاسنات، وعدم نشرها إعلاميا بالتناقض، لإنها تفقد هيبة الدولة والثقة لدى المواطنين.
وهناك ايضا مهزلة إعادة هيكلة سياسة تجمع المهنيين، حول القانونية والكيفية التي تمت بها، وانسلاخ نقابات فاعلة أسهمت بمواكبة ونجاح الثورة. بل هناك إتهام مبطن لحزب يريد السطوة والحوزة على كل شئ، بأنه قائد الثورة وهو مسبب إنتكاسات ما يجري اليوم في ارض بلدي. قيادة هذا الحزب لا تزال متوقوقعه في مرحلة عفا عنها الزمن، ولا يتماشى مع الحاضر الراهن. وتعيش في حالة فقد البوصلة، بتناقضات وتصريحات متقلبة في اليوم الواحد. ألا رحم الله زعيمهم الراحل، المتفتح الآفاق والرؤيا، وحاز على إحترام الجميع. لقد إفترست هذه المجموعة، الطليعة التي كانت من المنتظر ان تخلف الزعيم الراحل وفصلتهم من الحزب.
ولا ننسى المخالطات في قرارات اللجان، ونقض بعضها من اعضائها، وخاصة ما حدث في رئاسة اللجنة الإقتصادية ورئاستها، وما يدور حول لجنة التمكين، بل لماذا تَوَقَف الدعم الاماراتي السعودي؟. يضاف كذلك معضلة الحكام العسكريين المكلفين، بل وليس آخراً الماكينة الإعلامية المسيرة بالباطل من براثن الدولة العميقة! إلى متى يظل هذا الإعلام مرتعاً لهم يا وزير الثقافة والإعلام والوكيل الأول لهما؟ ومتى نرى إعلاماً ثورياَ يتفق ويواكب الثورة. الشارع المسكين يتفرج ولا يعرف أين الصواب والخطأ، والى أين تتجه السفينة قبل الغرق.
هؤلاء الذين يحبون هذا البلد، يتمنون الإلتزام من شركاء الحكم مراعاة المصلحة الوطنية لوطنهم بالاتفاق والتوافق ، وعدم إخراج خلافاتهم للملأ وشرها على حبل الغسيل، والعمل بالاستشارة والإنارة بكفاءات السودان المتوفرة وخاصة الذين لهم تجارب الحياة ولا يبخلون لمستقبل بلدهم بالنصح الجميل. ويؤكدون ان الاعتراف بالخطإ فضيلة ومفتاح الطريق لتلافيه والسير بالسودان نحو مستقبل مشرق. كما يحذرون من مغبة القبول المطلق بلاصلاحات " الهيكلية" المقدمة من " صندوق النقل الدولي، البنك الدولي ... الخ"، لانها إجراءات قاسية ومؤلمة على السواد الاعظم للشعب السوداني، مما تجبر وتقود الجماهير بالنزول للشارع مرة أحرى والمطالبة بشعار " فليسقط النظام".
ويحذرون من التسكع والجري خلف الولايات المتحدة الامريكية، لإنها دائما تتحالف مع الانظمة الشمولية، وسياسة الخصخصة والحرب الأهلية، وإستنزاف مبرمج لمقدرات الشعوب، بتدمير الإنتاج الوطني والدخول في الدين العام ووالمديونية الدولية ورهن البلاد لرحمة سياستها التي تمليها. أن الولايات المتحدة لاحليف لها إلا من ينفذ سياساتها، وينزلها على الارض، بل تلفظه في لمحة بصر وتستغني عنه بتغير مصالحها.
هؤلاء الاصدقاء لايتمنون أن يحل السلطة محل الوطن، لأن السلطة يجعل جهد الحاكمين التلهث والتشبث للإحتفاظ بها، لإنها تمنح الاميازات وتحقق المصالح الشخصية، بل تؤدي إلى الفساد والإستغلال والمحسوبية.
ويقترحون أيضا لتلافي خطورة الموقف الراهن، ببتر المخربين الذين يسعون بذر الفتنة بين الأجهزة الامنية، حتى يتلاشى الخطر عن ثورة الشهداء الشباب، ويرون الضامن الوحيد لها الجنرال حميدتي مع التأكيد ببقاء قوات الدعم السريع حول وداخل العاصمة، لاجهاض الاحلام البغيضة.
فوجئ السودانيون بأنهم اقوى من أي نظام، بل يستطيعون تعطيله وإزالته، بل يستطيعون فرض ما يشاؤون من شروط. ليس قدرهم أن يبقوا في موقع المتلقي وان يقبلوا ما يقدمه لهم الحاكمين. نعم هم أصحاب شأن وارادة، ولا قانون فوق إرادة الشعب أو ما لاينال رضاه. الجماهير هي القانون، وإرادتهم هي القانون. دون هذه الإرادة ورضى الناس يفقد النظام الحاكم شرعيته ، ويتحقق "يسقط النظام".
يتبع
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.