تعريف الاجر: الأجر لغة هو الثواب والمكافأة. اما اصطلاحا فهو يعنى – فى المفهوم الاقتصادى - الجزاء على العمل ، فهو بهذا المعنى قيمة قوة العمل البشري أو بدلها ، مادياً كان أم غير مادي، فهو المبلغ الذي يدفع للعامل مقابل قيامه بعمل ما ، أو عند تنفيذ هذا العمل لحساب شخص آخر.

اولا: الاجور وعدالتها فى الفكر الاقتصادي الغربي:
ا/الموقف الليبرالى"الراسمالي" من الاجوروعدالتها ( التناقض بين المستويين النظري والعملي ): لا يمكن الحديث عن موقف الليبرالية كفلسفة ومنهج، و الراسماليه بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد، من العمل والاجور – كبدل له- وعدالتها المتضمنه لضمان اشباعها لحاجات العمال، من خلال تقرير الزياده الدوريه لها ولحدها الادنى, إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما .
المستوى النظري( الموقف السلبي من الاجور وعدالتها ): فعلى المستوى النظري نجد أن الراسماليه قائمه - كنظام اقتصادي ليبرالي – و استنادا إلى فكره القانون الطبيعي- على أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما ، من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وطبقا لهذا فان الموقف الليبرالي – الراسمالى من العمل والاجور – كبدل عنه – وعدالتها – على المستوى النظري- هو موقف سلبي مضمونه، عدم تدخل الدولة في علاقة العمل او الاجور- كبدل له –وعدالتها ، اى عدم تدخلها لحماية العمال، او تحقيق عداله الاجور ، المتضمنه لضمان اشباعها لحاجات العمال، من خلال تقرير الزياده الدوريه لها ولحدها الادنى....
فالقانون الاساسى للنظام الليبرالي في الحكم وفى الاقتصاد هو المنافسة الحرة... فعلى المستوى الاقتصادي المنافسة الحرة بين الناس للوصول إلى الربح ،والمنافسة الحرة بين الرابحين للوصول إلى الاحتكار، في مواجهه المنافسة الحرة بين العمال في الحصول على عمل...) (د. عصمت سيف الدولة، الأحزاب ومشكله الديموقراطيه في مصر، دار المسيرة، بيروت ص 37) ، وبهذا تحول العمل في الاقتصاد الليبرالي (الراسماليه) إلى سلعه تباع وتشترى، ويخضع ثمنها (الأجر) للمضاربة في سوق العمل (المرجع السابق، ص 72) .
المستوى التطبيقي (الموقف الايجابي من الاجور"تدخل الدوله لضمان عداله الاجور" : أما على المستوى التطبيقي فقد اثبت واقع المجتمعات الراسماليه ذاته خطاْ هذا الموقف الليبرالي – الراسمالى ” النظري” من العمل والاجور وعدالتها،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة – المتضمنه لتدخلها لتنظيم علاقات العمل وحمايه العمال ، وضمان تحقيق عداله
الاجور- مسلمه في كل المجتمعات الراسماليه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل، ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الراسمالى في المجتمعات الراسماليه قضت على حرية المنافسة لتنتهي إلى الاحتكار ، اى أن التجربة أثبتت أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى أن لا يستطيع الاغلبيه فعل ما يريدون. هذا فضلا عن ظهور الحركات النقابيه والاشتراكية ذات المنطلقات الفكرية المتعددة(الطوباوية، الماركسية، القومية، الدينية، الفابيه الديموقراطيه…)، والتي سعت لتحقيق العديد من الأهداف الاجتماعية ومن ضمنها نيل العمال لحقوقهم ، المتضمنه لحمايه العمال وعداله الاجور...،وبالتالي نال العمال في هذه المجتمعات قدرا من هذه الحقوق، تحت ضغط هذه الحركات، ونتيجة لنضال عمالها ومنظماتهم الحزبية والنقابية...ورغم انه بعد انهيار الكتلة الشرقية، وظهور نظام عالمي جديد أحادى القطب ، ظهرت بعض الدعوات التي تلتزم الموقف النظري الليبرالي – الراسمالى السلبي من العمل والاجور وعدالتها ، إلا أن هذه الدعوات شكلت الأساس الايدولوجى للازمات الاقتصادية العالمية الاخيرهالمتعاقبه التى تعصف بالنظام الاقتصادى الراسمالى العالمى ، مما أدى إلى تجدد الدعوات إلى ضرورة تدخل الدولة، والمتضمن لتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل وحمايه العمال وتحقيق عداله الاجور.
تجاوز الموقف النظري الليبرالي – الراسمالى على المستوى الفكرى:اذا كان ما سبق من حديث عن تجاوز الموقف النظرى اليبرالى – الراسمالى ، من العمل والاجور وعدالتها على المستوى التطبيقى العملى، فانه قد تم ايضا تجاوز هذا الموقف على المستوى الفكرى، حيث ظهرت فى المجتمعات الراسماليه ذاتها ، العديد من النظريات فى عوامل تحديد الاجور ومنها:
نظرية الحد الأدنى لمستوى المعيشة :مضمونها أن مستوى الأجور يتحدد بما يعادل قيمة المواد والحاجات الضرورية لمعيشة العامل في الحد الأدنى.
نظرية إنتاجية العمل:تنبثق هذه النظرية من النظرية العامة لتوزيع الدخل القومي في الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق،والتى تنطلق من فرضية أثمان عوامل الإنتاج، التي تزعم أن كل من يشترك في الإنتاج يحصل على نصيب منه يعادل إنتاجيته، أي بمقدار إسهامه في تكوين ذلك الإنتاج.
النظرية الاجتماعية للأجور:ومضمونها أن مستوى الأجور يتحدد بعاملين :الأول إنتاجية العمل الاجتماعي التي تحدد الناتج الإجمالي الذي يتم اقتسامه بين الطبقات الاجتماعية من جهة،والثاني الوزن الاجتماعي للطبقة العاملة الذي يحدد نصيب العمال من الناتج من جهة ثانية نظرية الأجور المنظمة " الاجور التفاوضيه" : ومضمونها ان الاجر يتحدد بالمفاوضات بين منظمات أرباب العمل والنقابات العمالية. فضلا عن تدخل السلطان العامه فى المفاوضات وقيامها المنظم لمستويات الأجور .
النظرية السلوكية للأجور: وقد قدمها العديد من علماء النفس وعلماء الاجتماع - مثل مارس وسايمون وروبرت دوبين وإليوت جاك - ومضمونها أن الأجور تحددها عوامل مثل. حجم ومكانة الشركة ، قوة الاتحاد ، قلق صاحب العمل للحفاظ على العمال ، مساهمة من قبل أنواع مختلفة من العمال ، إلخ.
الانتهاء الى اقرار تدخل الدوله لتنظيم الاجور: وهكذا فقد فان التطور الفكرى فى المجتمعات الراسماليه ذاتها تجاوز الموقف النظرى الليبرالى / الراسمالى السلبى من العمل والاجور،وانتهى الى ضروره تدخل الدوله لتنظيم الاجور لتحقيق اهداف متعددهن بعضها اقتصادى كتوزيع الدخل بما يضمن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق، وتنشيط الاقتصاد وحمايته من الأزمات
والهزات الاقتصادية. واهداف اجتماعيه كتخفيف الاضطرابات والمشكلات
وتحقيق الاستقرار السياسي. و أهداف سياسية ككسب العمال والمنظمات النقابية فى العمليه الانتخابيه.
ب/ المفهوم الماركسي للعمل والاجور وعدالتها :أما المفهوم الماركسي للعمل والاجور وعدالتها ، فيستند إلى المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية - التي هي محصله تطبيقه على التاريخ- والتي مضمونها أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية )، مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج )، وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج. وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية ، وفيها يجب الإلغاء الشامل للملكية الخاصة لكل أدوات الإنتاج، وتحقيق دكتاتوريه البروليتاريا، والتي ينال فيها العمال جميع حقوقهم – والمتضمنه لتحرير العمل وحمايه العمال وتحقيق عداله الاجور... لأنها السلطة فيها هي للطبقة العاملة، وهو ما لم يكن ممكن التحقق فى النظام الاقتصادى الرسمالى ،القائم على استغلال العمال وعدم عداله الاجور طبقا لنظريه فاض القيمه،والتى تنطلق من تقسيم عمل العامل الى قسمين: الاول العمل الضروري: وهو الوقت الذي يصرفه العامل في العمل كي ينتج قيمة المواد الضرورية اللازمة لمعيشته ومعيشة أفراد أسرته. ثانيا:العمل الزائد :وهو الوقت الذي يمضيه العامل في العمل زيادة على وقت العمل الضروري وفيه ينتج فائص القيمه التى يستولى عليها- بغير وجه حق - صاحب العمل مالك وسائل الإنتاج.
تقويم: ورغم أن المجتمعات التي تبنت الماركسية في القرن الماضي ، قد مكنت العمال فيها من نيل قدر من حقوقهم، إلا أنها لم تمكنهم من نيل جميع حقوقهم ، لعوامل متعددة منها انعدام الديموقراطيه وشيوع البيروقراطيه...
الموقف النقدى – وليس الرفض المطلق – من التجارب الاشتراكيه : ان واقع انهيار بعض التجارب الاشتراكيه"كالتجارب الاشتراكيه الماركسيه مثلا"،لا يعنى اتخاذ موقف الرفض المطلق لهذه التجارب، والمتضمن للرفض المطلق لتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل وحمايه العمال وتحقيق عداله الاجور - . بل يجب اتخاذ موقف نقدى منها يقر بايجابياتها و يرفض سلبياتها- حيث لاتوجد تجربه بشريه تخلو من ايجابيات معهما بلغ حجم سلبياتها- ويتضمن هذا الموقف النقدى الاقرار بضروره تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل، وتحقيق عداله الاجور،لكن يجب ان يلازم هذا التدخل جمله من الضوابط والتى هى بمثابه ضمان لتحقيق اهدافه... ومن هذه الضوابط: اقرار الملكيه الفرديه ذات الوظيفه الاجتماعيه،العمل على تطهير القطاع العام من البيروقراطيه والفساد لضمان قيامه بدوره القيادى فى النشاط الاقتصادى، الشفافيه والديموقراطيه وتفعيل الرقابه الشعبيه....
مقارنه مع المنظور الاقتصاى الاسلامى: هذا الموقف النقدى هو الموقف الاسلامى الصحيح من كل التجارب والاجتهادات البشريه- الاشتراكيه وغيرها - وطبقا لهذا فان المنظور الاقتصادى الاسلامى يلتقى مع المذاهب الاشتراكيه المتعدده ، فى العديد من النقاط منها اقرار تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور، لكنه يتخلف عنها فى العديد من النقاط
اهمها: ا/ انه يجعل مهمه حمايه العمال واقرار حقوقهم وتحقيق عداله الاجور، مهمه الدوله المجتمع معا ولا تنفرد بها الدوله .ب/ ان تصوره لمفهومى العمل والاجر تصور شامل يشمل ابعادهما الماديه والروحيه "الغيبيه"، و الدنيويه والاخرويه" . وغبر مقصور على ابعادهما الماديه الدنيويه فقط. فالمنظور الاقتصادى الاسلامى اذا يؤسس لمذهب اسلامى فى الاشتراكيه ، يتصف بالجمع بين لابعاد الماديه والروحيه، ودور الدوله ودور المجتمع.
ثانيا:العمل والاجور وعدالتها في المنظورالاقتصادى الاسلامى :
اقرارتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل وتحقيق عداله الاجور فى المنظور الاقتصادى الاسلامى: اتخذ المنظور الاقتصادي الاسلامى ،على مستوى اصوله النصيه الثابته وفروعه الاجتهاديه المتغيره موقفا ايجابيا من تدخل الدوله – كممثل للمجتمع - لتنظيم علاقات العمل بما يضمن حمايه العمال، وتنظيم الاجور بما يضمن عدالتها ، المتضمنه للزياده الدوريه لها ولحدها الادنى، بما يضمن اشياع حاجات العمال المتجدده .
الأسس العقدية لتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور في المنظور الاقتصادي الاسلامى:
الفلسفه الاقتصاديه الاسلاميه: يؤسس المنظورالاقتصادي الاسلامى،على مستوى اصوله النصيه الثابته وفروعه الاجتهاديه المتغيره ، لموقف ايجابي من تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور، من خلال المفاهيم الكليه للفلسفه الاقتصاديه الاسلاميه منها:اولا: إسناد ملكية المال (اى حق التصرف المطلق في المال) لله تعالى وحده ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33). ثانيا: كون الجماعة مستخلفه في الانتفاع به بالاصاله ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7). ثالثا: وهو ما يتحقق بان تتولى ألدوله كممثل للجماعة أداره مصادر الإنتاج الاساسيه، أما الفرد فمستخلف في الانتفاع بالمال بالتبعية ، وبالتالي فان انتفاعه به مشروط بعدم التعارض مع مصلحه الجماعة(الوظيفة الاجتماعية للملكية).
اقرار العدل الاجتماعى: كما يؤسس المنظور الاقتصادى الاسلامى لتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل وتنظيم الاجور من خلال اعتباره أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة ” كممثل للمجتمع” ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: الاول هو تكافؤ الفرص ومثال له قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى). والشرط الثاني هو عدالة توزيع الثروة مثال له روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة
)
إقرار الوظيفة ألاقتصاديه للدولة: كما يؤسس المنظورالاقتصادي الاسلامى،، لموقف ايجابي من تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور ، من خلال إقراره الوظيفة الاقتصادية للدولة الاسلاميه ،والتي تتمثل في أن احد الغايات الاساسيه للدولة فى المنظور السياسى الاسلامى ، هو إشباع الحاجات المتجددة للجماعة،وهو ما يتجسد في كون وظيفة الدولة في مجال الاقتصاد ، هو توفير الحاجات الأساسية للجماعة من مأكل وملبس ومسكن وتكوين الاسره وتعليم وعمل… ضروري. اتساقا مع هذا أكد علماء الإسلام على هذه الوظيفة ،في معرض إشارتهم للوظائف الدينية والدنيوية المتعددة والمتفاعلة للدولة الاسلاميه ، والتي عبروا عنها على وجه الإجمال لمصطلح” حراسه الدين وسياسة الدنيا”، يقول الإمام الماوردي (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا).
إقرار ضوابط للسوق : كما يؤسس المنظورالاقتصادي الاسلامى، لموقف ايجابي من تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور ، من خلال تقريره وجوب خضوع حركه السوق لجمله من الضوابط والقانونية الاخلاقيه والدينية للسوق والتي يعمل على ضمان الالتزام بها كل من الدولة والمجتمع معا – خلافا للموقف الليبرالي – الراسمالى من ضوابط السوق قائم – على المستوى النظري الافتراضي وليس المستوى العملي الفعلي- والقائم على عدم فرض اى ضوابط أخلاقيه أو قانونيه على السوق ، اتكالا على أن ثمة قانون طبيعي بنظم تلك السوق، ويحملها على وجه يجعلها تؤدى وظيفتها تلقائيا.
وجوب تسعير السلع الضرورية : كما يؤسس المنظورالاقتصادي الاسلامى، لموقف ايجابي من تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور ، من خلال تقريره وجوب تسعسر السلع الضروريه، حيث ان هناك ثلاثة مذاهب في الفقه الاقتصادي الاسلامى حول حكم التسعير.
المذهب الأول المنع: يرى انه لا يجوز للحاكم أن يسعر على الناس ، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه البيع والشراء (الكراهه)، ويمنع صحة البيع عند بعضهم (التحريم)، وقد استدل أنصار هذا المذهب بأدلة ، منها قوله (صلى الله عليه وسلم)( إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ).
نقد المذهب:
ا/ الحديث لا يدل على المنع المطلق: غير ان هذا الحديث – وغيره من النصوص
المماثلة- لا يدل على المنع المطلق للتسعير، ولكنه يدل على المنع من التسعير في الأحوال التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها ، يقول ابن تيميه(من احتج على منع التسعير مطلقاً-اى فى كل
الاحوال- بقول النبي (صلى الله عليه وسلم-)« إن الله هو المسعر… » قيل له
: هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاماً ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه – فهنا لا يسعر عليهم).
ب/ المنع فى هذا المذهب ليس مطلق: وبناءا على ما سبق فان الراى القائل بعدم تدخل الدولة في التسعير مطلقا ، وترك الأسعار طبقا لقانون العرض والطلب، لا يتسق مع هذا المذهب ، ولا مع التصور الاسلامى للمال ، بل يعبر عن التصور الاقتصادي الراسمالى الليبرالي والقائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،استنادا إلى مفهوم القانون الطبيعي .
المذهب الثاني " الإيجاب" : ذهب بعض العلماء ، كسعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن : إلى جواز التسعير مطلقاً (الوجوب)،و ذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء .
المذهب الثالث" الإيجاب المقيد: فقد ذهب كثير من متأخري الحنفية وبعض الحنابلة ، كابن تيمية وابن القيم إلى منع التسعير في أحوال و إيجابه (جوازا او وجوبا ) أحياناً أخرى،يقول ابن تيمية: (التسعير منه ما هو ظلم , ومنه ما هو عدل جائز بل واجب) ويقول (إذا تضمن العدل بين الناس , مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز بل واجب)،و يقول ابن القيم ( فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم, من أخذ الزيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب .
وجوب تسعير السلع الضروريه: والمذهب الذى نرجحه ، والذي يتسق مع مضمون مذهب الإيجاب المقيد أو الجمع بين المنع والإيجاب، ان التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة، يقول ابن القيم : (وجماع الأمر أن مصلحة الناس, إذا لم تتم إلا بالتسعير, سعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم بدونه, لم يفعل) ، فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان المنع ، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان الإيجاب بشرط أن لا يتضمن السعر الذى تضعه الدولة الضرر للبائع والمشتري . وللجماعة مصلحه دائمة فى وجوب تسعير السلع الضرورية ، دفعا لضرر دائم يتمثل فى وقوع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم ، وهو ما يناقض مع جوهر التصور الإسلامي للمال .
من اليات تنظيم علاقات العمل والاجور فى المنظور الاقتصادى الاسلامى:كما اقر المنظور الاقتصادى الاسلامى ، على المستوى العملى التطبيقى، العيد من اليات تنظيم علاقات العمل والاجور، والتى تضمن حمايه العمال وحقوقهم، وتحقيق عداله الاجور،المتضمنه لقدرتها على اشباع حاجاتهم المتجدهه. ومن هذه الاليات:
اولا: فى اصول المنظور الاقتصادى الاسلامى:
اقرارالحق في الأجر العادل : اقر المنظور الاقتصادى حق العامل في الأجر العادل ، وهو ما يستدل عليه من ربط القران و السنة بين العمل والأجر،كما في قوله تعالى( قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) ( القصص : 25
) ،كما يستدل عليه من قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم)( ثلاثة أنا خصمهم يومالقيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ثم لم يعطه أجره)، وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم)(أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه )(رواه إبن ماجه.
اقرارحق عدم الإرهاق لدرجه الإضرار: كما اقر حق العامل في عدم إرهاقه إرهاقاً يضر به و بصحته أو يجعله عاجز عن العمل ،وهو ما يستدل عليه من دعوه القران إلى التيسير ونهيه عن التكليف بما لا يطاق كما في قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وكذلك قوله تعالى على لسان شعيب (عليه السلام)( وما أريد أن أشق عليك ) ( القصص 27 )، وكذلك ما جاء في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 52) عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ! فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) .
اقرارحق الشكوى و التقاضي : كما اقر حق العامل في الشكوى للتقاضي ، وهو ما يمكن استنباطه من قوله تعالى ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) ( غافر :
31 ) ، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( اتقوا المظلوم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ).
اقرار حق الضمان : كما اقر حق العامل في الضمان، وهو تعويض الضرر الذي يصيبه في العمل، وهو ما يستدل عليه من تقرير القران والسنة لمبدأ الضمان أو المسؤليه المدنية كما فى قوله تعالى ( ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) ( النساء : 92 ) ،وقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )( طعام بطعام وإناء بإناء ) .
حق الحصول على الحقوق المشترطة: كما اقر حق العامل فى حصوله على الحقوق المشروطة في حق العمل ،وهو ما يستدل عليه من قول الرسول( صلى الله عليه وسلم)( المسلمون على شروطهم )(رواه البخاري).
اقرار حق عدم التمييز إلا على أساس الكفاءة كما اقر حق العامل فى عدم تمييزه عن غيره من العمال إلا على أساس الكفائه، وهو ما يستدل عليه من قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )(أنزلوا الناس منازلهم )(رواه أبو داود).
اقرار حق الراحة : كما اقر حق العامل في الراحة و العطل(الأسبوعية، الشهرية ، السنوية ) ، وهو ما يستدل عليه من النصوص التي تنهى عن إرهاق العامل كما في قوله تعالى (وما أريد أن أشق عليك )(القصص:27)، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم )(إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده ، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم). .
ثانيا: على مستوى فروع المنظور الاقتصادى الاسلامى: اما على مستوى فروع المنظور الاقتصادى الاسلامى الاجتهادبه ، التى مصدرها النصوص الظنيه الرود والدلاله، ،فقد اجتهد العلماء و الفقهاء المسلمين ، فى وضع العديد من اليات تنظيم العمل والاجور، بما يضمن حمايه العمال وتحقيق عداله الاجور. وهنا يجب تقرير جواز الاخذ باليات التي قررتها المواثيق الدولية، أو المجتمعات الأخرى، بشرط عدم تعارضها مع أصول الدين- على المستوى النظرى - ،وواقع المجتمعات المسلمة - على المستوى العملى-
خاتمه: الرد على دعاوى دعاه عدم زياده الاجور وحدها الادنى او تدخل الدوله لضمان عدالتها :
• مقوله عدم تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور ، تجاوزها الموقف
الليبرالى – الرسمالى من العمل والاجور على المستوى العملى التطبيقى، فضلا عن التطور الفكرى فى المجتمعات الراسماليه على المستوى الفكرى.
• القول بتدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور بما يضمن حمايه العمال
ونحقيق عداله الاجور ليس مقوله شيوعيه ، بل هى من صميم المنظور الاقتصادى الاسلامى، على مستوى اصوله النصيه الثابته وفروعه الاجتهاديه المتغيره، اسس له على المستوى العقدى،ووضع اليات متعدده له، قبل قرون من نشوء الفكر الاقتصادى الغربى الحديث والمعاصر بمذاهبه المتعدده الاشتراكيه والرسماليه،وبالتالى لايمكن اتخاذ التقاء المنظور الاقتصادى الاسلامى مع الفكرالاقتصادى الاشتراكى بمذاهبه المتعدده بما فيها المذهب
الماركسى- على المستوى النظرى- فى اقرار تدخل الدوله لتنظيم علاقات الفعمل والاجور- كذريعه لرفض هذا التدخل.
• الموقف الاسلامى السليم والصحيح - والذى يعبر عن جوهر المنظور
الاقتصادى الاسلامىومقاصده وغاياته- هو الدفاع عن تدخل الدوله لتنظيم علاقات العمل والاجور لحمايه العمال وحقوقهم وتحقيق عداله الاجور، المتضمنه للزياده الدوريه لها ولحدها الادنى بمايضمن اشباع حاجات العمال المتجدده.
• مقوله عدم زياده الاجور وحدها الادنى الا عند توافر كل شروطها
اللازمه ، كلمه حق اريد بها باطل، فهى لا تكون مقبوله الا عند من يقر اولا بضروره تحقيق عداله الاجور ،المتضمنه لزيادتها وحدها الادنى بصوره دوريه، لضمان اشباعها لحاجات العمال المتجده، اما عند من يرفض ذلك فهى مجرد ذريعه لرفضها. فضلا عن خلط البعض بين ما هو ممكن" زياده الاجور لضمان اشباع بعض الاحتياجات – وليس كلها-". وما ينبغى ان يكون" زياده الاجور عند توافر كل شروطها اللازمه، بما يضمن اشباع كل او اغلب حاجات العمال".

______________________

للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان (http://drsabrikhalil.wordpress.com).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////