د. صبري محمد خليل / أستاذ الفلسفة في جامعه الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تمهيد: (معايير تفعيل وتعطيل الدور الاقليمى): إن تفعيل الدور العام:
الاقليمى أو الدولي لاى دوله يتوقف على :أولا: تعبير هذا الدور عن علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية للشعب المعين، الذي تضمه هذه الدولة ، ثانيا: جعل العلاقة بين الأدوار المتعددة :الخاصة "المحلية -الوطنية" ، و ألعامه:الاقليميه "القومية ، ألدينيه، الجغرفيه – القارية ..."
والدولية للدولة علاقة تحديد وتكامل، والعكس صحيح ، اى أن تعطيل هذا الدورالاقليمى مرتبط ب:اولا عدم تعبير هذا الدور الاقليمى عن علاقات الانتماء المتعددة للشعب المعين ، ثانيا: جعل العلاقة بين الأدوار المتعددة "المحلية الاقليميه ،الدولية" للدولة علاقة تناقض وإلغاء(اى علاقة تعارض).
أولا: المواقف التي يلزم منها تعطيل دور السودان الاقليمى" العربي/ الاسلامى/ الافريقى":
ا/ موقف الانعزال : وهو الموقف الذي يتطرف في التأكيد على دور السودان الخاص" المحلى- الوطني "، لدرجه إلغاء أدواره العامة :الاقليميه "
العربية/ الاسلاميه/ الافريقيه.. " أو الدولية - وهو يستند إلى مذهب التعدد المطلق الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى الاجتماعي- محاوله تحويل الجزء(الوجود الخاص "المحلى - الوطني") إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، كما أن مضمونها - على المستوى الحضاري- أن تقرير علاقة الانتماء إلى الوجود الخاص(الوطنى) ، يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقات الانتماء إلى الوجود العام: الاقليمى"القومي أو الديني او الجغرافي - القاري.." أو الدولي.
1- الطائفية: ومثال لهذا الموقف المذاهب الطائفية ، التي تحاول تحويل الطائفة - بما هي مذهب ديني مقصور على جماعات شعوبيه أو قبليه أو عشائرية معينه، من جزء من كل" هو الوطن أو الامه" إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، لتجعل العلاقة بين علاقة الانتماء الطائفية وعلاقة الانتماء الوطنية ، وعلاقات الانتماء الأكثر شمولا (العربية و الاسلاميه والافريقيه و العالمية)، علاقة إلغاء و تناقض وليست علاقة تحديد وتكامل.
2-الشعوبية: ومثال آخر لهذا الموقف المذاهب الشعوبية ، التى تنكر تحويل الإسلام للوجود الحضاري الشعوبي السوداني "النوبي " السابق على دخول الاسلام إلى السودان ، إلى جزء من الوجود الحضاري العربي الاسلامى ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.،او تتطرف في تأكيد علاقة الانتماء الوطنية، لدرجه إلغاء علاقات الانتماء القومية والدينية ...
ب/ موقف التبعية : وهو الموقف الذي يؤكد على دور السودان العام "القومي أو الديني أو الجغرافى – القارى.." أو العالمي..." ، لكنه يتطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء دوره الخاص" المحلى -الوطني" ، وهو يستند في ذلك إلى مذهب الوحدة المطلقة ،الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى
الاجتماعي- أن الوجود العام يلغى الوجود الخاص، وبالتالي فان تقريره لوجود عام معين( قومي أو ديني أو قارى أو عالمي...)، يترتب عليه إلغاء الوجود الخاص( المحلى الوطني)، كما أن مضمونها - على المستوى الحضارى - أن تقرير علاقة الانتماء إلى هذا الوجود العام المعين ،يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقة الانتماء إلى هذا الوجود الخاص.
ب/الاستعمار القديم والجديد: وعلى المستوى الواقعي فان الاستعمار بأشكاله المتعددة (كالاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري ، والاستعمار الجديد " الامبريالي " القائم على التبعية ألاقتصاديه ) يلغى فعليا دور ألدوله المستعمرة – التابعة الخاص "المحلى –الوطني" والعام :الاقليمى"
والعالمي "، لتصبح مجرد أداه تؤدى الدور الذي يريده المستعمر.
ثانيا:الموقف الذي يلزم منه تفعيل دور السودان الاقليمى:
موقف التأثير المتبادل: وهو الموقف الذي يجعل العلاقة بين دور السودان العام "القومي أو الديني أو الجغرافي – القاري.." او العالمي..." ، و دوره الخاص" المحلى -الوطني" علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض، اى يجعل الأول يحد كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه. ويستند هذا الموقف الى مذهب الوحدة والتعدد الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى الاجتماعي- أن الوجود العام لا يلغى الوجود الخاص بل يحده فيكمله و يغنيه. كما أن مضمونها -على المستوى الحضارى- أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة إلى الوجود الخاص والعام هي علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة إلغاء وتناقض.
دور السودان الخاص" المحلى - الوطني :إن دور السودان الخاص" الوطني "هو تعبير عن علاقة الانتماء الوطنية السودانية، بما هي علاقة انتماء إلى وطن ( إقليم أو ارض) معين هو السودان، هذه الأرض هي تجسيد مادي، لمفهوم دخل من خلال التفاعل معه، إلى صميم تكوين الشخصية الحضارية العامة السودانية، فأصبح جزء منها.
السودان الوطن سابق على الفتح التركي والاستعمار البريطاني: أن السودان الوطن الواحد، الذي تشد أجزائه روابط موضوعيه "جغرافيه،تاريخية،اجتماعيه،حضارية..."، سابق فى الوجود على الفتح التركي، والاستعمار البريطاني، فالإقرار بوجود دوافع ذاتية وراء غزو محمد على للسودان1821، ممثله في طموحه الشخصي لتأسيس إمبراطوريه ، لا يعنى عدم وجود هذه الروابط الموضوعية قبل ذلك.كما أن الإقرار بالحقيقة التاريخية التي مضمونها أن الاستعمار البريطاني هو الذي شكل حدود السودان المعروفة الآن، لا يعنى انه قد شكلها طبقا لاهوئه الذاتية فقط ،بل طبقا لاكتشافه هذه الروابط الموضوعية أيضا.فالاستعمار البريطاني لم يضم إلى السودان الإقليم أرضا من خارجه،اى لا تربطها به روابط موضوعيه ، بل على العكس حاول عزل الجنوب عن الشمال(قانون المناطق المقفولة)،وضمه إلى مستعمراته في وسط وشرق أفريقيا (يوغندا،كينيا...) وفشل في تحقيق هذه المهمة.
دور السودان العام: القومي- العربي : أما دور السودان العام : القومي - العربي ، فهو تعبير عن علاقة الانتماء القومية ، للشخصية الحضارية العامة السودانية ، وهي علاقة انتماء إلى أمه معينه "هي الامه العربية"، وهى ذات مضمون لساني/ حضاري وليس عرقي، فهي تعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية ، بصرف النظر عن أصولها العرقية،ولهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية القديمة الخاصة.
ويترتب على هذا انه لا توجد جماعات قبليه سودانيه معينه تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء العربية للشخصية الحضارية العامة السودانية -كالجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية -لان علاقه الانتماء هذه - كما سبق ذكره - ليست ذات دلاله عرقيه بل دلالة لغوية ، وهى الدلالة التي أقرتها بعض النصوص (ليست العربية فيكم من أب وأم؛ إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي).. يقول بروفسور محمد بشير عمر( أن اللغة العربية التي تمثل اللغة القومية ، وتتحدث اللغة العربية الغالبية العظمى من السكان في شمال البلاد ،هي أيضا لغة التخاطب في جنوبه حيث تطور نوع من اللهجة العربية المبسطة "عربي جوبا " كما أن البجه والفور وجبال النوبة كما زالوا يحتفظون ويتحدثون لغتهم الخاصة ، و أن الدين الاسلامى كان عاملا موحدا والذي لم يمنع رغم ذلك من وجود المسيحية والمعتقدات، التي كان لها أن تترك بدورها اثر في الطقوس الاسلاميه) (محمد بشر عمر، التنوع والاقليميه والوحدة القومية ترجمه سلوى مكاوي المركز الطباعى بدون تاريخ ص 5 وما يليها) ،كما لا يمكن استثناء الجماعات القبلية والشعوبية السودانية،التى تستخدم لهجات قبليه او لغه شعوبيه خاصة، من علاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية، لان استخدام لهجات قبليه ، أو لغات شعوبيه القديمة - لا يلغي الاشتراك في استعمال اللغة القومية في كل الأمم ، يقول الشيخ على عبد الرحمن(...فالسودان يدخل كله في نطاق القومية العربية سواء في ذلك النوبة والبجه والفوز والعرب والحاميين والزنوج سواء في ذلك المسلمون والمسيحيون والوثنيون)(على عبد الرحمن، الديمقراطية والاشتراكية في السودان، المكتبة العصرية،بيروت،ص23).
محددات دور السودان العام : القومي العربى : ومن محددات دور السودان العام القومى العربي :
السودان جزء من الامه العربية - الاسلاميه : إن السودان هو جزء من كل ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، هو الامه العربية التي أوجدها الإسلام،ولم توجد قبله كامه" واحده"، وان وجدت كشعوب وقبائل متفرقة .
فالإسلام كدين حول الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السوداني ، السابق على دخول الإسلام إلى السودان ، إلى جزء من الوجود الحضاري القومي العربي.
البوابة الجنوبية للامه العربية: كما ان السودان بموقعه الجغرافي ،هو البوابة الجنوبية للامه العربية .
نقطه الالتقاء العربي – الافريقى: ويرى الأستاذ بابكر كرار(رحمه الله) انه إذا كان العرب يمثلون أهم حلقه وصل بين أسيا وإفريقيا، فان السودانيون يمثلون أهم و اخطر نقطه التقاء بين إفريقيا العربية وإفريقيا الزنجية،وان السودانيين أعطوا العروبة – على المستوى العرقى – بعدها الزنجى الصريح ، وهو ينطلق من تصور قائم على أن القومية العربية تمتاز عن سائر القوميات ،أنها ذات حدود متحركة أو ديناميكيه ، فهي القومية الوحيدة التي تتحدى حاجز الجنس واللون والحدود الجغرافية.
شريان قلب الامه العربية: وإذا كانت مصر قد أصبحت بعد الفتح العربي الاسلامى ، جزءا في موقع القلب من الامه العربية ،فان السودان هو الشريان الذي يضمن الحياة لهذا القلب ، حيث ان النيل" يملى على مصر أوامر المحدد الجغرافي الاقليمى مع كل قطرة ماء تأتى من السودان" (د. عصمت سيف ألدوله ،محددات الدور الموضوعي لمصر في الوطن العربى ).
مظاهر دور السودان العام القومي العربي :استنادا إلى ما سبق نفسر كثير من المواقف السودانية -الشعبية قبل الرسمية – عبر تاريخ السودان، باعتبارها مظاهر للدور القومى العربي ، الذي يجب ان يضطلع به السودان, ومن هذه المظاهر تفاعل الشعب السوداني مع أحداث الوطن العربي ، وانحياز اغلبه إلى كافه القضايا القومية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر تفاعلت الثوره المهدية مع الأحداث الجارية في العالم العربي( ومن تجليات هذا التفاعل مخاطبه المهدي للعديد من القادة والحكام والزعماء العرب ، وحمله النجومى لتحرير مصر من الاستعمار...). وفى هذا العصر انحاز الشعب السوداني إلى القضية الفلسطينية ،حيث شارك السودانيون فى كل الحروب العربية الاسرائيليه منذ النكبه 1948وحتى حرب أكتوبر 1973،كما انحاز اغلب الشعب السوداني إلى حركه التحرر القومى العربي من الاستعمار ، بقياده الزعيم جمال عبد الناصر"رحمه الله تعالى"،الذي استقبله عند حضوره قمه اللاءات الثلاثة "لا صلح لا اعتراف لا تفاوض" بالخرطوم بعد نكسة 5 يونيو 1967، استقبالا اسطوريا ادهش العالم كله ،فكان الحدث الإعلامى الأول فى العالم، ووضعت صور هذا الاستقبال فى الصفحة الأولى فى كل صحف أوربا وأمريكا. كما ادهش عبد الناصر نفسه ، فقال عنه وعن الشعب السودانى لاحقا فى خطابه بمناسبة يوم استقلال السودان 1/ 1/1970 (...حينما جئت إليكم هنا فى أغسطس سنة 1967 بعد الهزيمة وفى هذه المواقف الصعبة كنت أتساءل وأنا أصل إلى مطار الخرطوم ماذا سيكون عليه الحال حينما أقابل هذا الشعب الشقيق.. هذا الشعب الوفى.. هذا الشعب المقاتل المناضل المكافح.. هذا الشعب الطيب؟ وحينما وصلت إلى عاصمتكم المجيدة حينما وصلت إليكم فى هذا اليوم رأيت شعب السودان البطل يعطينى من الأمل فى المستقبل كل ما يمكن أن آخذه كل ما يمكن أن أحلم به. رأيت - أيها الإخوة - شعب السودان البطل وقد وقف فى الطرقات من الصباح إلى المساء حتى وصلنا لنحضر مؤتمر الخرطوم، وكان الشعب كله ينادى بالتصميم على النضال، بالتصميم على الصمود.. بالتصميم على الوقوف حتى النصر. ).
دور السودان العام: الديني / الحضاري الاسلامى: أما دور السودان العام :
الديني الحضاري فهو تعبير عن علاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية الحضارية السودانية العامة ، ذات المضمون الديني–الحضاري،والتي يقتضى تقريرها الالتزام بعده ضوابط منها:
أولا: أن الإسلام كدين قائم على ان تعدد الانتماء الديني في المجتمع الواحد لا يعنى إلغاء وحده هذا المجتمع ، ففي القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين إلى أديان متعددة في الامه الواحدة(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله ) (آل
عمران:64) ،كما نظم القران علاقات التعايش فيما بينهم اجتماعيا مع أنهم مختلفون دينيا(اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لكم)(المائدة:5)(محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)(المائدة:5) (د. عصمت سيف الدولة / عن العروبة والإسلام).
ثانيا: أن الإسلام كدين قائم على تقريران انتماء المسلمين إلى الامه الاسلاميه، لا يلغى انتمائهم إلى أممهم ،حيث ميز الإسلام بين نوعين من أنواع الأمم ،طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).وأمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿وقطعناهم اثنتي عشره أسباطا
أمما﴾(الأعراف:159) ،وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة ، والعلاقة بينهما علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء، فالأولى تحدد الثانية فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها. فالإسلام لا يلغى الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن، أو القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه بل يحددهما فيكملهما ويغنيهما .
ثالثا: أن معنى الإسلام هنا لا يقتصر على الإسلام كدين، وبل يمتد ليشمل الإسلام كحضارة،فإذا كان الإسلام كدين مقصور على المسلمين ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين؛ فالإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط، بل هو مصدر لكثير من القيم الحضارية للشخصية الحضارية ألعامه السودانية (المسلمة وغير المسلمة) رابعا:أن الإسلام كدين قد قرر الحرية الدينية ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية لأصحاب الأديان الأخرى، بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)..اتساقا مع هذا كان اعتناق السودانيين للإسلام بصوره اجماليه دون إكراه، ويدل على هذا
: ا/اتفاقيه البقط: وهى هدنة أمان وعدم اعتداء بين العرب والنوبة ،عقدها ملك النوبة في تلك البلاد،مع عبد الله بن سعد بن أبى السرح، قائد الجيش المسلم الذي حاول غزو بلاد النوبة ولم ينجح عسكريا عام651م.وهو إقرار لتوازن القوى بينهم،ومعاهدة سياسية قبل بموجبها المسلمون أن يعيشوا ،إما مسافرين أو متاجرين،وقد استمر ذلك الوضع لما يقرب من 8 قرون.( الدكتور محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان) وقد اعترفت المعاهدة بسيادة الدولة النوبية،وسمحت بالانتقال والتجارة وتبادل المنافع بين بلاد النوبة والبلاد التي يحكمها المسلمون، كما لم تصادر حرية السكان المحليين في تعلم معارف وثقافات جديدة،دينية أو لغوية أو حضارية،ولم تمنعهم من التزاوج مع الشعوب الوافدة-العربية أو غيرها-إذا رغبوا في ذلك.كما لم تجبرهم على الأخذ بالثقافة الوافدة،ولم تمنعهم من نشر ثقافتهم ولغتهم المحلية وتعليمها للوافدين الجدد إذا رغبوا في ذلك.وذلك يعنى كامل الحرية للسكان المحليين في التبادل الثقافي والتجاري والمصاهرة ،وبهذا انفتح النوبيون بحرية على الثقافات والحضارات والشعوب الأخرى ،وحدث التمازج الثقافي والعرقي بينهم والعرب ،واعتنقوا للدين الإسلامي عن قناعة وبمحص إرادتهم، وقد حدث هذا التمازج والانصهار السلمي ببطء خلال 8 قرون. أما نص الاتفاقية على أن على النوبة تقديم عددا من الرقيق سنويا للحاكم المسلم في مصر، فان مثل هذا الشرط كان سائدا في التعامل بين الدول في تلك الأزمان ولم يبتدعه الإسلام ،بل عمل على الحد منه وإنهائه،رغم استمرار بعض المسلمين في ممارسته ،وقد استمرت الإمبراطوريات الأوروبية في التعامل به حتى صارت تجارة الرقيق رائجة حتى أوقفت وحرمت هذه التجارة بقانون دولي في وقت قريب. (انظر المقارنة بين اتفاقيه البقط وقانون المناطق المقفولة،مكتبه نفيسة الجعلى).
ب/ قيام السكان المحليين المستعربين(النوبة، الفونج ...) والممالك الاسلاميه المحلية (الفور الفونج تقلي المسبعات الكنوز) بدور اساسى في نشر الدعوة الاسلاميه في السودان.
ج/:مساهمه الطرق الصوفية التي تتميز بالدعوة السلمية في نشر الإسلام في السودان. خامسا: أن الإسلام لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء. فكان بمثابة إضافة أغنت تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.
محددات دور السودان الاسلامى:
السودان نقطه انطلاق للدعوة الاسلاميه في إفريقيا:فالسودان بموقعه الجغرافي كان- و لايزال - يمثل احد أهم نقاط انطلاق الدعوة الاسلاميه، إلى قارة إفريقيا جنوب الصحراء ، كما ساهم العلماء السودانيين والطرق الصوفية السودانية فى نشر الإسلام في هذا الإقليم .
السودان معبر الحجيج الافريقى: كما ان السودان بموقعه الجغرافي كان و-لا يزال معبر الحجاح من جميع أقطار إفريقيا جنوب الصحراء.
مظاهر دور السودان الاسلامى :وللدور السودان العام الاسلامى كثير من المظاهر منها:
أولا:اعتناق السودانيين للإسلام اختيارا دون إكراه،ولم يصاحب اعتناقهم للإسلام اى فتح عسكري.
ثانيا: الاشاره إلى السودان القديم(النوبه) فى النصوص و المصادر اسلاميه
: وقد وردت الاشاره إلى السودان القديم " النوبة" في النصوص والمصادر الاسلاميه
اولا:: رجح كثير من علماء الإسلام ان لقمان (عليه السلام) نوبى منهم:
الإمام ابن كثير في تفسيره ، وفي كتابه (البداية والنهاية)، و الإمام السيوطيّ في تفسيره (الدر المنثور) ، و الإمام ابن الجوزى فى كتابه (تنوير الغبش)، قال قتادة : عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله
: ما انتهى إليكم في شأن لقمان ؟ قال : كان قصيراً أفطس من النوبة ( ابن كثير ، البداية والنهاية 2/123) ثانيا:وردت الاشاره إلى النيل - اكبر انهار السودان- فى السنة النبوية ، في أحاديث صحيحة وردت في الصحيحين ، وغيرهما من كتب السنن ومنها: روى البخاري في صحيحة في حديث المعراج أن الرسول( صلى الله عليه وسلم ) قال(ثم رفعت لي سدرة المنتهى.... وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات). وروى مسلم عن أبي هريرة عن الرسول(صلى الله عليه وسلم ) أنه قال(أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان وجيحان
ثالثا: أشار ابن حجر إلى صحابي نوبي هو حبيب ابن يزيد حيث يقول في الإصابة ج6: ومن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) راع نوبيّ قتله العرنيون، ثبت ذكره فى الصحيحين غير مُسمّى في حديثهما، وسُمِّىَ فى حديث سلمه بن الأكوع. وفى حديث الطبرانى يقول : كان يزيد بن حبيب .. من الشيوخ الثقاة الذين رووا عنه أئمه الحديث النبويّ ومنهم البخاري ومسلم . بل أن يزيداً وتلاميذه رووا ثمن الصحيحين ( د. حسن الشايقيّ في رسالته عن يزيد بن حبيب /نقلا عن أر تود محمد عثمان الملك/ النوبيون:هل فيهم صحابة
وتابعون)
دور السودان العام :الجغرافي / القاري الافريقى: أما دور السودان العام الافريقى فهو تعبير عن علاقة الانتماء الافريقيه للشخصية الحضارية السودانية العامة، وهي ذات مضمون جغرافي قاري ، وهو مضمونها الرئيسي، وطبقا له فان السودان افريقى لان السودان قطر يقع في قارة أفريقية ، اما مضمونها الحضاري -الاجتماعي؛فهو مضمون ثانوي، إذ أن قارة أفريقيا تضم العديد من الأمم والشعوب والقبائل، التي لا يرقى ما هو مشترك بينها(تفاعل مجتمعاتها مع طبيعة جغرافيه مشتركه نسبيا)، إلى مستوى أن تكون أمه واحده.
ويترتب على ما سبق انه لا توجد جماعات قبليها و شعوبيه سودانيه معينه ، تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء الافريقيه ،فهي علاقة انتماء تشمل كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، لان السودان ككل جزء من قارة أفريقيا.كما أن علاقة الانتماء الافريقيه ليست علاقة انتماء عرقي، لان أفريقيا كقارة تضم العديد من الأعراق : الحاميين(افريقا جنوب الصحراء) و الحاميين - الساميين(كالسودانيين والصوماليون والإثيوبيون)والساميين(العرب شمال القارة) والآريون (الأوربيون فى جنوب افريقيا وغيرها).
محددات دور السودان الافريقى :
السودان حلقه الوصل بين افريقيا والعرب: ان السودان بموقعه الجغرافى هو حلقه الوصل بين افريقا جنوب الصحراء والعالم العربى مظاهر الدور السودان العام الافريقى: ومن مظاهر دور السودان الافريقى مشاركه السودان في العمل الافريقى المشترك .
خاتمه: آليات تفعيل دور السودان الاقليمى"العربي / الاسلامى/ الافريقى":واخيرا فان هناك الكثير من آليات وأساليب تفعيل دور السودان الاقليمى "العربي / الاسلامى/ الافريقى" ومنها:
• رفض المواقف التي تجعل العلاقة بين الأدوار المتعددة العامة والخاصة
للسودان علاقة إلغاء وتناقض(اى علاقة تعارض) بصرف النظر عن أساسها الايديولوجى، والالتزام بالموقف جعل العلاقة بينها علاقة تحديد وتكامل
• وقف الامتداد التلقائي لواقع الاستقطاب ، "الصراع"
السياسي،الاقتصادي،الاجتماعي... والانتقال إلى التوافق " المشاركة"
السياسي ، الاقتصادي، الاجتماعي...
• العمل - في مجال العلاقة بين دولتي السودان- على ضمان عدم التراجع
خطوات أخرى للوراء بمزيد من التفتيت ، وذلك عبر التوافق بين النخب السياسية السودانية في الشمال والجنوب ، على جمله من القواعد والقوانين والاتفاقيات .. القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية...التي تتيح للروابط الموضوعية (الجغرافية، التاريخية، الاجتماعية، الحضارية...)،التي
ستظل تشد أجزاء الوطن الواحد رغم الانفصال السياسي، أن تعبر عن ذاتها بأقصى درجه ممكنه في ظل هذا الانفصال السياسي، و تقلل من مقدره الحدود السياسية على تعطيلها، والعمل على حل الخلافات عبر التفاوض، والتوافق على تحقيق الاستقرار في دولتي السودان، والعمل على اتخاذ كل الخطوات – الممكنة - للأمام باتجاه الوحدة .
• السعي لتحقيق كل الخطوات العملية/ الواقعية/ الممكنة تجاه وحده وادى
النيل والوحدة العربية الاسلاميه ، بشكل سلمى مؤسساتي تدريجي ، وتفعيل العمل الافريقى المشترك، على المستويات الشعبية قبل المستويات الرسمية.

////////////////////