عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

أشكال نقد القطاع العام : هناك الكثير من الأخطاء المنسوبة إلى القطاع العام ، والتي تكاد تكون مسلمة من الجميع، رغم تباين مواقفهم من القطاع العام . بناءا على هذا نرى انه لا مجال للحديث عن تحريم أو تجريم نقد القطاع العام ( اى موقف القبول المطلق) . غير انه يجب تقرير أن هناك شكلين من أشكال النقد ، يعبر كلاهما عن موقف معين من القطاع العام نفسه. الشكل الأول من النقد يقوم على نقد القطاع العام لتقويمه ، اى بهدف بناءه ، فهو يكشف أوجه قصوره عن أداء دوره القائد، ويستهدف تنشيط قيادته للنشاط الاقتصادى ، وتنمية كفاءته الإنتاجية ، فهو نقد ينطلق من موقف الابقاء على القطاع العام والدفاع عنه ، وهو يعبر عن الموقف النقدي الحقيقي لان جوهره هو اخذ وقبول الصواب، ورد ورفض الخطأ. أما الشكل الثاني من النقد فيقوم على نقد القطاع العام لنقضه ، اى بهدف هدمه و تصفيته، أو حصر دوره فى النشاط الاقتصادى ، فهو نقد ينطلق من موقف إلغاء القطاع العام ، هو في جوهره ليس موقف نقدي حقيقي، بل هو تعبير عن موقف الرفض المطلق.
موقف إلغاء القطاع العام : وموقف إلغاء القطاع العام رغم أن منطلقه الايديولوجى هو منطلق ليبرالي راسمالى، إلا انه يتناقض مع واقع المجتمعات الغربية الليبرليه الراسماليه ذاتها . حيث انه يجب تقرير انه في كل نظام اقتصادي رأسمالى توجد ملكية عامة بجانب الملكيه الفردية ، ولكنهما في ظل هذا النظام متنافسان ويخضعان في حركتهما الاقتصادية لقانون المنافسة الحرة ، بقصد الحصول على ربح ، وتتمثل هذه الملكية العامة في بعض أوجه النشاط الاقتصادى الحيوية غير مربحة ، كالطرق والموانى والإنارة والمدارس والجامعات والمستشفيات والنوادى الرياضية والحدائق العامة والثروات الكامنة في بطن الأرض … الخ . والتى لا تثير اهتمام الرأسماليين ويتركونها للدولة ، كما تتمثل في امتلاك الدولة في كثير من الدول الرأسمالية لمشروعات اقتصادية تديرها بقصد الحصول على ربح.
والنظام الاقتصادي الرأسمالي المستند إلى الليبرالية كمنهج هو أساسا قائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاْه ،إذ قبل أن ينتهى القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. إلا انه بعد المتغيرات الدولية المتمثلة في انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادى القطب تجددت الدعوة التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة ، وظهرت الآراء الداعية إلى تحجيم دور القطاع العام آو تصفيته أو إلغائه ، وهذه الآراء شكلت الأساس الايديولوجى للازمات الاقتصادية العالمية المتعاقبة المعاصرة ، وهنا تجددت في المجتمعات الغربية مره أخرى الدعوة إلى ضرورة تدخل الدولة، والتي وصلت فى بعض الأحيان إلى حد الدعوة إلى تأميم بعض المؤسسات الاقتصادية الخاصة الخاسرة.
موقف الدفاع عن القطاع العام: أما موقف الدفاع عن القطاع العام فليس بالضرورة مقصور على المنطلق الايديولوجى اليساري . فقد يكون الدفاع عن القطاع العام من منطلق وطني يتمثل فى الدفاع عن القطاع العام باعتباره ركيزة الاقتصاد الوطني، ورمز للسيادة الوطنية . كما قد يكون الدفاع عن القطاع العام من منطلق اسلامى يتمثل - على المستوى العقائدى - في أن هناك العديد من القواعد والمفاهيم الاسلاميه ،التي يمكن أن تشكل الإطار النظري لمفهوم القطاع العام منها تقرير الإسلام أن الله تعالى هو المالك الأصلي للمال، وانه استخلف الجماعة في الانتفاع به ( وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). وان للجماعة بالتالي حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية قال (صلى الله عليه وسلم ) (الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار) (روه احمد وأبو داود)، وهو ما يتحقق بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها وتطبيقا لذلك ما ورد عن عمر بن الخطاب (لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة).
كما يتمثل - على المستوى العملي - في كون القطاع العام يمكن أن يكون بمثابه شكل حديث لمؤسسات ظهرت في التاريخ الاسلامى كبيت مال المسلمين والحمى، فالحمى مثلا هى الأرض المحمية من الانتفاع الفردي لتكون لانتفاع المسلمين جميعا، ومن المتفق عليه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) حمى أرض بالمدينة يقال لها النقيع لترعى فيها خيل المسلمين (رواه احمد)( أبو عبيدة، الأموال، ص 298، الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 164، أبو يعلي ، الأحكام ، 206) ،كما حمى عمر أيضا أرضا بالربدة وجعلها مرعى لجميع المسلمين(أبو عبيدة، الأموال، ص 299).
نحو حلول عمليه لبعض مشاكل القطاع العام :
مشكله المنافسة بين القطاعين العام والخاص : في كثير من الأحيان يعانى القطاع العام من منافسة القطاع الخاص ، ولو تركت المنافسة بينهم بدون ضوابط فان هذا يعنى تصفية القطاع العام ، لان المنافسة مضاربة ، والقطاع العام بحكم طبيعته الاقتصادية لا يستطيع أن يضارب ، بينما المضاربة هي قانون القطاع الخاص . وتدور أغلب مضاربات القطاع الخاص على الأجور بأن يجرد القطاع الخاص القطاع العام من أكفأ العناصر المنتجة فيه عن طريق تشغيلهم فى مقابل أجور مرتفعة ، او بإغراء العاملين فى القطاع العام بالاستفادة من استقرار الأجور فى القطاع العام وارتفاعها فى القطاع الخاص بأن تكون لهم علاقة عمل بالقطاعين فى الوقت ذاته، وهذا الازدواج هو مصدر كثير من الظواهر السالبه المنسوبة الى القطاع العام .
و لا يكمن حل هذه المشكلة في تصفية القطاع العام كما يرى أنصار موقف إلغاء القطاع العام ، ولكن يكمن في وضع ضوابط للمنافسة بين القطاعين العام والخاص ، ومن هذه الضوابط دعم القطاع العام ، وتفعيل ألرقابه فيه ،وتحفيز العاملين به ، وان يكون لكل قطاع مجالات محدده مقصورة عليه وحده ، و بالتالي بحيث يصبح من غير الممكن أن تنتقل قوة العمل أو الاستثمارات أو الأدوات أو البضائع أو الخدمات... من القطاع العام إلى القطاع الخاص أو العكس .
مشكلات التخلف الاقتصادى : التخلف الاقتصادى هو عدم توافر المقدرة على توظيف كل الموارد المادية والبشرية المتاحة، وهذا التوظيف هو ذات المهمة الموكولة الى القطاع العام، وهنا نجد أن كثير من السلبيات المنسوبة إلى القطاع العام ترجع إلى هذا التخلف الاقصادى ، وبالتالي لا يمكن القضاء عليها إلا بالعمل المشترك والتدريجي على القضاء على التخلف الاقتصادى بالقضاء على أسبابه الذاتية والموضوعية ، و دعم القطاع العام ماليا وفنيا وبشريا ،أى تنمية إمكانياته الى الحد الذي يتكافأ مع المهمة الموكولة إليه .
مشكله عدم الربحية: يختار أنصار موقف إلغاء القطاع العام وحدات اقتصادية معينه تتبع القطاع العام ، ويقولون أنها خاسره ، ويقترحون بيعها أو تصفيتها ، وهو تقييم خاطئ لأنه يقوم على أساس تقيم كل وحدة اقتصادية من وحدات القطاع العام على حدة ، تبعا لما إذا كانت رابحة أو خاسرة رأسماليا ، بينما الصواب هو تقيم كل وحدة على أساس أدائها أو عدم أدائها للدور الاقتصادى المحدد لها كجزء من كل هو القطاع العام، و باعتبار أن كثير من هذه الوحدات ذات طابع خدمي أساسا (د.عصمت سيف الدولة ،جبهة القطاع
العام) .
مشكله العمالة: كما يرى أنصار موقف إلغاء القطاع العام أن حجم العمالة فى القطاع العام أكثر مما يلزم اقتصاديا ، وحل هذه المشكلة لا يكون بالتبديد " الكلى " لقوة العمل بفصل العاملين ، إنما يكون الحل بالتوسع فى القطاع العام ، بمزيد من المؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية لتظل فرص العمل دائما أكثر من قوة العمل المتاحة . ولن يكون هذا ممكنا إلا بدعم القطاع العام وتنشيطه وامتداده إلى مجالات جديدة من النشاط الاقتصادى .
_________________________
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
1/ الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2/ د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh