(1)

تساؤلات بالغة الأهمية تطرحها الإفادات التي نقلتها وكالة السودان للأنباء الرسمية "سونا" عن الدكتور آدم الحريكة المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، التي أكد فيها سريان موازنة العام المالي 2020 الي تمت إجازتها من قبل المجلس التشريعي المؤقت، المشكل من المجلس السيادي ومجلس الوزراء، قائلاً "إن الحكومة لن تتأثر بعدم انعقاد المؤتمر الاقتصادي الذي تم تأجيله بسبب جائحة "كرونا"، وأضاف "أن تركيز المؤتمر الاقتصادي لن يكون منصباً على الموازنة، ولكن الحوار سيناقش السياسات التي تطبقها الحكومة تنفيذاً لهذه الموازنة المجازة".
وقال مستشار رئيس الوزراء الاقتصادي "إن الموازنة مجازة، ويمكن للحكومة الاستمرار فيها، مع استمرار الحوار مع قوى الحرية والتغيير، إلا ان ذلك لا يعني توقف تنفيذ الموازنة وتطبيق السياسات المصاحبة"، مشيراً إلى أن أمام الحكومة "خيارات متعددة لتنفيذ الموازنة المجازة".
وتوقع د. الحريكة انعقاد المؤتمر الاقتصادي قبيل انعقاد مؤتمر المانحين الذي دعت له مجموعة اصدقاء السودان، الذي كان من المفترض أن يلتئم في أبريل قبل تأجيل انعقاده إلى شهر يونيو القادم، بيد أنه يرى أن انعقاد المؤتمرين بات مرتبطاً بانجلاء جائحة "كورونا".

(2)
أهمية هذا التصريح يأتي من كونها المرة الأولى التي يفصح فيها مسؤول رفيع في الحكومة الانتقالية عن محدّدات سياستها الاقتصادية في ظل جملة من التطورات الراهنة الطارئة، على الصعيد الداخلي بتأجيل المؤتمر الاقتصادي الذي كان مقرراً انعقاده هذا الأسبوع، وعلى الصعيد الخارجي تلك المتعلقة بالتبعات الاقتصادية عالمياً ومحلياً الناجمة عن جائحة كورونا.
والرسالة الواضحة التي حملها التصريح الرسمي للمستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة أنه لا نية لديها لإجراء أية تعديلات على برنامجها وسياستها الاقتصادية المضمنة في موازنة العام 2020، وأنها ستواصل في تنفيذها دون أن تقييد أو اعتبار للتطورات الراهنة سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد المتغيرات الخارجية بسبب جائحة "كورونا".
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هل هذه سياسة واقعية أن تتجاهل الحكومة الانتقالية كل هذه التطورات وتصر على الاستمرار في التعامل بالمعطيات السابقة نفسها كأن لا شيء يحدث على الإطلاق، في وقت تراجع فيها كل الحكومات سياساتها وموازناتها، فضلاً عن أن موازنة 2020 "العالقة" كانت تحتاج للمراجعة حتى لو لم تحدث هذه التطورات التي لا يغالط أحد في تأثيراتها السلبية البالغة.

(3)
ليس سراً أن إجازة الموازنة العامة 2020 آواخر ديسمبر المنصرم جاء ملتبساً وسط خلافات عميقة بين وزير المالية والتخطيط الاقتصادي واللجنة الاقتصادية ل "قوى الحرية والتغيير" حول مشروع الموازنة المقدمة من الدكتور إبراهيم البدوي، وهو اختلاف عميق يتجاوز التقديرات المالية إلى جوهر التوجهات والسياسات الاقتصادية بين الطرفين، حيث ترتكز سياسات وزير المالية على تطبيق سياسة التحرير الاقتصادي، وما يستتبع ذلك من تحرير لسعر الصرف ورفع الدعم، مع الدفع ببرنامج للحماية الاجتماعية، بينما تعارض اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير مرتكزات هذا البرنامج الذي تعتبره تطبيقاً حرفياً لبرامج الإصلاح الهيكلي التي يتبناها صندوق النقد الدولي، طارحة جملة من المقترحات التي ترى فيها حلاً بديلاً

(4)
ودون الدخول في تفاصيل كثيرة فمن المعلوم أنه في خضم تلك الاختلافات الحادة دفع وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، بعدما تبين له أنه لا سبيل لحل وسط، بسيناريوين لمشروع الموازنة أحدهما يمثل خيارات وزارة المالية، والآخر يمثل خيارات اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، في سابقة غير معهودة، وجرى تسريب المشروعين على نطاق واسع في وسائط التواصل الاجتماعي ورافقتها حملة واسعة ضد وزير المالية، وزاد من احتقان الموقف أنه لم تكن تتبق سوى بضعة أيام لنهاية العام المنصرم وهو ما يستلزم إجازة الموازنة قبل انقضائه.
وفي محاولة لتدارك الأمر جرت مساومات سياسية بين الأطراف المعنية للخروج من المأزق، وسط مقترحات متعددة جرى طرحها من بينها تأجيل إجازة الموازنة لثلاثة اشهر ريثما يتم حل تلك الاختلافات، قبل ان يتم التوافق على تسوية تم التأكيد عليها نصاً في مشروع الموازنة الذي تمت إجازته وفق هذه المعالجة يقول إنه "نظراً للظروف الاقتصادية ولسياسية والاجتماعية الماثلة، فقد تم التوافق على إرجاء مسألة معالجة الدعم إلى ما بعد مؤتمر اقتصادي جامع يعقد في شهر مارس من العام 2020 والذي سيتم التحضير له جيداً بما في ذلك عقد عدة مؤتمرات اقتصادية قطاعية خلال الفترة من يناير إلى مارس".

(5)
ولأن مسألة "معالجة الدعم" ليس شأناً طارئاً أو عابراً، بل تمثل جوهر سياسة برنامج الحكومة الاقتصادي الذي عبّرت عنه في الموازنة بتفاصيل تحت عنوان "معالجة تركة الدعم السلعي وآثارها الماحقة على مستقبل البلاد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي" فصّلت فيه التشخيص والمعالجات المطروحة، كما أن خيارات وتقديرات الموازنة المالية المجازة ترتكز بالضرورة على حسابات تفترض أن تجاوز اعتراضات قوى الحرية والتغيير مسألة وقت لا أكثر، وأن الشروع في تنفيذ إجراءات رفع الدعم وفقاً لذلك جرى تأجيله لثلاثة أشهر فقط ريثما ينعقد المؤتمر الاقتصادي الذي راهن وزير المالية على الانحياز لرؤيته، أو أنه سيجد نفسه مضطراً لتقديم استقالته كما صرح بذلك، لأنه لن يكون بوسعه تنفيذ برنامج لا يعبر عم قناعاته.

(6)
لذلك عندما يقول المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، وهو أيضاً نائب رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاقتصادي، الذي باتت احتمالات انعقاده في وقت قريب تتضاءل بشدة، إن سريان الموازنة الحالية، المفترضة أنها عالقة ومؤقتة، لن يتأثر بعدم انعقاد المؤتمر الاقتصادي، فإن ذلك يعني واحداً من أمرين، إما أن الحكومة ستمضي قدماً في تنفيذ سياسات التحرير التي ارتكزت عليها حسابات تقديرات الموازنة، والمعنى هنا تحرير سعر الصرف، وتحرير أسعار السلع والخدمات المدعومة، دون انتظار لعقد المؤتمر الاقتصادي، والاستعداد لتحمل تبعات ذلك ببساطة لأن المعادلات التي بنيت عليها الموازنة لا تتحمل أي تأخير في تنفيذ جوهر السياسات والحسابات التي ارتكزت عليها.
وإما أن الحكومة تحسباً لتبعات هذا السيناريو الذي سيثير غضب قوى الحرية والتغيير، وغضب الشارع جراء الاحتقان الاجتماعي لارتفاع تكاليف المعيشة، تؤثر أن تغض الطرف عن تطبيق سياسات التحرير وتصرف النظر عنها، وتواصل في السياسة الراهنة بدعم السلع والخدمات الأساسية، وهنا سيبرز السؤال من أين لها وكيف تستطيع الوفاء بالتزامات الانفاق العام الذي توسعت فيه وضاعفته، بما في ذلك برامج الحماية الاجتماعية، في ظل استمرار نزيف الدعم، وضعف قدرتها على تحقيق الإيرادات المقدرة للموازنة، سواء الموارد الداخلية أو الخارجية كذلك.

(7)
وفي الواقع فإن هناك جملة من التحديات الخطيرة التي تجابه موازنة 2020، وبالتالي برنامج الحكومة الاقتصادي، وقد أصبح كذلك بعد أن تبناه رسمياً مجلسي السيادة والوزراء بعد إجازتها، ولم يعد بالتالي برنامجاً خاصاً بالدكتور إبراهيم البدوي وإن كان هو مبتدره، تحديات تتجاوز الخلافات السياسية والأيدولوجية بين مكونات قوى الحرية والتغيير، وبين بعضها والحكومة حول السياسات الاقتصادية ضمن قضايا أخرى، تتعلق بالمنهجية والنمذجة الاقتصادية والتقديرات والحسابات التي بُنيت عليها الموازنة نفسها، وقد تناولها عدد من الخبراء المختصين في الاقتصاد والمالية بقراءة نقدية محكمة من بينها مقال الدكتور التيجاني الطيب الذي نشرته إيلاف قبل عددين، ومقال الدكتور حسب الرسول عباس البشير الذي تنشره على حلقتين في هذا العدد والذي يليه، وهي تحليلات معمقة من ناحية فنية تفصيلية، وخلاصتها أن هناك حاجة ملّحة لمراجعة الموازنة تأخذ في الاعتبار النقاط النقدية التي أثيرت فيها.

(8)
غير أنه إضافة إلى ذلك فإن هناك اعتبارات موضوعية أخرى إضافة لما أوردناه آنفاً تستلزم إعادة النظر في الموازنة نظراً لتغير المعطيات التي أنبت عليها لا سيما في جانب الإيرادات، وثمة معلومات تشير على سبيل المثال إلى أن هناك تدنياً كبيراً للغاية في نسبة تحصيل الإيرادات للربع الأول لهذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فإذا أضفنا لذلك توقع استمرار تدني تحصيل الإيرادات خلال الفترة المقبلة على خلفية الإجراءات الوقائية المتخذة بشأن محاصرة انتشار جائحة كورونا في البلاد والتي تضمنت تعطيل دولاب العمل في العديد من المؤسسات الإيرادية فضلاً عن تباطؤ الحركة التجارية بما في ذلك الصادرات والواردات وإرهاصات الركود فإن من شأن ذلك أن يضرب في مقتل تقديرات الإيرادات المحسوبة في الموازنة المبنية على معطيات متغيرة في وقت توسع فيه الانفاق العام.

(9)
بيد أن العامل الأكثر تأثيراً إضافة للعامل الداخلي، هو التطورات الخارجية الناجمة عن تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، لا سيما وأن موازنة 2020 تعتمد بنسبة مقدرة على منح خارجية تبلغ 27,7%، فضلاً، عن توقعات بالحصول على دعم إضافي مباشر من مؤتمر المانحين المؤجل إلى يونيو، والذي بات قيامه أيضاً في كف عفريت، كما أن الآمال في الحصول على دعم ذي بال حتى في حال قيامه تكاد تنعدم، فقد حملت أنباء المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع على لسان وزير المالية محمد الجدعان أنها ستلجأ إلى اقتراض 27 مليار دولار لتغطية العجز المتوقع في موازنتها على خلفية تأثيرات كورونا وانهيار أسعار النفط، فإذا كان هذا حال الدولة المانحة الأكثر أهمية، فحدث ولا حرج عن بقية الدول بما في ذلك الدول الكبرى التي كانت تعوّل اصلاً على أريحية دول الخليج العربي في إنجاح مؤتمر المانحين الذي دعت له مجموعة أصدقاء السودان لدعم الحكومة الانتقالية.

(10)
والحال هكذا، فمن الخطورة بمكان على استقرار البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن تتغافل الحكومة عن كل هذه التطورات المنذرة، وتبقى مكتوفة الأيدي عاجزة عن التفاعل والفعل، مكتفية بالقول إن الأمور ستبقى على ما هي عليه، وأن الموازنة ستستمر في سريانها دون أن مراجعة لسياساتها وتقديراتها.
ولئن كان هناك سبب واحد لمراجعة مجمل الوضع السياسي والسياسات الاقتصادية ، حتى لو لم تكن هناك حاجة لمؤتمر اقتصادي، فقد أصبح هناك ألف سبب لإعلان طوارئ اقتصادية تواكب هذه التحديات المستجدة، ولئن جاز أن تسهم المناورات الضيقة أحياناً في إدارة لعبة السياسة فإنه آخر ما يصلح أو ينفع في إدارة الشأن الاقتصادي، ولذلك فإن مراجعة الحكومة لبرنامجها الاقتصادي وللموازنة بصفة مستعجلة وجادة ليست ترفاً يمكن تفاديه، إنه الفريضة الغائبة وواجب المرحلة المصيري.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.