د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

أولا: نقد البعد الفلسفي للماركسية:
الفلسفة المادية: تنطلق الماركسية من فلسفه ماديه، ترى أن المادة وحدها لها وجود حقيقي، أما الفكر" الانسانى" فهو مجرد انعكاس لحركه المادة، أما الفكر المطلق " الإله " فتنكر وجوده .
الوحدة المطلقة "المادية": فالماركسية هي احد مذاهب الوحدة المطلقة "المادية". حيث تطرح نظريه الوجود العديد من المشاكل الفلسفية أهمها :أولا:مشكله الوحدة والتعدد: اى هل الوجود واحد أم متعدد ، ثانيا:مشكله طبيعة الوجود : اى هل الوجود ذو طبيعة ماديه أم روحيه ثالثا:المشكلة الميتافيزيقية : اى هل الوجود مقصور على الوجود المادي المحسوس المحدود بالزمان والمكان، آم أن هناك وجود مطلق عن قيود الزمان والمكان ، وللاجابه على هذه الاسئله ظهرت المذاهب الفلسفية الغربية الاتيه:
أولا: مذهب الوحدة المطلقة: ويرى أن هناك وجود حقيقي واحد، أما التعدد فليس له وجود حقيقي،وينقسم هذا المذهب إلى قسمين :
الأول: الوحدة المطلقة الروحية: ويرى أن للفكر أو الروح وحده وجود حقيقي، أما المادة فليس لها وجود حقيقي"ويطلق عاده عليه اسم مذهب وحده الوجود" ومن ممثليه المدرسة الايليه وأفلاطون وهيجل.
الثاني: الوحدة المطلقة الماديه: ويرى أن للمادة وحدها وجود حقيقي، أما الفكر فمجرد انعكاس للمادة، ليس له وجود حقيقي، ومن ممثليه المدرسة ألايونيه وفيورباخ وكارل ماركس.
ثانيا: مذهب التعدد المطلق:ويرى أن الوجود الحقيقي متعدد ومتساوي في الدرجة، وينقسم إلى قسمين :
الأول: التعدد المطلق المادي: ويرى أن هذا الوجود الحقيقي المتعدد ذو طبيعة ماديه ومن ممثليه امبادوقليس والمدرسة الذرية.
الثاني: التعدد المطلق الروحي: ويرى أن هذا الوجود الحقيقي المتعدد ذو طبيعة روحيه، ومن ممثليه ليبنتز في قوله بالمونادات" الذرات الروحية ".
ثالثا: المذهب الثنائي:ويرى أن هناك وجودان حقيقيان ،متساويان في الدرجة، ومن ممثليه أرسطو في تصوره للصورة والمادة"الهيولى "، وديكارت في تصوره للجسم والعقل واسبينوزا في تصوره للعلاقة بين العقل والجسم.
نظره قاصره "أحاديه" للوجود: من العرض السابق نخلص إلى أن الماركسية هي نظره قاصرة للوجود،لأنها نظره أحاديه تتطرف في التأكيد على البعد المادي للوجود إلى درجه إلغاء بعده الروحي،ولكنها هنا ليست استثناء في الفلسفة الغربية ، فكل المذاهب الفلسفية الغربية سقطت في هوة هذه النظرة الاحاديه، نتيجة لعده أسباب متعددة منها:ا/ الصراع بين التيارات المادية والمثالية،ب/ نقل قانون عدم التناقض "إما ا أو لا ا"من مجال الفكر"المنطق" إلى مجال الواقع المادي"الوجود"، ج/ استخدام مثال الجسم والمراه .
ضرورة التمييز بين المادية بمفهومها العلمي ومفهومها الفلسفي : وهنا يجب الاشاره إلى ضرورة التمييز بين:
اولا: المادية بمفهومها العلمي: ومضمونها الإقرار بان المادة ذات وجود موضوعي مستقل عن وعى الإنسان وغير متوقف عليه،وهى لم تنرها الأديان السماوية عامه والإسلام خاصة حيث يتضمن القران الكريم الكثير من الآيات التي تحث عل النظر والتدبر في الكون ومظاهره ،قال تعالى( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق)، فالايه تجمع بين الإقرار بالوجود الموضوعي للمادة (مصطلح الآفاق)، والإقرار بالوجود الذاتي للوعي"
(مصطلح أنفسهم ).
ثانيا: المادية بمفهومها الفلسفي:وهى تتجاوز الإقرار بموضوعيه المادة إلى القول بكونها مطلقه اى ليس لها بداية ولا نهاية ، وهى تتعارض مع الأديان السماوية عامه والإسلام خاصة لأنه يترتب عليها إنكار مفهوم الخلق .
ضرورة الانطلاق من نظره شامله للوجود:وهنا نشير إلى أن الاجابه الصحيحة على الاسئله التي تطرحها نظريه الوجود، تتجاوز النظرة القاصرة "الاحاديه" للوجود ، التي عبرت عنها المذاهب الفلسفية الغربية، إلى نظره شامله للوجد، تقر بالأبعاد المتعددة للوجود،فتجمع بين الوحدة والتعدد،والطبيعة الروحية والمادية،والوجود المحدود بالزمان والمكان والوجود المطلق من قيود الزمان والمكان،ونطرح نموذج لها المفهوم الاسلامى
للوجود- في مستواه النصي وليس مستواه المذهبي-لأنه يجمع بين هذه الأبعاد المتعددة من خلال :
أولا: جمعه بين الوحدة والتعدد بتقريره أن وجود الله تعالى يتصف – على وجه الانفراد - بالوحدة " فهو وحده واحد بالعين والنوع"، أما وجود سواه فيتصف بالتعدد " وبفرض كونه واحدد بالعين فهو متعدد بالنوع "كقولي احمد وإنسان"، ثانيا:جمعه بين الطبيعة الروحية والمادية من خلال: ا/ تقريره أن الوجود الانسانى ليس وجود بسيط بل وجود مركب ذو بعدين مادي وروحي ،ب/ تقريره ان الوجود متعدد ، ولكنه ليس متساوي في الدرجة ، فبعض درجات الوجود ذات طبيعة ماديه(كالكون وجسم الإنسان)، وبعضها الأخر ذات طبيعة روحيه مقيده كالنفس و الروح ...
ثالثا: جمعه بين الوجود المحدود بالزمن والمكان و الوجود المطلق من قيود الزمان والمكان من خلال تقريره:
ا/ الوجود الشهادى "عالم الشهادة : ويضم الوجود التسخيرى "الطبيعة والوجود الاستخلافى "الإنسان ".
ب/ الوجود الغيبي "عالم الغيب":ويضم الوجود الغيبي المطلق"وجود الله تعالى "والوجود الغيبي المقيد "كوجود الملائكة والجن والجنة والنار.."
الإلحاد والموقف السلبي من الدين: ويترتب على انطلاق الماركسية من هذه الفلسفة المادية تنبيها للإلحاد واتخاذها موقف سلبي من الدين، فهي - تؤمن - أن المادة :أزليه، أبديه، لم يخلقها احد، و لا توجد ثمة قوه فوق أو خارج العالم، ويرى ماركس أن تعلق المؤمن بالسماء هو انعكاس لضيق الواقعي، ومن جهة أخرى احتجاج ضد هذا الضيق الواقعي، وعلى هذا فان الإنسان عند ماركس هو الذي يصنع الدين ، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان، فالدين عند ماركس هو مخدر للطبقة الكادحة، تقدمه الطبقة المستغلة من احل إخضاعها لها ، من خلال الصراع الطبقي، فالدين عند ماركس هو أفيون الشعوب، ويجب ان يستمر الصراع الطبقي، حتى انتصار الطبقة الكادحة، وإلغاء نظام الطبقات ، وسيادة العدل ، وهنا لن يعود هناك حاجه إلى الدين حسب ماركس ، فبتعبير ماركس فان " مطلب التخلي عن الأوهام، هو مطلب التخلي عن الشرط الذي يحتاج الأوهام".
نقد موقف الماركسية السلبي من الدين :
ا/ الإلحاد اجابه – خاطئه- على سؤال تطرحه الميتافيزيقا والدين وليس العلم : أن تقرير الماركسية أن المادة ( أزليه، أبديه، لم يخلقها احد، و لا توجد ثمة قوه فوق أو خارج العالم) هو تقرير ميتافيزيقي ، لأنه إجابة- خاطئة من ناحية الميتافيزيقا والدين-- على الأسئلة التي تطرحها
الميتافيزيقا: كيف بدأ الوجود؟ وكيف سينتهي؟ وماهية القوة التي تحركه؟ وهذه الإجابة غير قابلة للتحقق بالتجربة والاختبار العلميين أي ميتافيزيقية.وبالتالي فان المذهب الماركسي يتناقض مع ذاته ، حين يصف المذاهب الفلسفية والديني التى تقر بوجود اله بأنها ميتافيزيقية ، كما انه لا وجود لما اسماه بعض الماركسيين" الإلحاد العلمي " لان الإلحاد هو اجابه - خاطئة من ناحية الميتافيزيقا والدين- على سؤال تطرحه الميتافيزيقا ، ولا يطرحه العلم.
ب/ التعميم الخاطئ: قام كارل بتعميم خاطئ ، أطلق فيه حكما إجماليا على جميع الأديان "وصفها بأنها أفيون الشعوب "، دون تفصيل أو تمييز بين الأديان، وكاْن هناك دين واحد أو رؤية واحده للدين ، ومرجع هذا التعميم الخاطئ ْ سببين : السبب الأول أن ماركس – مثل باقي الفلاسفة الأوربيين الملحدين - لم يكن استثناءا من الأوربيين، الذين عرفوا الدين من خلال المسيحية المحرفة ، ألقائمه على تصور تشبيهي للإله، يقوم على الحلول والتثليث، فكانت هي الدين بالنسبة إليهم ،والسبب الثاني أن ماركس انطلق من فلسفه ماديه تعتبر أن للمادة وحدها وجود حقيقي ، وتنكر الوجود
الحقيقي- المستقل - للفكر الذاتي(الانسانى) - فهو عندها مجرد انعكاس- أو الفكر المطلق (الإله )- فهو عندها غير موجود.
ثانيا:نقد البعد المنهجي للماركسية "المنهج المادي الجدلي " :
تعريف الجدل: الجدل لغة: ورد الجدل في اللغة بمعنيين:المعنى الأول:
النقاش أو الخصام و الثاني: الفتل والضم ، أما اصطلاحا فهو التطور من خلال صراع المتناقضات :
المنهج الجدلي:
ا/المنهج المثالي الجدلي(هيجل): قال هيجل أن "الفكر المطلق" يتطور من خلال الجدل أولاً ،والمادة تتبعه إلي حيث هو متطور، والجدل عنده هو التطور من خلال صراع المتناقضات عبر ثلاث لحظات: الدعوى ونقيض الدعوى وجامع الدعوى ونقيضها. فهذا الفكر المطلق يتطور عبر ثلاث مراحل هي المرحلة الذاتية وتتضمن اللذة والعاطفة والفضيلة (وهي تقابل لحظة الدعوى )، والمرحلة الموضوعية وتتضمن الأخلاق والعرف والقانون (وهي تقابل لحظة نقيض الدعوى )،والمرحلة الجامعة للذات والموضوعية أو المرحلة المطلقة تتضمن الفن والدين والفلسفة (وتقابل لحظة جامع الدعوى ونقيضها ) .
ب/المنهج المادي الجدلي(ماركس): اما ماركس فأنكر وجود "الفكر المطلق" ، وكان يؤمن بأن المادة هي الوجود الأول، أما الأفكار فهي تجسيد لها، فجعل المادة تتطور والأفكار تتبعها إلي حيث هي متطورة. أما المادية التاريخية فهي محصلة تطبيق المادية الجدلية على التاريخ ،ومضمونها أنه داخل المجتمع يتطور أسلوب الإنتاج (البنية التحتية) بفعل التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بصورة صراع طبقي بين الذين يعبرون عن الأولى والذين يعبرون عن الثانية ،وعندما نصل إلي الطفرة يكون المولود الجديد لأسلوب الإنتاج مولود من رحم أسلوب الإنتاج السابق وهكذا. كل هذا التطور في (البنية التحتية) ينعكس على البنية الفوقية وهي القانون والأخلاق والدين والفن..
ج/منهج جدل الإنسان:
1- سارتر: استخدم سارتر المنهج الظاهراتي (كما أسسه هوسرل) في دراسة
الوجود كما في مؤلفه الوجود والعدم 1942م وباقي مؤلفاته التي تمثل المرحلة الوجودية عنده. غير أنه من خلال تطوره الفكري توصل إلي الكشف عن منهج جدل الإنسان في كتابه (نقد العقل الجدلي) 1960م حيث رفض فيه اسناد الجدل إلي الفكر أو المادة، وأسنده للإنسان حيث التناقض بين الموضوعية التي يمثلها الوسط اى جملة الظروف المادية والاقتصادية والحضارية ، والذاتية التي هي المشروع وهو بالتعريف السلبي هو رفض الوسط. ، والمعنى الإيجابي هو ما يحتاج إليه الإنسان.
2- ديوى: استند ديوي مفهوم إلى منهج جدلي انسانى ذو أساس براجماتي، يرفض
الفصل بين الذات ( المعرف ) عن الموضوع (المعروف )، استناداً إلى تعريف الخبرة بأنها . "تفاعل حيوي بين الإنسان وبيئته " هذا التفاعل يتم خلال الانتقال من الصراع بين الإنسان وبيئته (الحاجة) إلي التوازن بينهما (الإشباع ) وهكذا...
تقويم للمنهج الجدلى: استند هيجل في إسناده الجدل للفكر المطلق (الإله) إلي التصور ألتشبيهي للإله الذي ورثته أوربا من التراث الإغريقي ،الذي صوره قوة خاضعة للحركة خلال الزمان والتغير في المكان ،ويمكن للإنسان أن يتصوره. وآية هذا أن هيجل جعله يبدأ بأن لا يعي ذاته فيتجلى في الطبيعة ومن خلال التاريخ غايته أن يعي ذاته، وهو يناقض مع التصور ألتنزيهي للإله الذي جاء به الإسلام، و الذي يستند إلي الله تعالى العلم المطلق، كما يتضح لنا تناقض إسناد الجدل للفكر المطلق (الإله) مع التصور التنزيهى الاسلامى أن علماء الإسلام نفوا عنه تعالى الأضداد، يقول الطحاوي: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد) ،ويقول الغزالي: (الذي لا ند له الفرد الذي لا ضد له الصمد الذي لا منازع له). أما إسناد الجدل إلي المادة كما عند ماركس فقد ثبت خطأه علمياً لان النظرية الذرية الحديثة (روزرفورد - 1911
) اثبت أن الذرة مكونه من الكترونات وبروتونات ونيوترونات ، وقائمه على التوازن، وخاليه من التناقض، هذا فضلا عن أن إسناد الجدل للمادة يلزم منه تسخير بالإنسان لما هو مسخر له،إذ أن الإنسان (المستخلف) - طبقا للقران
الكريم- هو الفاعل المغير المطور، و ليست الطبيعة إلا موضوع فعله، ويستعمل القرآن تعبير سخره للدلالة على هذه العلاقة: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره) الحج: 65. أما إسناد الجدل للإنسان فلا يناقض المنهج الإسلامي، إذا نظرنا إليه كنسبة الإلهية نوعية تضبط حركة الإنسان، بشرط الاستناد إلي الأسس الغيبية"الميتافيزيقية،"للمنهج الإسلامي والتي تحد الجدل ولا تلغيه.
ثالثا: نقد البعد المذهبي للماركسية:
المفهوم الماركسي للاشتراكية"الاشتراكية العلمية " : تناولت الماركسية الاشتراكية ليس على المستوى القيمى ، بل على مستوى العلوم الاقتصادية والاجتماعية،وطبقا لمنهجها المادي الجدلي والمادي التاريخي ،الذي هو محصلة تطبيق الأول على التاريخ، و مضمون الأخير أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية )مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج )، وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج، وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية، وفيها يجب الإلغاء الشامل للملكية الخاصة والفردية لكل أدوات الإنتاج.
نقد: رغم الارتباط بين الاشتراكية والماركسية ، إلا أن المفهوم الماركسي للاشتراكية تعرض النقد - حتى من داخل الفكر الاشتراكي – ومن أهم أوجه
النقد: ا/ اعتبار الاشتراكية مجرد مرحله فابل للتجاوز لمرحله أخرى وهى المرحلة الشيوعية، والاخيره محل رفض من المذاهب الاشتراكية غير الماركسية باعتبارها غير قابله للتحقق.ب/عدم التمييز بين الملكية الفردية (التي يمكن أن تكون مقيده بمصلحه الجماعة|"كالملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية ")، والتى لا تتعارض مع الاشتراكية ، والملكية الخاصة (حق التصرف المطلق في المال)، والتي تتعارض مع الاشتراكية. ج/ التركيز على اشباع الحاجات المادي للإنسان،وتجاهل اشباع حاجاته الروحية وربط الاشتراكية بمعاداة الدين ، د/ افتراض أن الاشتراكية واحده " أمميه " ، وإنكار أمكانيه تعددها بتعدد علاقات الانتماء الوطنية والقومية. ه/ والموقف السلبي من الحرية و الديموقراطيه مما أدى إلى اصابه التجارب الاشتراكية الماركسية بالبيروقراطية والفساد والجمود، ومن مما سهل على الغرب الراسمالى - فقياده الولايات المتحدة الامريكيه - إسقاط هذه التجارب واعدتها إلى تطبيق النظام الراسمالى ، بدلا من تصحيح هذه الأخطاء...
الموقف السلبى للماركسية فى صيغتها الاصليه من الديموقراطيه"ديكتاتوريه البروليتاريا" : اتخذت الماركسية فى صيغتها الاصليه موقف سلبي الديمقراطية ، ينطلق من تقريرها ان الدولة والقانون - طبقا للمنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية- وجهان لعمله واحده، فمن حيث الأسس كلاهما ينتميان إلى البناء الفوقي ،ويعكسان القاعدة المادية ويتطوران معها ،ومن حيث الوظيفة يؤديان معا وظيفة واحده، القانون يأمر والدولة تنفذ ، و من حيث الطبيعة كلاهما أداه ردع طبقي ،فالقانون ليس إلا أداه للصراع الطبقي، وكل دوله هي قوه خاصة لردع الطبقة المقهورة، ومن حيث النشاْه كانا وليدي مرحله تاريخية معينه(ظهور الملكية الخاصة في الطور العبودى)، ومن حيث المصير سينتهي وجودهما معا في الطور الشيوعي العلمي. والدولة والقانون في دوله البروليتاريا –مرحله انتقالية بين فالراسماليه والشيوعية- أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما كيف تتحدد مصلحه البروليتاريا فاستنادا إلى المادية فان مصلحه البروليتاريا محدده ماديا وموضوعيا سواء كانوا واعين بها أم لا ،وإذا كانوا غير واعين بها فان هذا لا يعنى أنها ليست مصلحتهم الحقيقية بل أن لطليعتهم (الحزب
الشيوعي) أن توعيهم بها..
الماركسية الجديدة و مفهوم "دوله كل الشعب" غير انه في مراحل تاليه تمت مراجعه هذا الموقف السلبي من الديموقراطيه ، والقائم على الرفض المطلق لها ، والانتقال إلى موقف نقدي يقبل الديموقراطيه في إطار نسق فكري ماركسي منقح ومعدل ( أطلق عليه اسم الماركسية الجديدة او اليسار الجديد) ، و يستند إلى مفهوم “دوله كل الشعب”، و مضمونه ان آخرون غير البروليتاريا قد يختارون الاشتراكية لا لأنهم يعكسون موقعهم من علاقات الإنتاج، بل لاقتناعهم بأنها مفيدة اجتماعيا، وعلى البروليتاريا ان تقودهم إلى الاشتراكية بالوسائل الديموقراطيه ، وان الدولة يمكن ان تبقى ليس كاداه قهر طبقى بل كجهاز يعبر عن مصالح الشعب ككل ،وفى طل دوله كل الشعب تتحدد الغايات إلى يجب ان يحققها النظام القانوني بالطريقة الديموقراطيه اى بالرجوع إلى رأى الناس أو اغلبهم.
النظرية الماركسية فى الاعلام: : وتستند- كشأن كل النظريات الماركسية - إلى المادية الجدلية والمادية التاريخية، وتخلص إلى أن مصلحه الطبقة العاملة " البروليتاريا " محدده موضوعيا، والذي يحددها هو الحزب الشيوعي طليعة هذه الطبقة. هي التي تمتلك سلطة في المجتمع الاشتراكي ، وحتى تحتفظ هذه الطبقة بالسلطة والقوة فإنها لابد أن تسيطر على وسائل الإنتاج الفكري التي يشكل الإعلام الجزء الأكبر منها، لهذا يجب أن تخضع وسائل الإعلام لسيطرة ممثلي هذه الطبقة العاملة وهم في الأساس الحزب الشيوعي .
نقد: وهكذا اهتمت النظرية الماركسية بالربط بين العامل الاقتصادي والحرية الاعلاميه.
،ولكنها انتهت إلى شكل من أشكال النظرية السلطة، لأنها تقوم على اداره المجتمع ككل وبالتالي وسائل الإعلام لصالح الطبقة العاملة كما يقدره فرد أو فئة (الحزب الشيوعي) ولكن من منطلق فلسفي مادي ، وبالتالي فان أوجه النقد التي وجهت إلى نظريه السلطة تنطبق عليها و أهمها تكريس الاستبداد و إلغاء حرية التعبير.
المفهوم الماركسي للفن"الواقعية الاشتراكية": كما تناول ماركس مفاهيم الجمال والفن استنادا إلى منهجه المادي الجدلي وتطبيقه على التاريخ "المادية التاريخية" .
تعريف الفن: فالفن طبقا لهذا المنهج هو شكل من إشكال عكس الوعي للواقع المادي. إذ الجمال والفن ما هما إلا جزء من البنية الفوقية التي هي مجرد انعكاس للبنية التحتية .
تاريخية وطبقية القيم الجمالية : كما انه لا توجد قيم جمالية مطلقة إذ هي قائمة على أساس تاريخي ( فكل طور من أطوار التطور التاريخي قيمة الجمالية
) ، فكل طبقة قيمتها الجمالية باستثناء الطور الشيوعي الذي ستتلاشى فيه الطبقات . وعندما لاحظ ماركس أن القيم الجمالية الإغريقية لا تزال تستأثر شعوب أوربا علله بقوله أن في تلك الروائع الفنية اليونانية مسحة من البراءة فهي تعبر عن عالم بشرى تغلب عليه سذاجة الطفولة ونحن نجد في أنفسنا حنيناً بالغا إلى هذه الطفولة البشرية حتى نتحرر من أعباء حياتنا الراشدة الحافلة بضروب الصراع .
الواقعية الاشتراكية : كما يترتب على الفلسفة الماركسية أن الفنان مجرد عاكس للطبيعة المادية وهو ما أدى إلى ظهور المدرسة الواقعية الاشتراكية في مرحلة تالية على ماركس وتقوم على إلزام الفنان بالتعبير عن الواقع الاجتماعي .
نقد:
الخلط بين الشكل والمضمون : نلاحظ أن الماركسية تخلط بين:ا/ الأفكار التي يريد الفنان أن يثيرها بالعمل الفني (المضمون )، وهي أفكار واقعية اجتماعية دائماً . ب/ الأفكار التي يصوغها الفنان في العمل الفني كمعادل للأفكار الأولي (الشكل ) ،والتي لا يشترط فيها أن تكون واقعية، بل هي تشكيلا غير قابل أصلا، فلا يجوز أن نلزم الفنان أن تكون أدوات تعبيره – مستمده من الواقع او مطابقة له .
التصنيف الاجتماعي –وليس الفني/الجمالى -للفنانين : كما أنها تصنف الفنانين على أساس عقلاني ذو مضمون اجتماعي وليس على أساس فني/ جمالى.
الموهبة غير مشروطة بطبقة او طور معين : كما أن النظام الاشتراكي وغير الاشتراكي لا يستطيع أن يوجد الموهبة الفنية وفي كل العصور منذ المشاعية البدائية إلى العبودية إلى الإقطاعية إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية وجدت الموهبة الفنية( د. عصمت سيف الدولة ، إعدام السجان).
الموقف السلبي للماركسية من علاقه الانتماء القومية ( مذهب إلغاء الانتماء الطبقي لكل علاقات الانتماء) : وأخيرا فان الماركسية تتطرف في إقرار علاقة الانتماء الامميه لدرجه إلغاء إلغاء علاقة انتماء الاجتماعية القومية وغيرها من علاقات انتماء الشخصية الأضيق منها "كعلاقات الانتماء القبلية، الشعوبية الوطنية..) بحجه أن انتماء كل إنسان إنما يكون إلى طبقته، وان شخصيه كل إنسان هي شخصيه طبقته ، استنادا إلى مقولتها المنهجية المادية " أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما" ، وهى تربط – نتيجة لذلك - بين القومية والراسماليه ذات الجوهر العدواني(نتيجة لتعاصر النمو الراسمالى والنمو القومي في أوربا) ،وبالتالي تربط بين القومية والعدوان، وتدعو بالتالي إلى استبدال علاقة الانتماء القومي إلى أمه إلى علاقة انتماء اممى إلى الطبقة العاملة .
ووجه الخطأ في هذا المذهب أن الانتماء الطبقي مرتبط بعنصر التفرد في الشخصية اى ما يميز شخصا عن آخر ،أما علاقات الانتماء الأخرى فمرتبطة بعنصر الوحدة (الاشتراك) في الشخصية اى مكونات وحده الشخصية المتجانسة بين الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد. ولقد اثبت واقع الدول الماركسية أن التجانس الاقتصادي و الفكري والسياسي (الايديولوجى) في المجتمع الاشتراكي الماركسي لم يلغى عدم التجانس الحضاري حتى بين أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي.فضلا عن أن المحاولات الفكرية الماركسية الجديدة قد تجاوزت مقوله أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما(انظر على سبيل المثال د.مراد وهبه،محاورات فلسفيه في موسكو، القاهرة،1974. ... هذا الخطأ في المذهب الماركسي في علاقات انتماء الشخصية أثمر التباين (الذي يصل إلى درجه التناقض) بين التيارات الماركسية في تحليلها لأطوار(وحدات)التكوين الاجتماعي التي تميز المجتمع السوداني-على المستوى الوطني- او الامه العربية –على المستوى القومى - بين القول بالوحدة المطلقة (أن السودان – وغيره من شعوب عربيه - أمه مكتملة التكوين أو في طور التكوين) ،أو التعدد المطلق(السودان – أو الامه العربية - يتضمن عده أمم مكتملة التكوين أو في طور التكوين). فضلا عن محاولات استبدال الصراع الاممي بين الطبقة البرجوازية السائدة والطبقة العاملة المسودة في ظل النظام الراسمالى بالصراع القبلي او الشعوبي او الطائفي بين الجماعات القبلية والشعوبية او الطائفية فى السودان - أو باقي أجزاء الامه العربية، لتهبط هذه المحاولات بالماركسية من الامميه إلى القبلية ومن الانسانيه إلى العنصرية.ورغم هذا التباين في التحليل بين التيارات الماركسية إلا أنها تشترك في الخلط بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه ،والامه كوجود اجتماعي موضوعي ،وبين الامه وأطوار التكوين الاجتماعي الأدنى كالشعب و القبيلة ، و بين القومية والوطنية كعلاقة انتماء إلى ارض مشتركه . كما يلغى هذا المذهب الماركسي في علاقات انتماء الشخصية ، علاقة الانتماء الدينية"الاسلاميه " للشخصية السودانية "
الوطنية - الخاصة" ، والعربية " القومية – العامة " ،كمحصله للموقف الماركسي المادي المعادى للأديان كلها ، والذي كان أقصى ما وصل إليه هو الدعوة إلى تجاهلها ، بدلا من الدعوة إلى إلغائها. وهذا التجاهل للدين لا يجدي نفعها في المجتمع العربي- وغيره من مجتمعات مسلمه- لان الإسلام يشكل هيكلها الحضاري، فهو حاضر في كل مناحي حياه هذه المجتمعات .
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان
(http://drsabrikhalil.wordpress.com).