الأمر لا يخلو من مفارقة، فكيف لفلسفة قامت على تقويض كل أصل وكل مرجع وكل مدلول متعالي وعلى تفكيك الميتافيزيقيا (الميتافيزيقيا ليس بالمعنى الغيبي وحسب، ولكن بالمعنى الفلسفي العام الذي يشمل النظرية والفكر والعقل والمفاهيم والمدلولات والمعاني والذات والجوهر) كيف يمكن لهذه الفلسفة أن تتبنى لها جذورا في اللاهوت؟
الحقيقة إن بعض الإستراتيجيات والمقولات الأساسية في التفكيك توحي بجذورها اللاهوتية، مثل: "الكتابة الأصلية". و"كل شيء كتابة أو نص". و"لا شيء خارج النص". والتفسير والتأويل اللانهائي للنص. والقول "كل قراءة خاطئة " و"كل تأويل خاطئ".
إن وجود صلة بين التفكيك والتقاليد اليهودية في تفسير الكتاب المقدس، قد لفتت نظر الباحثين منذ وقت مبكر. وكان أصدقاء دريدا: ميلر وبلوم وهارتمان الذين أسسوا معه أول حلقة تفكيكية بجامعة ييل Yale هم أول من لفت الأنظار إلى الجذور اللاهوتية للتفكيك.
فمثلا في تعليق له على كتاب دريدا Glas (نواقيس) الذي صدر سنة 1974 تحدث جوفيري هارتمان عن براعة دريدا في التلاعب اللفظي بالكلمات قائلا: "من غير الرباني أو الحاخام دريسا Reb Derissa يمكنه أن يفعل ذلك"(1). وذلك في إشارة إلى توقيع دريدا لأحدى مقالات كتابه (الكتابة والاختلاف) بعبارة: Reb Derissa "الرباني دريسا"(2).
والرِّب أو الرابي، هو الرباني في العربية، وقد وردت الكلمة "ربانيون" في القرآن الكريم صفة لأحبار اليهود.
وكذلك أشار هارولد بلوم، أحد أقطاب التفكيك، في كتيبه (القباله والنقد الأدبي) Kabbalah and Criticism الصادر سنة 1975 إلى تأثر دريدا في نظريته حول الكتابة بالتصوف اليهودي (القباله)"(3).
والقباله Kabbalah لفظة عبرية تطلق اسما على التصوف اليهودي. وأصل الكلمة العبرية استنادا إلى "الويكيبيديا" من الفعل receive, accept بما يفيد أنها من الفعل قبِل يقبَل وهو فعل مشترك بين العربية والعبرية ولعل المقصود بها القبول الإلهي أو استقبال الفيض أو الواردات والمعارف الإلهية.
وأول من أشار إلى تأثر دريدا بالتصوف اليهودي وتقاليد تفسير التوراة، من خارج الحلقة التفكيكية، الباحثة الأكاديمية سوزان هاندلمان ثم الفيلسوف الألماني الكبير يورغن هبرماس. يقول هبرماس في كتابة الهام (الخطاب الفلسفي للحداثة)The Philosophical Discourse of Modernity الصادر سنة 1985: "رغم كل الإنكارات إلا أن دريدا ظل لصيقا جدا بالصوفية اليهودية" ويضيف موضحا:" بإجتراحه لمفهوم كتابة أصلية arche-writting تبدو آثارها في كل عملية تفسير في حاجة إلى تفسير، قد جدد دريدا مفهوما صوفيا في التراث ينظر إلى حقيقة النص بوصفه حدثا مؤجلا على الدوام. إن سلطة النص الدينية سوف لن تظل محتفظة بسطوتها إلا إذا حافظت على إخفاء وجهها الحقيقي لتعمل على إثارة سعار المفسرين على الدوام"(4).
أما سوزان هاندلمان في كتابها (قتلة موسى: انبثاق التفسير الرباني في النظرية الأدبية الحديثة) الصادر سنة 1982، فلا تقصر المسألة على جاك دريدا بل حاولت التدليل على أن النظرية الأدبية الحديثة كلها في الغرب ذات جذور لاهوتية. وإن معظم كبار منظري النقد الأدبي الحديث ينطلقون في تنظيرهم من تراث الكتاب المقدس.
تقول: "إذا كان الكتاب المقدس قد فقد مكانته بوصفه كتابا مقدسا فإن فكرة "النص" وبالتحديد النص النقدي قد أحتل مكان النص الديني. لقد صار "النقد الأدبي نوعا من اللاهوت البديل"(5). إن معظم "المفكرين الذين يتعاملون مع إشكالات النص ينطلقون في ذلك من تراث الكتاب المقدس أو بالتماس معه""(6).
وبالرغم من أن استقصاء "تأثير الخلفية اليهودية على كثير من اليهود العلمانيين، عمل شاق ومعقد إلا أن الحقيقة تظل هي أن هنالك علاقة بنيوية عميقة ومؤثرة بين أعمال معظم مفكرينا المعاصرين مثل فرويد ودريدا وبلوم وبين الأساليب الربانية Rabbinic (الحاخامية) اليهودية في التفسير""(7).
ويبدو أن علاقة التفكيك بالتراث اليهودي هي من القوة بمكان بحيث أن أنصار التفكيك قد أخذوها حقيقة مسلم بها. فهذا كريستوفر نوريس أهم شراح دريدا المخلصين في نظر التفكيكيين، يشير في كتابه (دريدا)1987 إلى تبني دريدا: "تكتيكات عديدة لينبه القاريء إلى تورطه السري مع مصادر وتقاليد كهنوتية. وهي تأخذ شكل توقيعات محيرة Reb Derissa (الرباني دريسا) أو شكل تلميحات إلى مناهج الشروحات التلمودية أو شكل حيل مضاعفة وحيل كتابية أخرى، بين النصوص الأولية والثانوية، ترفض أي تحديد واضح "(8).
لذلك لم يجد نوريس بد من التسليم بصحة نتائج دراسة سوزان هاندلمان فيصفها بالرائعة: "لقد قدمت سوزان هاندلمان في كتابها (قتلة موسى) تقريرا مفصلا على نحو رائع عن كيف أن الخاصية اليهودية في التأويلات النصية تغلف السطح في كتابات فرويد ودريدا وعددا آخر من المفكرين في التقليد التأويلي الخاص بفكر يخضع الكتابة لخدمة حقيقة مساوية للكلام وللحضور والأصول.. غرضها على وجه التحديد زعزعة وتشويش أفكارنا الموروثة فيما يتعلق بالقراءة"(9).
وتلاحظ هاندلمان أن تأثر دريدا العميق بالتراث اليهودي قد ظهر مبكرا في ثلاث مقالات نشرت قبل أو بالتزامن مع كتابه (في القراماتولوجي) 1967 وقد جمعت هذه المقالات الثلاث ونشرت بكتابه ( الكتابة والاختلاف) 1967.
كانت المقالة الأولى عن فكر الفيلسوف الفرنسي اليهودي ايمانويل ليفيناس (1906-1995) وجاءت بعنوان (العنف والميتافيزيقيا: مقالة في فكر ايمانويل ليفيناس) والمقالة الثانية عن الشاعر اليهودي المصري ما بعد حداثي، إدموند قابي، وجاءت بعنوان (إدموند قابي وأسئلة الكتاب). أما المقالة الثالثة فقد كتبت تحت عنوان (محذوفات) تحدث فيها دريدا عن اللاهوت السلبي، بوصفه كتابة تتجاوز مفهوم الكتاب المغلق إلى انفتاح النص. وقد وقع دريدا هذه المقالة باسم Reb Derissa الرباني دريسا وكانت هذه العبارة آخر الكلمات بالكتاب"(10).
وترى هاندلمان أن تغيير اسم دريدا Derrida إلى دريسا Rerissa أو ريدا ridda- إلى ريسا rissa- "يعد في الفرنسية نوعا من التلاعب بالكلمات الذي يغرم به دريدا. فإذا أخذنا risee بمعنى يضحك أو ضاحك في الفرنسية، فربما أراد دريدا أن يضحك ضحكته الأخيرة علينا، بوصفه Reb Derissaالرباني (الحاخام) دريدا"(11).
ولكن قبل أن "نترك دريدا يضحك ضحكته الأخيرة، التي يبدو أن كثير من النقاد يرغبون فيها، علينا ألا نقرأ نص دريدا على أساس نظرية اللعب الحر التي هي جزء من تراث نيتشه والتي تتيح لدريدا مهربا نقديا من أي هجوم نظري عليه بزعم أنه لا يوجد معنى صحيح وحقيقي على الإطلاق". علينا عوضا عن ذلك "أن نأخذ الرباني دريسا Reb Derissa الضاحك، بروح المدراش (التلمودي) لا بروح نيتشه وأن ننظر إلى لعبه كلعب جاد بوصفه شرحا أو امتدادا مدراشيا للنص"(12) .
وبالإطلاع على مقالة (إدموند قابي وسؤال الكتاب) لدريدا، نجدها تحتشد بالإشارات إلى اليهودية والتراث اليهودي وعلاقة ذلك بالتفكيك. وأهم هذه الإشارات هي توحيد دريدا بين اليهودية والكتابة: يقول في مستهل المقالة: "في السؤال تطرح اليهودية بوصفها آلام وميلاد الكتابة. آلام الكتابة وحب الحرف وعبء تحمل الحرف نفسه الذي لا يعرف موضوعه: هل هو اليهودي أم الحرف نفسه"(13) . ثم يضيف: "لقد اختار اليهودي الكتابة والكتابة اختارات اليهودي"(14) .
أما مقالة (عنف الميتافيزيقيا: مقالة في فكر ايمانويل ليفيناس) فنجد أن دريدا قد صدرها بإقتباس من الأديب والناقد الإنجليزي الكبير ماثيو آرنولد بمقالته الشهيرة (الثقافة والفوضى) Culture and chaos ويكشف هذا الإقتباس عن الصراع الثقافي الخفي الذي يتحكم في مسيرة الفكر الغربي بين اليهودية والتراث الإغريقي.
يقول الإقتباس: "العبرية والهيللينية: بين قطبي النفوذ هذين يتحرك عالمنا. فيبدو في أوقات معينة أنه منجذبا وبقوة إلى أحد القطبين. وفي أوقات معينة أخرى يبدو منجذا نحو القطب الآخر. وهكذا ينبغي أن يكون إذ لا توجد حالة توازن سعيدة بين الاثنين"(15).
واستنادا إلى ذلك تكشف سوزان هاندلمان عن حرب ثقافية تجري تحت سطح النظرية الأدبية والنقدية بين النزعة اليهودية والنزعة المسيحية الإغريقية في التفسير.
تقول: "في إثر الثورة التي أطاحت بكل اليقينيات المطلقة أخذ النقاد اليوم يكشفون عن آيدلوجيات ويقيمون نظم وجماعات ليخوض من خلالها الأتباع حروبهم شبه الدينية. الحقيقة إن النقد كان دائما بمعنى ما يخوض حروبا دينية ولكنا لا ندرك عمق الجذور اللاهوتية لعلم التأويل الحديث. إن الهيرومنيوطيقا الحديثة يعود تأريخها في الأساس إلى هيرومنيوطيقا الكتاب المقدس. والمصدر الآخر لمفهومنا للتأويل هو الفلسفة الإغريقية وبصفة خاصة أرسطو"(16).
وفي ضوء هذه الحرب الثقافية التي تدور في الخفاء بين التيارات النقدية الحديثة في الغرب يمكن أن نجد تفسيرا للمقاولات المفتاحية للتفكيك مثل انحياز دريدا للكتابة واصراره على اسبقيتها للكلام وتباكيه على قمع واضطهاد الكتابة المزعوم في الغرب. وكذلك يمكنك أن نجد تفسيرا لمقولة "كل شيء كتابة أو نصا" ومقولة "لا شيء خارج النص".
فعندما يميز دريدا في كتابه (في القراماتولوجي أو في علم الكتابة) بين كتابة سيئة وكتابة حسنة أو خيرة، بين كتابة الجسد وكتابة الروح، فهو إنما يشير بذلك إلى الحرب التأويلية بين اليهودية من ناحية وبين المسيحية والإغريقية من ناحية أخرى. فالمسيحية تقيم تمييزا حاسما بين الحرف Letter أي النص/ الكتابة وبين الروح Spirit فعندما جاء المسيح بدعوته إلى اليهود، جادلوه بالحرف/ النص أي بالكتاب المقدس (التوراة) فرد عليهم بأن الكلمة قد تجسدت في اللحم والدم أي المسيح. المسيح هو كلمة الله المجسدة. بمعنى أن حقيقة النص قد تجسدت في اللحم والدم. ولكن اليهود تمسكوا بالنص ولا يزالون. أما المسيحيون فالحرف صار بالنسبة لهم بعد التجسيد، ميتا ومضللا ومفسدا.
إن الأوصاف التي يطلقها دريدا على الكتابة المضطهدة في التراث الغربي هي أوصاف لاهوتية بامتياز كما تقول سوزان هاندلمان مثل وصفه: "سحر صورة الحرف المغوي"، "خطيئة التوثين" "الإغواء الذي ينبت الشياطين"، "انحراف الطبيعة"، "المنفية والمدانة بالضلال والعمى"، "الآخر المطرود" إلخ..
أما وصفه للوغوس بأنه: "عنف تاريخي لكلام يحلم بوجوده الممتليء، يحيا حياته كأنه تكرار لنفسه.. نتيجة تلقائية لكلام يقال إنه حي.. لوغوس يؤمن أنه أب نفسه وقد رفع فوق مستوى الخطاب"(17). فإنه من الواضح كما تقول هاندلمان أن هذا هو اللوغوس المسيحي حيث الابن يحلم أن يكون أباه، أن يولد في اللحم الحي وأن يرفع فوق كل النصوص والخطابات. اما ذاك التائه الحزين، حامل الحرف، ساحر الكتابة المدان المنبوذ والمتهم بحمل الخطيئة الأصلية بلا فداء فهو اليهودي حامل الحرف وساحر الكتابة"(18).
جاء في أول انجيل يوحنا: "في البدء كانت الكلمة" وفي الأصل اللاتيني: "في البدء كان اللوغوس" Logos وكما سبقت الإشارة أن اللوغوس في الإغريقية هو الكلام والعقل والمنطق ثم صارت تعني في المسيحية: كلمة الله (المسيح) والله. وجاء في انجيل يوحنا أيضا: "الكلمة تجسدت في اللحم الحي وصارت تسكن بيننا". أي أن اللوغوس تجسد في المسيح. وبلغة دريدا الحرف (الدال) Signifier تجسد في المدلول المتعاليTranscendental Signified في اللوغوس. وهدف دريدا هو تحرير الدال( المحسوس) من المدلول (المعقول)، تحرير الدال من اللوغوس وبالتالي تحرير الكتابة وإطلاق حرية النص وفتحه على التأويل اللانهائي.
كأنما أراد دريدا بطريقة غير مباشرة رد الإعتبار للفكر الرباني اليهودي الذي ينطلق في إدراك الوجود من الحرف/ الكتابة، ويقدس النص. وهنا علينا استعادة قول دريدا في سياق حديثه عن الشاعر اليهودي ادموند قابي: "اليهودي اختار الكتابة والكتابة اختارت اليهودي".
تقول هاندلمان: "إن ما يميز الفكر الرباني اليهودي على نحو فريد هو هروبه من طريقة التفكير الاغريقية المسيحية الانطو-لاهوتية. فالكتابة أو النص المقدس لها حق الامتياز في الفكر الرباني اليهودي. فهي لا تسبق الكلام وحسب، بل تسبق وجود العالم الطبيعي كله. إن الفكر الرباني لا يتحرك من المحسوس إلى المدلول المثالي المتعالي ولكنه يتحرك من المحسوس إلى النص. وهذا هو بالضبط ما يشكل مسار حركة دريدا: من الانطولوجيا إلى القراماتولوجي، من الوجود إلى النص"(19).
إن النص في نظرية المعرفة الربانية اليهودية هو أصل الواقع وأساسه. الوجود هو النص ذاته. فالتوراة ليست نتاج العالم بل العالم هو نتاج التوراة. جاء في التلمود:" التوراة سبقت وجود العالم"(20). وجاء في المدراش في شرح الإصحاح الأول من سفر التكوين: ".. نظر الواحد القدوس في التوراة ثم خلق العالم"(21).
وكتب ناشمنيديس (1195-1270م) في مقدمة شرحه الكلاسيكي للتوراة: إن الله فسر لموسى كل أسرار الخلق تفسيرا ظاهرا وباطنا. ويقول التلمود: "إن هذه الأسرار قد كتبت في التوراة، في الكلمات وفي الحروف في شكل الحروف وفي تغيير شكل الحروف". لذلك يركز الفكر الرباني تركيزا شديدا على الكلمات وعلاقاتها ببعضها البعض بما في ذلك الشكل الفيزيائي لرسم الحروف وحتى روابط وفواصل النص.
ويحدثنا التراث الرباني إنه "عندما جاء الرباني مير إلى الرباني اشماعيل (اسماعيل) يطلب فيه الإذن أن يصير كاتبا للتوراة. قال له الأخير: إن ذلك يتطلب عناية فائقة: فإن أنت نسيت حرفا أو كتبت حرفا زائدا فإنك بذلك تكون كمن قوض العالم"(22) .
وجاء في المدراش (من درس يدرس) إن بن باق باق يقول: "اقرأ التوراة وتدبرها، اقرأها فكل شيء فيها". أو بعبارة دريدا "لا شيء خارج النص"(23). وقد ورد هذا المعنى في القرآن في قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) الأنعام-38.
في حديثه عن أنواع الكتابة أورد دريدا بالفصل الأول من كتابه (في القراماتولوجي) قول الرباني أليعازر: "لو صارت كل البحار مدادا وصارت كل الأنهار مزروعة بشجر الأقلام وكانت السموات والأرض رقاعا وكل البشر يعرفون فن الكتابة فلن يستنفدوا كل التوراة التي تعلمتها أنا وسوف لن ينقص ذلك من التوراة إلا مقدار ما تحمله سنة قلم غرست في ماء البحر"(24).
وهذا المعنى الذي أشار إليه الحاخام ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) الكهف- 109.
وهكذا فإن حقيقة النص المقدس لا ينفد وحقيقته لا تكتمل فكل قراءة تقود إلى قراءة أخرى وكل تأويل يمحو ما سبقه من تأويل إلى ما لا نهاية. وفي كتابه Circumfessions (اعترافات الختان) حول سيرته الذاتية، يحيل دريدا إلى طرق التفسير القبالي في العصور الوسطى التي تكشف عن أربع مستويات للنص المقدس هي: peshat وهو المعنى الحرفي و remez المعنى الرمزي وderash وهو المعنى homiletic الوعظي أو الاخلاقي و sod هو المعنى الصوفي العميق. ويقول دريدا إن هذه "الأساليب الرباعية للخطاب الفردوسي للعقلانية اليهودية "تجري" في دمه(25).
جاك دريدا والتصوف اليهودي:
كان دريدا قد أنكر بشدة أي علاقة للتفكيك بالصوفية وذلك في سياق رده سنة 1986 على الاتهام الذي وجهه إليه كل من سوزان هاندلمان ويورغان هبرماس بوصفه "الابن الضال لليهودية" وأن هنالك الكثير الذي يجمعه بالصوفية اليهودية. يقول ردا على هذا الاتهام:
"لسوء الحظ أو لحسن الحظ، كيفما تريد، أنني لست صوفيا وليس هنالك ما هو صوفي في أعمالي. في الواقع أن أعمالي هي تقويض وتفكيك لما قامت عليه الصوفية من قيم: مثل الحضور والرؤية وغياب العلامة اللغوية وما هو غير قابل للتعبير عنه. وعندما أقول لست صوفيا أو بالتحديد لست ذلك اليهودي كما زعم هبرماس فانا لا أقول ذلك لكي أحمي نفسي وانما أقول ذلك ببساطة لأن هذه هي الحقيقة. ليس لأنني لست صوفيا وحسب بل لأن لا شيء مما كتبته ينم عن أثر من آثار الصوفية"(26).
غير أن هذا الإنكار لم يقنع الدراسين وخاصة أؤلئك المختصون في الدراسات اليهودية بتقصي آثار التصوف اليهودي في التفكيك. وكان دريدا نفسه قد تقصى أثر التصوف اليهودي (القباله) في أشعار الشاعر اليهودي المصري إدموند قابي، وذلك في مقالته (إدموند قابي وسؤال الكتاب) المنشورة بكتابه (الكتابة وإلإختلاف) حيث جاء قول دريدا "إن قابي كان واعيا بالإصداء القبالية في كتابه"(27).
وقد علق بعد الباحثين على أن كثيرا مما ينسبه دريدا إلى قابي من آثار قبالية (صوفية) تنطبق عليه هو نفسه، كما سنرى. لذلك توالت الدراسات التي تربط التفكيك بالصوفية اليهودية وتكسفت هذه الدراسات في نهاية التسعينات ومطلع الألفية الثالثة.
وأبرز هذه الدراسات قدمها ثلاثة من المختصين في الدراسات اليهودية وهم، اليوت ويلفسون (27)، وموشيه عايدل (28)، وسانفورد دروب (29). وقد ناقش الأخير أراء كل من ويلفسون وعايدل لذلك سنتكفي باستعراض ما جاء في ورقته المعنونة: Jacques Derrida and the Kabbalah (دريدا والقباله) (30):
يرى سانفورد أن موشيه عايدل قد ذهب إلى أن هنالك تأثيرا مباشرا للقبالة (التصوف اليهودي) على فكر دريدا، بينما يعتقد إليوت ويلفسون أن العلاقة بين دريدا والقبالة ينبغي أن تفهم في اطار الالتقاء والاتفاق لا في اطار التأثير المباشر.
أما سانفورد دروب نفسه فيرى أنه إذا لم يتأثر دريدا بصورة مباشرة بالقبالة فإنه على الأقل على وفاق مع الكثير من أفكارها المفتاحية.
إن الالتقاء والاتفاق بين دريدا والقبالة طبقا لويلفسون يتضح جليا في مواضع عديدة في فكر دريدا ويشمل ذلك دراسته حول الهدية gift والسر secrecy كما يشمل "اعتقاده أن مادية الوجود نصية".
إن إحالات دريدا إلى الصوفية اليهودية حسب ويلفسون "عرضية وجانبية" فهو لم يقدم" تحليلا مخصصا للصوفية كما أنه لم يزعم أن فهم القبالة ضروري لفهم فلسفته. إضافة إلى أنه "لم يقدم نفسه كمفكر يبحث عن مكانة له في اليهودية".
على أن مفتاح العلاقة بين التفكيك واليهودية كما يراه ويلفسون يكمن في الرؤية الصوفية اليهودية القائلة إن "الواقع نص" وإن العناصر الأساسية التي يتكون منها العالم هي الحروف الأبجدية الاثنان والعشرون للسان المقدس والتي تتكون بدورها من الحروف الأربعة للاسم الأعظم YHVH "يهو"(31).
كذلك يرى ويلفسون أن هنالك علاقة وثيقة جدا بين هيرومنيوطيقا القبالة وبين قراماتولوجيا دريدا حول الفكرة القائلة ان التفسير لا يقود إلى الحقيقة الأصلية ولكنه يقود دائما إلى نص يحتاج هو الآخر إلى المزيد من التأويل والتفسير. ويقتبس ويلفسون هنا القول القديم لاستاذ الهسيداك Hasidic الحاخام زادوك ماكوهين من لوبلن:" وهكذا علمت أن الله خلق العالم كله كتابا وجعل التوراة تفسيرا لهذا الكتاب".
ويقارن ويلفسون بين هذا القول وقول دريدا:" لا شيء خارج النص"(32). وقوله:" الوجود قواعد نحوية" وقوله: "كل شيء يعود إلى الكتاب السابق للوجود لكي يبرز إلى حيز الوجود في العالم"(33).
غير أن ويلفسون يميز في هذا الصدد بين فكر دريدا والقبالة من خلال نظرة كل منهما إلى اللاهوت السلبي. فبينما تؤمن القبالة بأن الاسم الأعظم غير القابل للنطق به يشير في النهاية إلى الوجود فوق الجوهري الذي هو موضوع الايمان، يرى دريدا إن شرط الايمان هو ان هذه الإحالات لا تشير إلا إلى غياب كامل وعدم مطلق.
ويتفق كل من ويلفسون وموشيه عايدل في ان التفكيك والقبالة يختلفان اختلافا بينا حول الجوهر السامي للإله. فالقبالة بعكس دريدا كما يرى ويلفسون "تعتقد في وجود حقيقة وراء اللغة". وبذات القدر يرى عايدل ان تعددية تفاسير الكتاب المقدس ولانهائيتها تشير في القبالة إلى مصدر سلطوي لانهائي بينما تشير عند دريدا ببساطة إلى اللعب اللانهائي للقراءات مستقلة عن أي قصد سلطوي.
وبينما يتحدث أهل التاويلية الحديثة عن indeterminacy عدم قابلية النص للتحديد، يفضل أهل القبالة النظر الى التوراة بان له عدد غير محدود، وان لم يكن غير نهائي، من التفاسير والتاويلات determinate المحددة.
ولذلك يرى عايدل أن دريدا قد "تأثر بالقبالة في نظرته إلى طبيعة النص". ومن الأمثلة التي يسوقها على ذلك اهتمام كل من دريدا ومالارميه بالصفحة البيضاء وبالفكرة القائلة ان الخلفية البيضاء للحروف السوداء هي نفسها مصدر للمستقبل ولمعنى غير معلوم وهذا "يدلل على مساهمة الصوفية اليهودية في الفلسفة المعاصرة للنص".
وهذه الأفكار كما يرى عايدل قد جرى التعبير عنها في كتابات الحاخام أو الرباني الحسدي Hasidic اسحق من بيردتيشيف وتم جلبها الى الخطاب الفكري المعاصر عن طريق Gershom Scholem جيرشوم اشكوليم.
كذلك يعتقد عايدل أن مبدأ دريدا الشهير"لا شيء خارج النص" يحمل بصمات التأثير القبالي بشكل جلي جدا. ويقول ان المتصوف القبالي الحاخام الايطالي مينهايم ريكتاني هو الذي كتب في بواكير القرن الرابع عشر قائلا:" كل العلوم تلتمس في التوراة لانه لا شيء خارجها .. ولذا فان الواحد الأقدس هو السلام، لا يمثل شيئا خارج التوراة وان التوراة لا تمثل شيئا خارجه، ولهذا قال حكماء القبالة ان الواحد الأقدس هو التوراة".
ويعلق عايدل قائلا ان هذه الفقرة لم تترجم أبدا ولم تكن معلومة خارج الدوائر القبالية قبل مناقشتها من قبل جيروشوم اشكوليم في مؤتمر ايرانوس باسكونا سنة 1954 حيث جرى ترجمة الفقرة المذكورة وترجمة تعليق اشكوليم عليها إلى الفرنسية والانجليزية ونشرت بمجلة Diogenes وقد انجز الترجمة الفرنسية الباحث البارز في الدراسات اليهودية جورج فاجدا وقد برزت الترجمة في نحو عامي 1956-1955.
وتبدأ ترجمة العبارة كما يلي:"لا شيء خارج التوراة". ويعلق عايدل بالقول: "ان توفر الترجمة سنة 1957 والتي تطابق بين التوراة والله، يفسر انبثاق واحدة من أكثر العبارات حداثة في النقد الأدبي وهي عبارة: "لا يوجد شيء خارج النص". فدريدا الذي أبدى اهتماما خاصا بالقبالة قد استبدل في كتابه (في القراماتولوجيا) الذي صدر سنة 1967 "كلمة ومفهوم التوراة، بكلمة النص".
ولكن برغم التشابه اللافت بين عبارات روكتاني ودريدا يرى عايدل ان مطابقة القبالة بين الله والنص والعالم تفتح المجال للنظرية الميتافيزيقية التي يرفضها دريدا بالكامل. فدعوى دريدا ان" لاشيء خارج النص "لا توحي بوجود تطابق بين النص والمؤلف (الله) ولكنها تعمل على الغاء المؤلف نفسه. لقد تبنى دريدا الصيغة القبالية لكنه أبعد نفسه عن تضميناتها الميتافيزيقية. غير ان محاولة دريدا ترك مسافة بينه وبين القبالة وكل الميتافيزيقيات الاخرى لم تنجح وفقا لموشيه عايدل إذ "ظل الكتاب هو المجاز الرئيسي للواقع حتى بعد محاولة دريدا التخلص من الإله".
ويمضي عايدل الى القول انه في قراءته المتواضعة وجد أن دريدا يفهم النص بوصفه حاملا لمعان غير متناهية بصورة تجعل فهمه هذا، بقليل من العلمنة، قراءة اخرى للصيغة القبالية: النص الديني هو الله". غير أن الإله الذي يساوي عايدل بينه وبين نص دريدا "ليس كائنا متعاليا يطلق المعنى من النص الأدنى ولكنه عبارة عن ألوهية حلولية تعمل على ضمان لانهائية المعاني داخل النص البشري".
وبذلك يمكن حسب عايدل، لكل من القبالي المحافظ روكتاني والراديكالي المابعد حداثي دريدا ان يتفقا على "المركزية المطلقة للكتاب" فبينما يفهم الأول الكتاب بوصفه وسيلة للكشف عن وجود الله المطلق يفهم الأخير الكتاب بوصفه منشورا ضوئيا يواجه من خلاله معاني حرة عائمة لانهائية.
فإذا "كانت طبيعة اللاتناهي بين كل من روكتاني ودريدا متغيرة فان العبارة المطلقة الخاصة بشمولية النص غير متغيرة". وهكذا يمضي عايدل إلى اضفاء بعد لاهوتي لوجهة نظر دريدا. ويقول ان حديث دريدا عن التعدد اللامتناهي لمعاني النص هو بمثابة حديث عن البعد الإلهي للنص. وبهذا المعنى يكون الله هو المصدر الكلي لأي دلالة مهما كانت تستبطن التاويل اللامتناهي لأي نص.
أما سانفورد دروب فيبدأ بعلاقة دريدا بالطقوس اليهودية مثل الختان ويقول: إن دريدا الذي يعلن أن ابنائه لم يختنوا يقر بأن: "الختان هو كل ما تحدث عنه طرا"(34). بمعنى أن كل خطابه عن الكتابة والهامش والفارمكون والنقش الجسدي وغيره هو خطاب متعلق بهذا الرمز اليهودي. فالختان يرمز لدى دريدا إلى الشرخ اللغوي الأولِي وإلى دخول الانسانية في الكتابة وإلى الاغتراب عن الحضور الذي تجلبه معها الكتابة بالضرورة وبذلك يغدو الختان كونيا ويهوديا بصفة خاصة. غير أن هذا الاغتراب عن الحضور (تظل الكتابة تشير على معنى حتى بعد ان يختفي المرجع لمدة طويلة) يمثل لدى دريدا شرط الحقيقة.
ويرى سانفورد دروب أن أراء دريدا في الاغتراب المتأصل في الطبيعة وتجربة اليهود المعاصرين (الاغتراب المتأصل في طبيعة الانسان عموما) يمكن ان تفهم على خلفية الرمز الصوفي Shevirat ha-kelim شفيرات الكليم أي Breaking of the Vessels "تحطيم المواعين". ويوحي هذا الرمز بان كل الحياة والتجربة الحياتية بل وكل الوجود في حالة منفى وتيه سيكولوجيا وميتافيزيقيا. ونتيجة لتحطيم المواعين، وفقا لجيروم شكوليم، لا شيء يبقى في مكانه الصحيح فكل شيء في مكان آخر غير مكانه. وكل وجود في حالة منفى وفي غير مكانه. وهكذا طبقا لهذا الفعل البدئي كل الوجود في حالة منفى. وفي ضوء ذلك يأخذ وعي دريدا المقلوب بيهوديته ولعبه لدوره كيهودي وغير يهودي (عدم توافقه مع نفسه) صيغة قبالية شديدة الوضوح.
ويمكن للمرء ان يسمع حسب دروب، صدى الرمز القبالي، شفيرات الكليم، عندما يكتب دريدا: "بين شظايا الألواح المتكسرة تنمو القصيدة ويتجذر الحق في الكلام"(35). لأن الألواح المتكسرة broken Tablets تمثل للقبالي رمزا للوجود حيث العالم المثالي الأصلي مبعثرا ومنفيا.
وهكذا ان فكر دريدا كما يقول دروب، يردد صدى الفكرة القبالية القائلة ان التحطيم destruction (شيفره) هو اشارة اللاحقيقة. وبذلك يمكن المجادلة كما يقول، ان كل مشروع التفكيك الدريدي تكرار لفكرة شفيرات الكليم القبالية أي تحطيم أو تكسير المواعين والآواني. على ان يفهم ذلك في صيغة لغوية مفهومية وليس بمصطلحات ميتافيزيقية. في تعليقه على قول قابي:"لا تنسى انك نواة الشرخ" يقول دريدا :"ان تكسير الألواح يدل في المقام الأول على الشرخ داخل الإله كأصل للتاريخ"(36).
وفي اعتقاد الصوفي القبالي ان الشفيره (الكسر أو الشرخ) قد تم ترميزها بالطرد من جنة عدن وبتكسير الألواح وهذه تمثل علامات على البدايات التاريخية. أكثر من ذلك ان الشفيره ترمز إلى ان كل المفاهيم والقيم والنظم والمعتقدات تمثل مضامين غير ملائمة للظواهر التي تحتويها. وبذلك يمثل تكسير أو تحطيم المواعين تحذيرا ضد عدم الاستغناء بكل التفاسير والتاويلات والبناءات التي نقيمها للتجربة والنصوص والعالم. وهذا التحذير يصب في قلب المشروع التفكيكي بحسب دروب.
ويرى دروب ان القباله باقرارها ان كل المفاهيم مخترقة (الخير، الشر والله وغيرها) وبنظرتها ان كل المفاهيم تتضمن او تعتمد على ما يناقضها ومن خلال اصرارها على ان هنالك عدد لامتناهي من التفاسير والتاويلات لأي ظاهرة أو فعل لغوي، تنجز تفكيكا للأفكار الفلسفية التقليدية تسبق به التفكيك المعاصر على نحو واضح وجلي.
ومن الدلائل على مدى تأثر دريدا بالفكر الصوفي اليهودي، يشير دروب إلى أن دريدا تناول في مقالته dissemination (التشتيت) المنشورة سنة1971 (صدر كتاب لدريدا يحمل اسم المقالة) رواية Numbers (الأعداد) لفيليب سولرز الصادرة سنة 1968 وفي سياق المناقشة للرواية أحال دريدا إلى العديد من الرموز الصوفية اليهودية(37).
ومن ذلك أنه يشير في هذه المقالة إلى "نيران التوراة: النار السوداء والنار البيضاء" وهو يعزو محقا هذه الرؤية إلى الرباني ليفي اسحاق من القرن الثامن عشر. ويضيف دريدا:" النار البيضاء تمثل النص المكتوب بحروف لا تزال غير مرئية وتصير مقروءة بالنار السوداء للتوراة الشفهي الذي يأتي فيما بعد ليخط الحروف الصوامت ويبرز الحروف الصائتة"(38).
وينقل دريدا عن الحاخام ليفي اسحاق قوله: "إن الفراغات والمساحات البيضاء في رقاع التوراة تنهض أيضا بين الحروف ولكنا لا نستطيع قراءتها". وعندما يأتي "عهد المسيح فان الله يكشف النقاب عن التوراة الأبيض غير المرئي لدينا الآن وهذا هو المقصود من عبارة: التوراة الجديد"(39).
وكشف التوراة عن المساحات البيضاء، يقول دروب، أمر مهم فلسفيا لدريدا لانه كما يقول: "يتيح للنص أن يصبح متجددا دوما طالما ان المساحات البيضاء تفتح بنيتها لتحول تشتيتي لانهائي"(40).
وينتهي سانفورد دروب إلى القول: "من واقع تعليقات دريدا على القباله يمكن تمييز الكثير من الاتجاهات والميول القبالية المهمة في فكر دريدا.. وإن مراجعتنا لتعليقاته المؤسسة تأسيسا مباشرا على أعمال قابي وسولرز وشكوليم وغيرهم تكشف عن توافق كبير بين فهم دريدا الخاص للقباله وبين أرائه الفلسفية الخاصة".
عودة المسيح أو رد الإعتبار للميتافيزيقيا:
منذ بداية التسعينات تقريبا، من القرن الماضي، بدأ دريدا يبتعد رويدا رويدا عن الخط الراديكالي للتفكيك، وعن توظيف ثيمات مثل: "اللعب الحر" و "تحرير الدال من المدلول" و "تفكيك المدلول المتعالي". وبدأ يدعو إلى رد الإعتبار إلى مباديء التنوير التي ما جاء التفكيك إلا لتقويضها. وأخذ يتحدث ويكتب عن أفكار ومفاهيم متعالية ذات تمركز لوغوسي و(ميتافيزيقي) بامتياز مثل فكرة العدل (التفكيك وإمكانية العدل) 1992.
إلى جانب شروعه في مناقشة قضايا كانت تعد وفق النظرة التكفكيكية من قبيل التفكير الميتافيزيقي الذي يتعين تقويضه، مثل: الحديث عن النظام العالمي الجديد وأحداث 11 سبتمبر والحروب ومشاكل الأقليات والعنصرية وحكم الإعدام وغيرها.
فعن فكرة العدل يقول: "ما سوف يظل غير قابل للاختزال لأي فعل تفكيكي، ما سوف يظل غير قابل للتفكيك بوصفه إمكانية التفكيك نفسها هو فكرة العدل"(41). فهو هنا يرفع فكرة العدل بوصفها مدلولا مثاليا متعاليا ويقيمها أصلا ومركزا لتنظيم حركة القوانين والشرائع ومقياسا لقربها أو بعدها من تحقيق العدالة وهو الذي بدأ مشروعه التفكيكي برفض كل مفهوم وكل حقيقة وكل أصل وكل مركز وكل مدلول متعالي.
غير أن نقطة التحول الجوهرية في التفكيك هي ربط دريدا لفكرة تحقيق العدل المطلق بعودة المسيح!! نعم عودة المسيح بالمفهوم المطروح في الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والاسلام، وإن كان قد وصف هذه العودة بالإستحالة واتخذها رمزا فقط لمسئولية انتظار العدل المستحيل.
وكان دريدا قد ربط لأول مرة فكرة تحقيق العدل بمجيء المسيح في كتابه Specters of Marx (أشباح ماركس) 1993 ثم عاد وتحدث عنها بالتفصيل في ندوة أقيمت بجامعة فيلانوفا بالولايات المتحدة الأمريكية في 2/10/1994 والتي نشرت فعالياتها في كتاب تحت عنوان Deconstruction in A nutshell; A conversation with Derrida (التفكيك في كبسولة: حديث مع جاك دريدا).
يقول دريدا في هذه الندوة: "عندما ألححت على الحديث في كتابي: أشباح ماركس، عن فكرة عودة المسيح The messianicity وميزت بينها وبين الإعتقاد في العودة الفعلية للمسيح Messiah كنت أريد التدليل على أن بنية فكرة عودة المسيح بنية كونية. فبمجرد أن تكون منفتحا على المستقبل، بمجرد أن تكون لك تجربة زمانية في انتظار المستقبل، الانتظار لمجيء شخص، هذا في حد ذاته انفتاح للتجربة. أحد ما سياتي الآن. والعدل والسلام الموعديين سيأتيان مع هذا الآخر"(42).
ثم يروي دريدا قصة من قصص عودة المسيح الفعلية التي يقول أنها ذات مغزى بالنسبة له:" سوف أحكي لكم هذه القصة التي قرأتها مؤخرا والتي أوردتها في كتابي (سياسة الصداقة) الذي سوف يصدر خلال أيام (صدر في 1995) والقصة يرويها مورس بلانشو. يقال أن المسيح Messiah ظهر في أسمال بالية على أبواب روما من غير أن يتعرف عليه أحد. ولكن رجل واحد تعرف عليه فخطى نحوه وسأله: متى ستأتي؟"(43).
ويعلق دريدا قائلا: "أعتقد أن هذه قصة ذات مغزى عميق. إنه يأتي الآن. فالمسيح لا ينتظر. هذه هي الطريقة في انتظار المستقبل. الآن. إن المسئوليات الملقاة على عاتقنا من قبل بنية فكرة عودة المسيح، مسؤليات للهنا والآن"(44).
وكتاب (أشباح ماركس) عبارة عن ورقة قدمت بذات العنوان في ندوة اقيمت بجامعة كاليفورنيا في 22 ابريل 1993 تحت عنوان Whither Marxism? (الماركسية إلى أين؟). وقد أبان دريدا في هذا الكتاب أنه كان على قناعة بنهاية الماركسية منذ خمسينات القرن الماضي وإنه لم يكن في حاجة إلى الإنتظار لحين إنهيار الإتحاد السوفيتي وسائر المنظومة الإشتراكية ليأكد له ذلك.
فالحديث عن النهايات: نهاية الفلسفة، نهاية الماركسية، نهاية التاريخ، نهايات الإنسان، والانسان الأخير، يقول دريدا، كانت في الخمسينات "بمثابة خبزنا اليومي"(45). وكانه يرد هنا على فوكاياما ولسان حاله يقول نحن سبقناك الى التبشير بنهاية الماركسية و(نهاية التاريخ) بأربعين سنة.
غير أن دريدا يشدد على أن الماركسية كنظرية نقدية جذرية لم تنته بل يصر على ضرورة بقاء هذه الروح النقدية التحررية. ويرجع هذه النزعة النقدية للماركسية التي يشدد على الإبقاء عليها "إلى عصر التنوير الأوربي الذي يجب علينا ألا نشجبه"(46). ! على حد تعبيره.
نعم إنه يرد هنا في جملة اعتراضية خجولة، الإعتبار لعصر التنوير الأوربي الذي ما قام التفكيك إلا لنقض وتقويض قيمه ومبادئه التي تمثل للتفكيك الدريردي قمة الميتافيزيقيا ومركزية اللوغوس الغربية.
ويحرص دريدا على ضرورة بقاء الروح النقدية العقلانية للماركسية التي ورثتها عن فلسفة التنوير كما يقول ويرفض "التجليات الأخرى للماركسية التي تحيلها إلى مجموعة مباديء ميتافيزيقية أنطولوجية كلية تتبدى في المادية التاريخية أو المادية الديالكتيكية وتتجسد في المفاهيم الاساسية مثل مفهوم العمل ووسائل الإنتاج والطبقة الإجتماعية وديكتاتورية البروليتاريا ومفهوم الدولة ونظام الحزب الواحد والإستبداد السياسي.." (47).
فهو لا يهمه من الماركسية سوى هذه النزعة المسيحانية الطوباوية في مفهوم عودة المسيح لتحقيق العدل. يقول: "إذا كان هناك أمر واحد تجدني غير مستعد لرفضه وإستنكاره في الماركسية إلى جانب النزعة النقدية التساؤلية، فهو، الحتمية المسيحانيةmessianic affirmation " (48)
لذلك يؤكد على:" أن الروح النقدية للماركسية يجب ان تحمل معها دائما، رغمـا عـن إعتراض كثير من الحداثيين وما بعد الحداثيين، الوعـد بمجيء المسيح messianic eschatology ".(49)
_______
• من كتابنا (في نقد التفكيك) الصادر في مارس 2015 عن منشورات الإختلاف بالجزائر بالإشتراك مع منشورات ضفاف بلبنان ودار الأمان بالمغرب.
_______
• الهوامش والمراجع :
1- Cited by Susan Handleman, Slayers of Moses, p. 170
2- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, Chicago University Press 1978, p.300
3- القباله Kabbalah لفظة عبرية تطلق على التصوف اليهودي. وأصل الكلمة العبرية استنادا إلى "الويكيبيديا" من الفعل receive, accept بما يفيد أنها من الفعل قبِل يقبَل وهو فعل مشترك بين العربية والعبرية ولعل المقصود بها القبول الإلهي أو استقبال الفيض أو الواردات والمعارف الإلهية (المؤلف).
4- Jurgen Habermas, the Philosophical Discourse of Modernity, MIT Press, ed. 1990, p. 181,182
5- Susan A. Handleman, Slayers of Moses; the immergence of Rabbinic Interpretation in the Modern Literary Theory, The State University of New York Press, 1982, p. viii,xix.
6- Ibid. p. xv
7- Ibid. p. xv
8- كريستوفر نوريس، دريدا: فصل، نيتشه وفرويد وليفيناس: حول أخلاقيات التفكيك، ترجمه حسام نايل ونشره بكتابه: صور دريدا: ثلاث مقالات حول التفكيك، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، الطبعة الأولى 2002 ص 173 و174
9- المصدر السابق ص 174،174
10- Susan A. Handleman, Slayers of Moses; the immergence of Rabbinic Interpretation in the Modern Literary Theory, p.
11- Ibid. p.165
12- Ibid. p.169
13- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, p. 64
14- Ibid. p. 65
15- Ibid. p. 90
16- Susan A. Handleman, Slayers of Moses; the immergence of Rabbinic Interpretation in the Modern Literary Theory, p. viii
17- Ibid. p. 169
18- Ibid. p. 169
19- Ibid. .168
20- Ibid. p.37
21- Ibid. p.38
22- Ibid. p.27
23- Ibid. p.22
24- Derrida, Of Grammatology, Translated by Gayatri Spivak, John Hopkins University Press, 1997,p.16
25- Jacques Derrida & Geoffrey Bennington, Circumfessions and Text dataBase, University of Chicago Press, 1991, p.110-11

26- Derrida, "A Silkworm of one's own" 1996. In his Acts of Religion, Edited with an Introduction by Gil Anidjar, New York: Routledge, 2002, p.343 cited by Drob.
27- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, p. 64
28- Elliot R. Wolfson, Assulting the Boarder: Kabbalistic Traces in The Margins of Derrida. Journal of Amercican of Religion, Sep 2002: 70, 3, pp. 475-514, (published in the web.)
29- Moshe Idel, Absorbing Perfections, New Haven: Yale University Press, 2002, cited by Drob.
30- Sanford Drob, Jaques Derrida and The Kabbalah http://www.newkabbalah.com/JDK.pdf
31- . Wolfson cites Derrida, Politics of Friendship. Trans, by George Collins., London: Verso, 1997, pp. 173-4
32- Derrida, Of Grammatology, Translated by Gayatri Spivak, p.158
33- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, p.67
34- Elizabeth Weber, Questions au judaisme, Paris: Desclee de Brouwer, 1996, p. 78. Quoted and Trans. In Ofrat, The Jewish Derrida, op. cit. p.33, cited by Drob.
35- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, p.67
36- Ibid.p.67
37- Derrida, Dissemination, Translated by Barbara Johnson, p. 343-45
38- Ibid.p.344
39- Ibid.p.345
40- Ibid. p.344
41- Derrida, Specters of Marx, Translated by Pegg Kamuf, Routledge, ed. 2006, p.
42- Derrida, Deconstruction in A nutshell; A conversation with Jacques Derrida, edited by John Caputo, Fordham University Press, 1997, p. 16
43- Ibid. p. 22
44- Ibid. p. 211
45- Derrida, Specters of Marx, Translated by Pegg Kamuf , Routledge, ed. 2006, p. 16
46- Ibid. p. 110
47- Ibid. p. 111
48- Ibid. p. 111
49- Ibid.p. 111

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.