العودة الى البقعة الحميمة وأيام الشدة في جوبا 

أكملت زوجتي دراستها في كلية الاقتصاد وتم تعيينها في القسم الرئيسي للمراجعة والضبط في وزارة المالية، أولا في مدينة لايبزج ثم لاحقا في مدينة هاله.
اجتزت في نهاية أكتوبر1964 الامتحان النهائي بنجاح. ولعل أهازيج وانتصار الثورة الشعبية في الوطن كانت لنا البشير والنصير.
بدأنا الاستعداد للعودة وقد رُزقنا بطفلين، نادية في عامها الثالث وطارق في الأول، ولساننا يلهج بالشكر والعرفان لحكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية وشعبها العظيم للمساعدات القيمة لوطننا. فقبل مغادرتنا مدينة هاله، كان عدد الطلاب السودانيين الذين تلقوا منحا دراسية مجانية قد فاق المائة.
هبطت الطائرة في ديسمبر 1964 على أرض الوطن بسلام. وكانت الفرحة طاغية بلقاء الأهل والأحباب والأصدقاء بعد غيبة طويلة. تم تعييني طبيب امتياز بمستشفى أم درمان التعليمي وسعدت لهذا التوزيع، فمنزل الأسرة في شارع السيد علي الميرغني بالقرب من منزل الزعيم إسماعيل الأزهري، أي بالقرب من المستشفى. تعرفت على الزملاء وكلهم من خريجي كلية طب جامعة الخرطوم، ومن بينهم علي الحاج محمد، الذي أصبح فيما بعد قائدا في الحركة الاِسلامية، وتفرقت بنا السبل، حتى التقيت به من جديد بعد أربعين عاما، هاربا من عسف الدكتاتور البشير، ليعيش في مدينة بون في راحة، وينعم بالحرية والأمان، تاركا رئيس حزبه شيخ الترابي حبيس سجن كوبر، ويدخله علي الحاج بدوره، ولسخرية القدر، مشاركا البشير، بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية المجيدة في ديسمبر 2018.
كانت سنة الامتياز وهى فترة تدريبية تتطلب العمل في الأقسام الطبية المختلفة وخاصة الباطنية والجراحة وأمراض النساء والتوليد. كانت السنة كثيفةً التجربة أكسبتني خبرة كبيرة وثقة بالنفس كخريج حديث. وكنت لصيقاً بـ د. الهادي الزين النحاس أخصائي أمراض النساء والتوليد، كان يعاملنا كأطباء امتياز بكثير من الشدة ولا يتهاون في الإهمال وعدم احترام المواعيد وكان في الوقت عينه حقانياً وقد تعلمنا منه كثيراً.
انتهى عام الامتياز والهاجس يسيطر علينا في انتظار توزيعنا على أقاليم السودان المختلفة.
كانت الحرب الأهلية في الجنوب لا تزال مشتعلة ورفض كثير من الأطباء تنفيذ قرار نقلهم إلى جنوب السودان. فأعلنت وزارة الصحة فتح باب التطوع للعمل في الجنوب لمدة عام واحد مع تحسين وضعهم المالي وتعيينهم برتب عسكرية. بعد التشاور مع زوجتي قررت أن أنضم إلى هذا الركب النبيل.
وصلت مع أسرتي الي جوبا عاصمة مديرية الاستوائية، وكان فريق الأطباء يتكون من عبد الرحمن كباشي حكيمباشي صحة المديرية، و د. عبد السلام صالح عيسى أخصائي الجراحة - الذي صار لاحقاً وزيراً للصحة في العهد النميري – ود. الهادي أحمد الشيخ (طبيب العيون)، شقيق القائد العمالي والمناضل الكبير الشفيع أحمد الشيخ، والصادق الأمين الحاج وسامي خليفة وقاسم إبراهيم حسن وعلي البدوي المبارك، وهو كاتب مسرحي (مسرحية الدهباية) وطبيب الأسنان محمود عبد الرازق، وزهير علي نور أبن شاعر المؤتمر علي نور. وكان مستوى مستشفى جوبا لا يقل عن مستوى المستشفيات في العاصمة، وكان العمل يسير بهدوء ولا نشعر بأجواء الحرب، إلا أننا للأسف كنا محصورين في محيط المدينة، مما حرمنا من الخروج والاستمتاع بجمال الطبيعة. ولا توجد للأسف علاقات اجتماعية مع المواطنين الجنوبيين، كما أن العلاقات الأسرية بيننا كانت شبه معدومة أيضاً. فغالبية الموظفين تركوا أسرهم بسبب الحرب في الشمال. كنا نتبادل الزيارات مع السر مدير مكتب النشر في جوبا وزوجته الإنجليزية وكذلك مع مدير البوليس وزوجته الألمانية وكنا نحصل منهم على بعض المجلات والصحف الألمانية. كان محافظ الاستوائية، الإداري القدير حامد علي شاش. أما القاضي الضليع عبد العزيز شدو فقد أضاف إلى مجتمعنا الكثير من البهجة والسرور، فهو حلو الحديث، سريع البديهة. قائد القيادة الاستوائية اللواء أحمد الشريف الحبيب، كان رجلا شهما وقائدا محنكا، وكان يطلق علينا أسم الضباط المدنيين، لأننا لا نحسن أداء التحية العسكرية. وكان نائبه أحمد البشير شداد. وتربطني مع الأسرة الشدادية علاقات جيدة، فعبد الرحمن شداد درس معنا في ألمانيا وإبراهيم شداد المخرج السينمائي، زميل عبد الرحمن نجدي وهو أبن خالي عبد الرازق نجدي أما صداقتي الحميمة فكانت مع محمد الفاضل شداد. ومحمد يحب الفن ويشارك فيه كعازف إيقاع وقد عاش تجربة حب فاشلة كادت تعصف بحياته. وكنت أحرص أن التقى به مرارا حتى يتجاوز الأزمة النفسية وكنت أجده يترنم بحنين، وعواطف جياشة برائعة عبد الرحمن الريح "انصفنى" وأداء فنانه المفضل التاج مصطفى:
يا روحي أنصفني
في حكمك لأنو قاسي
علي أنا يا حبيب ظلمك
تظلمني والأيام قد تنصف الإنسان
ما كنت تظلم من قد أضحى بيك ولهان
هيامي بيك يا فاتن مصدره الإنصاف
أنصفت حسنك حب وأنصفت حبي عفاف
وفرقتنا السنوات، حتى التقيت به مع زوجته عواطف بعد سنوات طويلة عندما جاء كمشرف مالي في سفارتنا في برلين الشرقية وتجددت الذكرى العطرة. التقينا في جوبا مع وفد من المهندسين تحت رعاية الأمم المتحدة وكان بينهم من شركة سيمنز المهندس الألماني سيبن Siepen وصادف وجودهم أعياد الميلاد "الكريسماس"، فدعوته إلى منزلي ليحتفل معنا بأعياد الميلاد ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية من بتهوفن وكان سعيداً أن يعيش هذه اللحظات الجميلة وهو بعيداً عن وطنه.
وصلت أشار إلى القيادة العامة في جوبا من قائد منطقة مريدي، بأن ضابط الشرطة عبد المنعم شاويش، الذي يعسكر مع جنوده في مدينة يامبيو، بالقرب من الحدود مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، مصاب بآلام مبرحة نتيجة قرحة في المعدة ولا بد من إسعافه وترحيله على جناح السرعة. كانت حكومة السودان تعهدت على لسان رئيس وزرائها السيد الصادق المهدي بأنها ستعمل على أجلاء الموظفين إذا تعرضوا إلى إصابات في مناطق العمليات بالجنوب بكل الإمكانيات وبأسرع فرصة. رفضت القيادة إرسال الطائرة الحربية المرابطة في جوبا بحجة أنها طائرة كبيرة ولا تصلح للهبوط في تلك المناطق المأهولة. فتم استدعاء طائرة صغيرة Cessna من الخرطوم تابعة لوزارة الداخلية بقيادة الطيار كسباوي المعروف بقدرته وشجاعته التي تصل أحياناً إلى حد التهور. وتم انتدابي لهذه المهمة بالرغم من أنني أصغرهم سناً وأقلهم خبرة وفي الوقت نفسه كنت سعيداً بذلك، فعبد المنعم شاويش صديق لشقيقي الأكبر مبارك. أقلعنا قبل الظهر مع أوامر مشددة بإنجاز المهمة بأسرع فرصة وأن نعود قبل مغيب الشمس. أسر إلىَّ الطيار في أثناء الطيران على مستوى منخفض، بأنه غير متأكد من منطقة الهبوط (المطار؟)، وطلب مني أن أركز نظري جهة اليسار لمراقبة المنطقة، أذا كانت هناك تحركات لجنود التمرد، وهو سيركز على اليمين، ليستوثق من أمكانية الهبوط، بجانب التركيز على القيادة. حتى تلك اللحظة لم أكن مستوعباً دقة الموقف وخطورته وإمكانية التعرض لنيران حركة التمرد، لن أكون صادقاً إن لم أقل بأنني في تلك اللحظة، تجمدت أطرافي واعتراني الخوف وتذكرت زوجتي الأجنبية التي تركتها مع طفلين صغيرين ولم أطلعها من قبل على هذه المهمة، حتى لا أثير قلقها، كما تذكرت خالي البكباشي بانقا عبد الحفيظ بانقا قائد كتيبة توريت، الذي استشهد في 18 أغسطس 1955، أثر تمرد الجنود الجنوبيين، ورفضهم تنفيذ الأوامر بترحيلهم الى جوبا ثم الى الخرطوم، لتندلع المعركة، ونجا من الموت بأعجوبة وبعون الله الضابط مزمل سلمان غندور، الذي تعرفنا علية بعد عدة سنوات، عندما حضر الى بون سفيراً لبلادنا. انتهى قلقي وخشيتي حين هبطنا بسلام والتقينا بعبد المنعم وهو محاط بجنوده وعلى استعداد للرحيل، فأقلعنا مباشرة وهبطنا مطار جوبا بعون الله ورحمته سالمين.
علمت أثناء إقامتنا في الجنوب بأن حكومة ألمانيا الاتحادية قدمت إلي حكومة السودان ثلاث بعثات للدراسة فوق الجامعية. ذهبت إلى الخرطوم لمدة يومين لتقديم طلبي وانحصرت المنافسة على خمسة .
كنت أعلم بأن فرصتي للحصول على البعثة ضئيلة بالرغم من الشهادة الرائعة التي كتبها عني أستاذي الفاضل د. الهادي الزين النحاس موصيا اختياري للبعثة مما أسر لي به د. موافي عبدالفتاح وكيل الوزارة و بالرغم من أن عملي في الجنوب يعتبر منطقة شدة مما يرفع رصيدي عند الأخيار .كان من ضمن المتقدمين عثمان بشير الناير وتخرج قبلي بعام في كلية الطب بجامعة ينا بألمانيا عبدالله المبشر في كلية الطب جامعة الخرطوم ويعمل منذ سنوات في الوزارة .بجانب أثنين من وزارة المالية يعملون منذ سنوات في الخدمة. سحب موظفي المالية طلبهما في أخر لحظة على أمل الحصول على بعثة إلى بريطانيا. وبذلك أصبح الطريق ممهداً لنا نحن الثلاثة وتمت كذلك موافقة وزارة الصحة على انتدابنا للبعثة. وقدمت أوراقنا ولكن بعد أن طال الانتظار نتيجة للروتين الحكومي، رسمياً إلى الحكومة الألمانية عن طريق الملحق الثقافي في السفارة الألمانية بالخرطوم. وخوفاً من ضياع الفرصة .أتصلنا بالدكتور عمر نورالدائم وقتها كان وزيراً للزراعة وكان عمر قد حصل على درجة الدكتوراه في مدينة جوتنقن Göttingen بألمانيا. أستخدم عمر علاقاته الواسعة في ألمانيا بجانب أساتذته السابقين. وبعد أسبوعين من اتصالاته المكثفة، تسلمنا تذاكر السفر من السفارة الألمانية. لقد استجابت الحكومة الألمانية لرغبتي المفضلة أن يتم استيعابي في كلية الطب بجامعة برلين الحرة، حتى أكون بالقرب من أسرة زوجتي .أما عثمان بشير وعبدالله المبشر فتم تسجيلهما في كلية الكب بجامعة دزولدورف Düsseldorf.
التقيت بعد سنوات طويلة مع د.عمر نورالدائم في مدينة فلوتو بألمانيا في أحدى مؤتمرات المعارضة السودانية بالخارج ،وأنا أقف على المنصة لتقديمه ليلقي كلمته، ذكرته بمساعدته لنا وقدمت له شكرنا المؤجل .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.