أصدرت وزارة العدل السودانية بياناً مقتضباً نُشر بالموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة بتاريخ الاثنين 6 أبريل 2020 تحت عنوان: (بيان من وزارة العدل حول اكتمال إجراءات تسوية كافة قضايا المدمرة كول) وأوردت الصحف السودانية تفاصيل البيان في اليوم التالي لنشره بموقع الوزارة ، وجاء في مستهل البيان ما يلي: 

"تود وزارة العدل بجمهورية السودان أن توضح أن اتفاق التسوية، الذي كان قد تم التوصل إليه في فبراير 2020 مع أسر وضحايا المدمرة كول الذين كانوا يباشرون إجراءات قضائية ضد حكومة السودان أمام المحاكم الأمريكية، قد أكتمل تماماً. وبناءً على ذلك، قدم الطرفان عريضة مشتركة إلى المحكمة المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية الجمعة، الموافق الثالث من إبريل الجاري، لشطب الدعاوى المعلقة الخاصة بالمدمرة كول ضد السودان، مما يؤدي إلى إنهاء هذه القضايا بشكل كامل ونهائي من قبل المحاكم في الولايات المتحدة". انتهى.
وخلص البيان إلى أنه :" الآن وقد اكتملت إجراءات هذه التسوية بما يسمح بشطب هذه القضايا نهائياً، تؤكد وزارة العدل مجدداً أن السودان لم يكن ضالعاً في الهجوم على المدمرة كول أو في أي أعمال إرهابية أخرى، وقد تم النص صراحة على هذا التأكيد في اتفاقية التسوية.. إن إغلاق القضايا المتعلقة بالإرهاب، وهي جزء من التركة الثقيلة الموروثة من النظام المباد، وتطبيع العلاقات بين السودان والولايات المتحدة وبقية دول العالم لهو شرط لازم لإنهاء العزلة الدولية وإعادة العلاقات المستقرة المثمرة والمتطورة التي تتطلع وتعمل من أجلها الحكومة الانتقالية". انتهى.

وأول ملاحظة يجب تسجيلها على البيان هو أنه يتحدث عن أمر مجهول تماماً للشعب السوداني. فغالبية، إن لم نقل كل، جماهير الشعب وقوى الثورة لا تعرف شيئا عن قضية المدمرة كول ولا عن التسوية التي يتحدث عنها البيان ومقدار المبالغ النقدية للتسوية وكيفية سدادها، ولا يعلم شيئاً عن علاقة السودان بهذة الحادثة وتداعياتها وتجهل جهلاً تاماً مجريات القضايا المرفوعة ضد حكومة السودان المتعلقة بهذه الحادثة وما هو التكييف القانوني السليم لها وفق مبادىء القانون الدولي وحماية سيادة الدول.
وكان الواجب على حكومة السودان الحالية أن تشرك الشعب منذ البداية في هذه القضية وملابساتها لأنها قضية تمس السيادة الوطنية ويجب أن يتم التعامل معها بكل الشفافية المطلوبة في عهد الحرية والعدالة والحق في تملك المواطن للحقائق والمعلومات العامة.
كما كان على وزارة العدل السودانية أو وزارة الخارجية السودانية إذا كانت راغبة فعلاً في تنوير جماهير الشعب وقوى الثورة بمجريات هذه القضية أن تعقد مؤتمرا صحفيا تحت الأضواء ومنقولا على الهواء مباشرة عبر التلفزيون والإذاعات الرسمية وتدعو إليه كل الصحف ووسائل الإعلام المحلية والعالمية لتشرح فيه للشعب وللعالم خلفيات هذه القضية وعلاقة السودان بها وتسرد فيه تفاصيل الحادثة والإجراءات القضائية التي اتخذت ضد حكومة السودان بشأنها والوقائع القانونية التي تجعل حكومة السودان مسؤولة عن الحادثة والمسوغات القانونية التي تلزم حكومة الثورة بتعويض أسر ضحايا الحادثة. ولكن للأسف كل هذا لم يحدث.
والغريب أن يرد في البيان قوله: "وتؤكد وزارة العدل مجدداً أن السودان لم يكن ضالعاً في الهجوم على المدمرة كول أو في أي أعمال إرهابية أخرى، وقد تم النص صراحة على هذا التأكيد في اتفاقية التسوية". انتهى.
فما دام السودان ليس ضالعا في تفجير المدمرة الأمريكية على حسب نص البيان، لماذا وافقت حكومة الثورة على تحمل السودان المسؤولية القانونية عن عمل لم يقم به؟ وما قيمة النص في اتفاقية التسوية على عدم مسؤولية السودان عن هذا العمل الإرهابي في الوقت الذي التزمت فيه الحكومة بتعويض ضحايا الحادث بموجب هذه التسوية نفسها؟ ما الغرض من التسوية إذن؟!
والأدهى والأمر أن هذه التسوية تتم في قضية خسرها المدعون في أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة الأمريكية وهي المحكمة العليا.
ورب قائل إن خسران المدعين للدعوى لا يمنعهم من رفع دعوى جديدة ضد السودان باعتبار أن المحكمة العليا قضت ببطلان الحكم في الدعوى الأولى لأسباب إجرائية وهي إن إعلان السودان بالدعوى لم يتم بموجب الإجراءات السليمة التي حددها القانون الأمريكي. هذا صحيح ولكن ليس هناك ضمان بأنهم سوف يكسبون الدعوى الجديدة. المهم في الأمر هو أن ضحايا الحادث وورثتهم لم يرفعوا دعاوى جديدة للمطالبة بالتعويض حتى الآن وذلك بسبب قبول حكومة السودان تسوية القضية ودفع مبلغ 70 مليون دولار تعويضاً لهم (لسنا متأكدين من المبلغ ولكن هذا هو المتداول).
ويبدو أن حكومة الثورة تلقت وعوداً من الإدارة الأمريكية أنها سوف ترفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بمجرد قبول السودان للتسوية ودفع مبلغ التعويض المطلوب. لذلك سارعت وزارة العدل السودانية بإصدار هذا البيان. ولكن بعد يوم واحد من نشر بيان وزارة العدل موضوع هذا النقاش، أوردت صحف الخرطوم تصريحاً منسوباً لمسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية، أبان فيه أن قبول السودان بتسوية قضية المدمرة كول لا يكفي لرفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأنه لا تزال هناك قضايا أخرى تتنظر السودان أن يدفع فيها تعويضات للضحايا وهي تفجيري سفارة أمريكا بكل من نيروبي ودار السلام سنة 1998.
وكانت المحاكم الأمريكية قد قضت في هذه الدعاوى بإلزام السودان أن يدفع للمدعين مبلغ 10 مليار دولار أمريكي (هذا هو الرقم المتداول) وقد استأنف السودان هذه الأحكام وهي تنظر الآن أمام المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية ولم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن.
وهكذا يستمر التماطل والتسويف الأمريكي. وهنا علينا أن نتذكر أن دفع تعويضات لضحايا الحوادث الإرهابية لم يكن الشرط الوحيد لرفع العقوبات عن السودان. فكلنا يعلم اللقاء المفاجىء لرئيس مجلس السيادة السوداني برئيس وزراء اسرائيل نيتانياهو بيوغندا فقد كان ذلك اللقاء أحد شروط الإدارة الأمريكية لرفع السودان من قائمة الإرهاب ولكن ماذا كانت النتيجة؟ لا شىء!!
زد على ذلك أن سلطة رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب من حق الكونغرس (البرلمان) وليس من حق الرئيس الأمريكي وإدراته. ولذا فإن أي وعود تقطعها الإدارة الأمريكية على نفسها في هذا الشان مع حكومة السودان لا معنى لها لأنها لا تملك الحق في إرغام الكونغرس إذا لم يرغب في ذلك. صحيح أنه يجوز لوزارة الخارجية الأمريكية أن ترفع توصية أو التماس للكونغرس بممارسة حقه في رفع العقوبات عن السودان لكن الكلمة الأخيرة للكونغرس وليس للرئيس أو وزارة الخارجية.
والسؤال الآن ما حادثة المدمرة الأمريكية "كول" وما علاقة السودان بها؟
تتلخص وقائع حادثة تفجير المدمرة الأمريكية كول، في أنه في 12 أكتوبر 2000 وقع تفجير انتحاري على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول USS Cole بينما كانت ترسوا على ميناء عدن اليمني بغرض التزويد بالوقود. ففي الساعة 11:18 قبل الظهر بتوقيت عدن اقترب قارب صغير من الناقلة واصطدمت بها محدثا انفجارا خلف فتحة بطول 12 متر على جانب الناقلة وراح ضحية الحادث 17 بحاراً وإصابة 39 آخرين بجروح.
وقد اتهمت الإدارة الأمريكية تنظيم القاعدة صراحة بتدبير الحادثة وتم التعرف فيما بعد على منفذي العملية. وفي 7 يوليو 2004 بدأت محاكمة المتهمين بالتفجير في صنعاء عاصمة اليمين. وفي 29 سبتمبر من نفس العام قضت محكمة يمنية بإعدام المتهمَيْن الرئيسيَّين بينما حكمت بالسجن على أربعة من المتهمين، لمدد تراوحت ما بين 5 سنوات و10 سنوات.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت سلفاً وقبل بدء المحاكمة وبعد أكثر من سنتين من الحادثة وبالتحديد في 3 نوفمبر 2002 أن عناصر من وكالة المخابرات الأمريكية أطلقوا النار على سيارة كانت تقل اثنين من عناصر القاعدة بالأراضي اليمنية واللذين وصفتهما بأنهما المخططين الرئيسيين لعملية تفجير المدمرة كول.
هذه باختصار وقائع حادثة المدمرة كول. والسؤال الذي يتبادر على الفور في ذهن كل سوداني وما علاقة السودان بهذه الحادثة حتى يطالب بدفع تعويضات لأسر ضحايا التفجير الانتحاري؟
والجواب لا توجد أي واقعة ملموسة من وقائع الحادث تربط السودان ربطا مباشراً بذلك التفجير الانتحاري الإرهابي. وكل ما هناك أن الخارجية الأمريكية كانت قد وضعت السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1993 وذلك بسبب وجود زعيم القاعدة أسامة بن لادن على أراضيه في الفترة من 1993 إلى 1996.
واستنادا إلى وضع السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب وإيواء حكومة العهد المباد لأسامة بن لادن في الفترة المذكورة قام أسر ضحايا الحوادث الإرهابية المذكورة برفع دعاوى ضد السودان بالمحاكم الأمريكية مطالبين بالتعويض المالي عن الأضرار التي لحقت بهم. وقد أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً ببطلان الحكم ضد السودان في هذه القضية كما سبق البيان أعلاه.
الشاهد أن حكومة الثورة ارتكبت خطأً تاريخيا فادحا في حق السيادة الوطنية للسودان عندما رضخت للابتزاز الأمريكي الرخيص وقبلت تسوية القضية مع أسر الضحايا خارج المحاكم وذلك على حساب المبادىء والقيم التي رفعتها ثورة ديسمبر المجيدة: حرية سلام وعدالة. فأى حرية وأي سلام وأي عدالة تجبر حكومة الثورة أن تعترف بجرم لم ترتكبه وأن تدفع لضحاياه تعويضات تبلغ مئات الملايين من الدولارات فقط في سبيل أن ترضى عنها أمريكا وترفعها من قائمة عقوبات فرضتها على حكومة النظام البائد في العام 1993؟!.
لقد كانت أمام حكومة الثورة للتفاوض مع الإدارة الأمريكية حول هذا الشأن، الكثير من الخيارات القانونية والسياسية للتعامل مع قضايا التفجيرات الإرهابية المرفوعة ضد السودان بالمحاكم الأمريكية بخلاف هذه التسوية المعيبة والمزلة لسيادة السودان والمهينة لكرامته الوطنية.
إن الموقف السليم من الناحية السياسية والقانونية كان يتطلب من حكومة الثورة أن ترفض من حيث المبدأ أي ربط بين رفع العقوبات والمسؤولية عن التورط في الأعمال الإرهابية وذلك لأن هذه الأعمال وقعت في ظل العهد البائد الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري ضد إرادة الشعب وأطاحت بنظام ديموقراطي يمثل الإرادة الشرعية لشعب السودان وقد أطاح الشعب في ثورة شعبية مشهودة بهذا النظام وعمل بجد للتمهيد للتأسيس لحكم مدني منبي على إرادة الشعب وسيادة حكم القانون والاعتراف بالمواثيق والمعاهدات الدولية واحترام سيادة الدول والتعايش السلمي بين الأمم.
وهنا قد تحاجج الإدارة الأمريكية بأن حكومة الثورة مسؤولة عن إلتزامات حكومة العهد البائد بحكم مبدأ إحالة المسؤولية عن التزامات الدول إلى أنظمة الحكم الجديدة التي تخلف النُظم السابقة أو ما يعبر عنه في الإنجليزية في القانون الدولي بــــ state succession ولكن هذا المبدأ لا ينطبق في هذه الحالة لأنه متعلق بالتزامات الدول التي تنشأ بموجب معاهدات أو اتفاقات سياسية وتجارية ولا يشمل الأعمال الجنائية والإرهابية التي يقوم بها أفراد بحكم مناصبهم في الدولة.
وإن الأفراد والشخصيات الذين كانوا يمثلون أركان النظام المباد هم الآن خارج السلطة ويجوز للولايات المتحدة الأمريكية ملاحقتهم بصفاتهم الشخصية على تلك الاتهامات إذا أرادت ذلك وإذا كان لديها ما تملكه من الأدلة ضدهم. وكان يمكن لحكومة الثورة إذا اختارت هذا الخيار أن تحشد التأييد الدولي من خلال عمل منظم داخل أروقة الأمم المتحدة ومن خلال استمالة تعاطف حلفاء أمريكا في أوربا وغيرها لتأييد موقف حكومة الثورة الرافض للمساءلة عن هذه الأفعال الإرهابية.
والحد الأدني لأي تفاوض لا يمس السيادة والكرامة الوطنية للسودان هو المطالبة بالرفع الفوري للعقوبات الأمريكية والتمسك بعدم مسؤولية السودان السياسية والقانونية عن هذه الجرائم الإرهابية مع قبول حكومة الثورة دفع التعويضات فقط في حالة قضت بذلك المحاكم الأمريكية وبعد أن تستنفد القضايا جميع مراحل التقاضي حتى المحكمة العليا الأمريكية وتصبح نهائية وقابلة للتنفيذ، على أن تقوم الولايات المتحدة على الفور بإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وبمجرد إلتزام السودان بذلك ودون انتظار لنتيجة التقاضي. (وهنا لا نريد الخوض في جدل قانوني حول الحصانات السيادية للدول الذي يحرم على مواطني دولة ما مقاضاة دولة أخري استنادا إلى مبدأ sovereign or state immunity في القانون الدولي لأنها مسألة خلافية).
والآن بعد أن خييبت الإدارة الأمريكية آمال الحكومة السودانية برفضها رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد قبولها تسوية قضية المدمرة كول، نأمل أن تعيد حكومة الثورة حساباتها في التفاوض مع الإدارة الأمريكية حول قضايا الإرهاب وأن تتعظ من تجربة قبولها لتسوية قضية المدمرة كول ولقاء رئيس مجلس السيادة لرئيس وزراء إسرائيل الذي لم تجني من ورائه شيئاً، وذلك وفق شروط جديدة تحفظ للسودان كرامته الوطنية والسيادية وتحقق أهداق الثورة المجيدة وتزيل بكرامة اسم السودان من تلك القائمة اللعينة.
وفي سبيل هذه الغاية نقترح أن تشرع الحكومة السودانية في حشد التأييد الدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبخاصة دول الاتحاد الأوربي وحلفاء أمريكا والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ودول عدم الانحياز للعمل على إقناع هذه الدول بعدالة موقفها لكي تعمل هذه الدول على إقناع الولايات المتحدة برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب دون شروط.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.