لم أكد أرفع كوب الشاي بالحليب هذا الصباح حتى أرده الى المائدة متذمرا نكدا ، وأنا أستحضر حادثة ديمة التى وقعت في الأسبوع الماضي و التي في سبيلها أهدرت كرامتي و شعرت فيها لأول مرة بأحساس الفشل و الدونية أمام هذا الفرعون المصري .

لأول مرة أفشل في تملك أو أحراز شيء أو هدف كنت قد قررت سلفا أنني أريده خصوصا أمام حسام .
فقدت الكثير من الأشياء بعد تلك الواقعة المريرة .
خسرت تقدير وحب و حصانة مربية فصلي وكيف كانت ترعاني بعناية خاصة و تفضلني على الجميع .
وخسرت أيضا فرصة عظيمة للنيل من هذا الفرعون المصري في مجال غير طلب العلم ، سمه مثلا فنون الفهلوة و الكيد والتخطيط و المكر و الشيطنة .
وخسرت أخيرا توقيرو أحترام الكثيرين لي كأول الفصل و قدوة لهم ، بعد أنتشار خبر عرضي لديمة أتفاق الصداقة مقابل المساعدة في حل واجباتها في مادة الحساب .
لقد أعمى الحزن والغيظ بصيرتي من يومها فقررت بمبدأ علي و على أعدائي أن أكيد لهما ، وأن أرد لنفسي كرامتها المهدرة بأي وسيلة كانت أخلاقية أو غير أخلاقية .
نعم سأطرح المثالية جانبا فالصراع بيني وبين هذا الحقير المصري وتلك اللبنانية المتعجرفة دخل منحنى ضيق و جديد خرج بنا بعيدا من ميادين الدرس نحو سوح الشتم و السب و الكيد و الدسيسة .
أصرت ديمة بعد هذه الحادثة أن يجلس حسام بجانبها في الكنبة ، فقررت مربية الفصل بناء على طلبها وطلب ولي أمرها تلبية رغبتهما في أن يجلسا معا في كنبة واحد كان تصميمها مخصصا ليسع شخصين فقط .
لم يهدأ لي بال منذ وقتها ، ودأبت على الأستمرار و المواصلة كسابق عهدي في سباق القدرات بيني وبينه طلبا للدرس تارة ، و ممنيا النفس أن أجد أي فرصة لأصرعه في أمر سفيه آخر تارة أخرى .
وكان هو في المقابل يمارس كعادته وينسج في كل لحظة و دقيقة ألاعيب و ممارسات لأثارة مشاعر الغيظ و الحنق فيني .
أراد بكل السبل أن يعزلني عن الآخرين وأن يخلق في نفسي شعورا بالوحشة والغربة مستغلا الحضورها الطاغي للسندريلا حيث أنه يعلم جيدا شخصيتها القوية و المحورية و الجاذبة بين أقراننا في الفصل .
السندريلا يحبها و يتودد إليها الجميع لرقتها ولجمالها ولظهورها المميز بشكل متألق في كل مناسبات المدرسة وأحتفالاتها ، على الرغم من أنانيتها و غرورها المفرط وأعتدادها بنفسها كثيرا على حساب الآخرين .
فما كانت تحبه و تفضله وتميل إليه السندريلا بشرا كان أو جمادا أو طعاما أو حتى مسلسلا لرسوم متحركة ، كان يجب أن تحبه صديقاتها و يحبه أصدقاء صديقاتها بالمعية ويحبه جميع من في الفصل في الأخير .
و ماتكره وتهجره كان لزاما ان يكرهه أو يتصنع كراهيته الجميع فينجرفون عنه بعيدا تقربا أليها و أرضاءا لنزعاتها وغرورها .
وقف حسام متحلقا وسط ديمة وصديقاتها يوما رافعا من عقيرة صوته بالتنكيت وبسرد القصص الفكاهية السخيفة العنصرية و المختلقة من خياله المتعفن ، ثم قال لهم بعدها أريد أن أحدثكم اليوم عن أديب مصري كبير أسمه رفاعه رافع الطهطاوي .
هذا الأديب نفاه الخديوي عباس باشا في القرن التاسع عشر للسودان ليكون مديرا لمدرسة الخرطوم الأبتدائية و مؤسسا لها ، ليخرج هؤلاء الناس من درك الجهل و التخلف و الأمية .
ولكنه عندما وصل للسودان تفاجأ من بشاعة هذا البلد و قسوة و جلافة أهله فكتب هذه القصيدة يصف فيها السودان وأهله قائلا :
ولا سَلماي فيه ولا سَعادي وما السودانُ قطُ مُقامُ مثلي
زفيرَ لظى فلا يُطفيه وادي بها ريحُ السمومُ يشم منه
دواماً في اضطراب واطّراد

عواصفها صباحاً أو مساءً
وبعضُ القوم أشبهُ بالجماد ونصفُ القوم أكثره وحوش
بمخ العظم مع صافي الرماد

فلا تعجبْ إذا طبخوا خليطا

أبتسمت له ديمة و تصنعت الدهشة قائلة له :
لهذه الدرجة نفر منها هذا الذي يسمى طهطاوي ؟
رد عليها بطريقة حاول من خلالها أن يبدو متأففا : نعم يا ديمة وأسوأ من ذلك ربما !
ثم ظلا يتناقشان على هذا الحال و أنا على مقربة منهما ، أراجع دروس الحساب و العلوم مع زميلي عدي العراقي و زميلتي يارا السورية .
وقف عدي بغضب وقال لي : دعني يا أحمد أذهب إليه و أصفعه كفا .
قلت له : دعه يا عدي أنا منذر من قبل مربية الفصل ولا أود الدخول أبدا في أي مشاكل أخرى معه تحديدا .
أعترضني عدي وقد وقف متأهبا للدخول في صدام مع حسام : ولكنه يستغل هذا لكي يسيء لك كل مرة فيضغط عليك نفسيا !
قلت له محاولا تهدئته : لا تحزن يا صديقي ستأتي الفرصة لأرد له الصاع صاعين أن شاء الله .
همست في أذني يارا وقتها أثناء تهدئتي لعدي وفي عيونها نظرات حسرة و أشفاق علي : لا تكدر نفسك يا أحمد من كلامهما السخيف فكل إناء بما فيه ينضح .
قلت لها بصلابة وفي عيوني نظرات تحدي : لن تهزني مثل هذه الترهات يا دينا لقد تعودت عليها خصوصا من هذا المدعو حسام ، قريبا جدا سوف أرد له هديته بأفضل منها ...... قريبا جدا أن شاء الله .

*************
دخلت علينا أستاذة سلمى ( فلسطينية الأصل ) معلمة المسرح في حصتها الأعتيادية وكان ذلك تحديدا في آواخر السنة الدراسية الرابعة .
كانت أستاذة سلمى من مجموعة المعلمات اللاتي مازلن يكنون لي كل التقدير والأحترام بوصفي أول الفصل منذ السنة الأولى .
كانت أستاذة ذات حضور جميل و زاهي لدى كل تلاميذ الفصل ، بشوشة مرحة و قريبة لقلوبنا جميعا ، يحبها ويتفاعل معها كل من في الفصل حتى أنها جعلتنا نحب و ننتظر حصة المسرح المقررة مرة واحدة أسبوعيا بشغف و ضيق صبر شديدين .
قصت علينا في ذلك اليوم قصة مسرحية برناردوشو ( بيجماليون ) و التي تدور أحداثها بين أستاذ هيجنز و إليزا بائعة الزهور الوضيعة قذرة الهيئة و الثياب و مشوشة الشعر .
كان هيجنز أستاذ علم اللغات من أثرياء لندن ، يسخر من النساء و يمقتهن ، وعندما ألتقى ببائعة الزهور في الشارع تحركت في صدره موهبة الخلق ، فأراد أن يصقل أخلاقها و طباعها و عاداتها و يدخل بها في رهان مع صديق له ثري على أنه سوف يجعلها بعد ستة أشهر فقط شكلا و مضمونا سيدة راقية من مجتمع مدينة لندن الأرستقراطي دون أن يكشفها أو أن يعرف أمرها أي فرد من هذا المجتمع الراقي .
وبالفعل تدخل الفتاة المسكينة المشردة التجربة ، وتسلم نفسها لأستاذ هيجنز ليفعل فيها ما يشاء ، و يكسب الأستاذ الرهان في الأخير بعد أن حول بائعة الزهور لتمثال جميل يسر الناظرين .
ولكن الفتاة خلال فترة الستة أشهر يتعلق قلبها بأستاذها رغم أنه لم يكن ينظر لها سوى كفأر تجارب .
مال قلبه لها نوعا ما في نهاية المسرحية إلا أنه لم يفكر أبدا بالزواج بها ، و نصحها في الأخير أن تنتهز الفرصة التي منحها لها بأن تتزوج من أحد معجبيها الأثرياء .
بعد أن أكملت أستاذة سلمى قص الرواية العالمية لنا أقترحت علينا أن يتطوع طالب أو طالبة من الفصل للبحث عن نص مسرحي أخر جميل قصير أو متوسط يقوم بنقله و تعديله من قصة عالمية أو تاريخية معروفة لنقوم بتمثيله في مسرح المدرسة في ذكرى يوم المسرح العالمي الذي يصادف أيضا أحتفالات تخرجنا كطلاب من المرحلة الأبتدائية .
لشيء ما في نفسي وبشعور داخلي عميق لم أدرك كنهه لحظتها رفعت يدي سريعا و طلبت من أستاذة سلمى حمل هذه المهمة العسيرة والأتيان بهذا النص المسرحي .
أعجبت أ.سلمى بجرأتي و تكفلي بهذه المهمة وقالت لي :
بورك فيك يا أحمد أنت دوما طالب مثالي ومثابر و مجتهد ، و سباق للتحدي والنجاح والتفوق ، هي لك المهمة .
أختر يا أحمد النص المسرحي الذي يعجبك وأختر معه أيضا أي مجموعة من زملائك الذين ترى فيهم أنهم مناسبون لأدوار هذه المسرحية على أن تراجع معي كل هذا قبل أن نبدأ في مرحلة التدريبات للعمل .
أبتسمت لكلامها بطريقة قصدت أن ألمح فيها بخبث عن أمر خفي سولت لي نفسي فعله ، وقد لاحظت أن حسام كان يرمقني بنظرات شك و ريبة ، فقبلت توجيهاتها وشكرتها ولكنني فطنت سريعا لعقبة كانت يمكن أن تفسد تلك المكيدة التي لم أخطط لها أصلا بعد ولكنها بدأت تختمر في رأسي ، فستأذنتها مرة أخرى قائلا :
ممكن أطلب منك يا أستاذة سلمى أمام الجميع طلب معين يساعدني كثيرا على أنجاح هذه المسرحية وهذا العرض .
فعاجلتني بالرد سريعا :
تفضل تفضل يا أحمد أطلب ماتريد !
أعتدلت في جلستي كمن يتأهب لرمي قنبلة وقلت لها في براءة مصطنعة : أعتقد يا أستاذة سلمى أنه من الأنصاف والعدل بعد أعتماد النص الذي سوف نمثله بعد موافقتك طبعا ، أن يكون أختياري للممثلين ملزما لهم للعب الأدوار التي وضعتها ، بعد أن أقدم لك قائمة مضمنا فيها طبيعة هذه الأدوار للممثلين في المسرحية ، لتقوم أنت في الأخير بأعلانها وفرض الأشتراك على كل من يقع عليهم أختياري للعمل حتى لا يعتذر أو يحاول أن يرفض أحد من زملائي تمثيل دور بعينه غير الذي وضعته له بعد أتفاقنا سوية على ذلك التوزيع أنا و أنت .
ضحكت أ.سلمى بملئ شدقي فمها وضحك معها كل زملائي في الفصل بمن فيهم ديمة وصديقاتها من هذا الطلب وأخذوه جميعا على محمل الطرفة و الهزل و التندر ثم صاحوا جميعا كلنا موافقين .
كانت الخطة الجهنمية قد بدأت تختمر في عقلي ، خطة الأنتقام من ديمة و حسام ، وكنت في نفس الوقت أوزع الأبتسامات يمنة و يسرة بين زملائي أثناء القهقهات و التعليقات المتناثرة من أفواه هذا أو تلك حتى لا يشك أحد منهم أن وراء طلبي الأخير أمر ما أضمره في نفسي .
ثم أخذت أردد سرا : يا رب الأمور تمشي كما أريد لها !
نظرت الى ديمة المغرورة فوجدتها أشد الناس فرحا و حماسة للأشتراك في المسرحية ، و كنت أعلم جيدا أن رغبتها الجامحة في تسيد المشاهد و المناسبات خصوصا التي يحضرها أولياء الأمور قد أعماها عن النظر وتخيل الجانب الأسود من طلبي .
لم تسعفها أنانيتها في الظهور كأميرة أو بطلة للمسرحية التي سوف أقدمها كمخرج مسرحي معاونا لأستاذة سلمى عن مايمكن أن أخطط له و أعده شرا لها ولصديقها الفرعون المصري .
هي تمني نفسها الآن بل تضع لنفسها في هذه اللحظات دور الأميرة بطلة المسرحية التي سوف يدور حولها الملوك و الأمراء لكسب ودها وخطبتها كما كان يحدث مع السندريلا في الأساطير و القصص المرواة .
وهي بالطبع و بسبب نفس هذا الغرور أيضا على قناعة ويقين وبحكم أنها جميلة الفصل بل جميلة المدرسة بأسرها ، فلن تتجرأ أي فتاة كانت من كانت أن تزاحمها على طلب دور البطلة ناهيك أن أكون أنا السوداني أسود البشرة كما كانت تصفني مرارا و تكرارا أن أتجرأ أنا أيضا فأتجاوزها لغيرها لأختيارا من يمثل دور البطولة النسائي .
يا لها من بنت ساذجة وغبية !
فقط واحد من دون كل من كان في هذا المشهد لاذ بالصمت والتأمل والتفكير العميق ، وتملك الشك والخوف و الريبة والظنون ضلوعه وأطرافه ، وأخذ ينظر ألي بحدة عابسا ومقتضب الملامح ، لأنه الوحيد الذي يعرفني جيدا كمعرفته بمعدته حينما تتضور جوعا طلبا للقمة الطعام .
هو لاغير نديدي الفرعون المصري حسام !!!؟
كان حسام يحرك رأسه بأرتباك ويوزع نظراته بيني وبين المعلمة ثم يلتفت نحو ديمة ناظرا أليها بأمتعاض وهي منفعلة ومتحمسة بشدة للأشتراك بالمسرحية .
كان حالها على غير عادتها فهي كانت طوال الفترة الماضية تبخس ولا تتحمس لأي شيء كان يخرج من بنات أفكاري بتحريض و دفع منه ، لكنها اليوم تترقب بشغف لحظة أن تودع هذه المدرسة كملكة أو أميرة على مسرحها و أمام الجميع .
حسام يعلم جيدا مدى حب ديمة الأعمى للظهور في ثوب الأميرة المتوجة على صديقاتها ، وأن هذا الحب الأعمى هو نقطة ضعفها الكبيرة التي ربما أكتشفها هذا السوداني الفطن وسوف يبني عليها قطعا مايخطط له من هذه المبادرة بأختيار نص للمسرحية .
وكنت أنا في المقابل أراقب بسخرية صمت حسام المطبق وأنزوائه عن التفاعل في هذه اللحظات مع الآخرين وأنغماسه في نوبة تفكير عميق أعلم جيدا كثيرا ممايدور فيها ، فكنت بدهاء و مكر أرمقه بنظرات خبيثة لأزيد من موجات الشك والريبة والفضول عنده لمحاولة تنبأ ما أخطط له من وراء هذه الخطوة .
طلبت أ.سلمى من الجميع الصمت بعد أن عم الصخب المكان بسبب حماسة الجميع للمشاركة معي في المسرحية وأنا مازلت محافظا على أبتسامتي العريضة ، ثم قالت :
لك ياأحمد ماطلبت .......
الجميع هنا متحمس للمشاركة في المسرحية ويا حبذا لو أشركنا فيها أكبر عدد ممكن من زملائك و زميلاتك ، مش هيك يا أولاد ؟ مش هيك يا بنات ؟
رد عليها الجميع بصوت عالي جهور : نعم أستاذة سلمى .
هنا لم يتمالك نديدي حسام نفسه ووقف فجأة صائحا : أنا أعترض يا أستاذة سلمى ، كيف يختار أحمد النص ويختار المشاركين ويختار أيضا لكل مشارك دوره في المسرحية ، هذا ظلم كبير وعدم عدالة يا أستاذة !!؟
ألتفت أليه الجميع وأخذوا ينظرون أليه بضيق وحدة وتبرم وقد علموا من أمره الكثير فيما يخص كيده و كرهه الشديد لي ومعارضته الدائمة تجاهي لكل مشاركاتي بالفصل سواء بسبب أو من دون سبب !
ردت عليه أ.سلمى بغضب :
أول شيء من سمح لك يا حسام بالتحدث ؟
أنا هنا من يحدد الصلاحيات ، والجميع هنا ينفذ ما أطلب دون نقاش ، فهمت ولا لسه مافهمت يا سيد حسام !!؟
رد عليها حسام بغضب مكتوم : فهمت يا أستاذة سلمى !
حسنا أتفضل أجلس في مقعدك وتاني مرة لمن تكون بدك تشارك أطلب الأذن مني ، سامع ولا أجيب لك مكرفون يسمعك !!؟
حاضر يا أستاذة سلمى ، أنا آسف !
جلس حسام منكسرا وهو يتبرم بكلمات متقطعة غير مسموعة وانا أنظر أليه مبتسما حتى أزيد من غيظه بسبب تعنيف أستاذة سلمى له .
تابعت أ.سلمى حديثها موجهة كلامها للجميع :
أسمعوا يا أولاد ويا بنات ....
سوف يقوم زميلكم أحمد بأختيار النص المسرحي الذي يراه مناسبا ، وكذلك سوف أترك له فرصة أختيار المجموعة التي يراها مناسبة للعمل معه ، ولأدوارها في المسرحية بعد مشاورتي وعرضها علي ، وسوف أقوم أنا في الأخير بأعلان الأسماء وتحديد أوقات التدريبات التي ستكون أن شاء الله بأشرافي شخصيا ... موافقين يا شباب !!؟
أجابها الجميع بحماسة شديدة : موافقين أستاذة سلمى .
كان حسام لحظتها شاحب الوجه مطأطأ الرأس يملأ الغضب و الحنق والخوف ملامحه ، وكنت أرد له ذلك وازيد عليه بالأبتسامات الخبيثة التي تثير غيظه و تملأه كبتا و كمدا على ماهو عليه الآن .
في تلك اللحظات رأيت وجه ديمة بدأ يكون مخطوفا مرعوبا ، وكأنها بدأت تشعر أخيرا بحبال الفخ المجهول الذي أعده لها ولصديقها حسام ، فذهبت مندفعة نحوه تخفف عنه مصابه في توبيخ المعلمة له ، ثم سمعتها تقول له لا تخف يا صديقي سوف أتحدث مع أستاذة سلمى هي تحبني كثيرا وسوف أقنعها لتكون أنت بطل المسرحية معي !!؟
ضحكت ساخرا من كلامها وهي توجهه للفرعون المصري ، وهو يومئ برأسه محاولا بصعوبة تقبل كلامها ومجاراتها في ظنونها البريئة ، ولسان حاله يقول :
( أنت يا مسكينة لا تعلمي أي شيء عن فطنة و حدس و دهاء و مدى كراهية هذا السوداني لنا ، وما يمكن أن يخططه لدفننا و سحقنا في مقبل الأيام القادمات أنتقاما منا لما فعلناه فيه طيلة الفترة الماضية ) .
تعمدت تجاهل مشهد الأثنين ديمة و حسام وهما يتحاوران في أضطراب و فزع في أحد أركان الفصل بعد خروج أ.سلمى ، و أتجهت بعدها سريعا وأمامهما نحو زميلتنا يارا وهي أحدى صديقات ديمة المقربات .
يارا ديمة دوما تغير منها لأنها كانت تحمل كثيرا من حسن الجمال و الأدب و الأخلاق و الألتزام و النجاح و التفوق .
يارا كانت أيضا فتاة مهذبة ومتواضعة على عكس ديمة ، وكانت دائما لاتشارك ديمة وبقية صديقاتها سخريتهم وتندرهم فيني ، تعنفهم و تعظهم بأن هذا عيب ولا يصح فأحمد يبقى في الأول و الأخير زميلنا !
كانت متصالحة مع دور الوصيفة لديمة أو الطفلة الثانية بالفصل ( دور النائبة الأولى ) وتحرص دائما أن تبدي القنوط و الزهد الشديدين في مزاحمة السندريلا في تطلعاتها التي لا تحدها حدود و مشاركتها في أهوائها المتناقضة والمتقلبة ، ورغبتها الجامحة لتسيد المجالس وتزعمها بأستمرار ، رغم أنها كانت رغم كل ذلك تحبها وتصطفيها كصديقتها الأولى .
قلت لها : يارا أتمنى أن تقبلي المشاركة في المسرحية !
أنا يا أحمد !
نعم أنت يا يارا
أحمر وجهها خجلا وقالت : لا أستطيع .... أنا أهاب الوقوف في المسرح ومواجهة الجمهور !
شجعتها قائلا : لا لا يا يارا ...... كلنا نهاب المسرح ولكن أ.سلمى سوف تقوم بتدريبنا وتهيئتنا جميعا لهذا العمل ، فلا تخافي أبدا من الخوض في هذه التجربة الجميلة ، فقط أرجوك أشتركي معنا في هذا المسرحية ، أنت الوحيدة التي أريد أن أضمن موافقتها في العمل !
نظرت إلي بشك : لماذا أنا بالذات يا أحمد ؟ أنت تعرف جيدا ديمة ، وانا لا أريد أبدا مزاحمتها في أجمل شيء تحبه و الظهور بجانبها في المسرحية فأخسرها كصديقة .
لالا لن تخسريها كصديقة و هذا لن يضر بالعمل أو يخصم منه ، بالعكس أنا أتمنى مشاركتكما معا من أجل إنجاح العمل .
هي يا يارا لها دور وأنت أيضا لك دور آخر ، وأنتما في الأخير صديقتان وقطعا ستكونان بشكل جيد و منسجم أثناء البروفات .
صمتت يارا لبرهة كانت تفكر فيها في الأمر ، ورأسها منخفض نحو الأرض ثم حركت رأسها بالأيجاب ثم قالت لي بهمس : ( بصراحة أنا متحمسة جدا و أحب بشدة الأشتراك معكم يا أحمد لكني أخاف غضبة ديمة !)
لا لا شيء يدعو للخوف يا يارا ، ديمة تريد كما نعلم جميعا لنفسها دور البطولة ولا يعنيها بعد ذلك أي شيء في العمل وهذا ماسوف أضمنه لها .
أنفرجت أسارير يارا بعد ذلك و قالت لي مبتسمة و منشرحة الصدر : أذا هيك يا أحمد أنا موافقة ومستعدة لأي دور تضعه لي .
ممتاز يا يارا هكذا أريدك دوما .
أبتسمت يارا وفتحت لي بذلك مع قبولها أبواب الأمل لما أخطط له فتنفست مع موافقتها الصعداء ، وهي لا تدري أنها بموافقتها تلك قد أسدت لي خدمة العمر التي ستكشف عنها الأيام القادمات .
أتجهت بعدها لمجموعة من أصدقائي كانوا يراقبون تحركاتي بين صديقات ديمة ويتحرقون فضولا لمعرفة مايدور في ذهني .
ذهبت أليهم وهم يضحكون قائلين : سبحان الله يا أحمد صرت زعيم الفصل بين يوم وليلة !!؟
أبتسمت لممازحتهم لي ثم قمت بطمأنتهم جميعا قائلا : كلكم يا أصدقاء سوف تشتركون في المسرحية و سوف أبحث عن نص يسع الجميع فلا تقلقوا من هذا الأمر ، لن أستثني أي أحد منكم من المشاركة في هذه المسرحية خصوصا أنت يا عدي .
ضحك عدي ( العراقي ) وعاجلني بسؤال مفاجئ :
حتي حسام يا أحمد ؟
صمت للحظات كنت أنظر فيها أليه و ديمة مازالت بجواره تحاول أن تواسيه و تخفف عنه آلام و أوجاع تعنيف و توبيخ وأحراج أ.سلمى له أمام الكل و خوفه من القادم المجهول .
نعم يا رفاق لن أستثني أي أحد في هذا الفصل ، حتى هذا الفرعون المصري الصغير .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.