في خِضم بحر لُجّي تتلاطم أمواجه بأحداث مفصلية، وظرف محوري، ومنعطف فيْصَلي تمر به بلادنا، يطلّ علينا الصادق المهدي، محاولاً تصدر الأحداث، وركوب الموجة ليس فقط بدون مساهمة في الثورة علي الأرض، بل بتبخيس الناس أشياءهم. ولم ينس، كدأبه دوماً، أن يثير من القضايا ما نحسبه ضرباً من التجريد والترف في هذا الزمان وهذا المكان. يحدثنا المهدي في أول لقاء له عن الاحتباس الحراري، أمر كان أولي أن يثيره في نادي مدريد، أو منتدي الوسطية، أو في إحدى المحافل التي يحرص أن يؤمّها بانتظام، لا في وطن منكوب أزماته الأساسية هي انعدم الكساء والدواء والغذاء والحرية. والمهدي إذ يثير شؤون كهذه، إنما يقوم بإشباع نزوة النرجسية، وشهوة تضخيم الذات، وارضاء الوهم بأنه زعيم عالمي يهتم بقضايا الكوكب، وأن تتناقل وسائل الإعلام تصريحاته، التي يظن أنها تثير الدهش لأنه متابع لـ / ومتهم بأمور الكون برمته. والصادق، للأسف، إما يغفل أو يتغافل أن الزعامة العالمية لأي سياسي مصدرها الداخل لا الخارج، بما أنجز القائد لوطنه، كما نري في القادة الذين تبوؤا تلك المنزلة: جواهر لال نهرو وفيدل كاسترو ونيلسون مانديلا. بينما نجد إنجازاته كحاكم، كرئيس وزراء أسبق وسابق، وخارج الحكم، صفرا.

في تبخيس أشياء الناس، جاءت الطامة الكبرى، حين وصف موجة التظاهرات الحالية ببوخة المرقة، وأن بوخته مستمرة! قول يفتقد الرزانة والرصانة، ولا يليق بشيخ بلغ من الكبر عتيّا، العقد التاسع من عمره، وقول مُشبّع بالذكورية. وفوق هذا، والأهم، أن هذا المقاربة تعني أن مدّ التظاهرات الحالية هي أمر طارئ أو مؤقت أو عابر، أو محدود وثمة نهاية وشيكة له غير تلك الموضوعية الحتمية. مثلما يحمل استخفافاً وازدراءاً لما قدمه الشباب من شهداء وجرحي وأُساري، بينما لم نر مثقال ذرة من عمل أو تضحية لتلك البوخة المستمرة طيلة ثلاثين عاماً. كل الذي عهدناه عنده شعارات خاوية "الجهاد المدني" و"تذكرة التحرير" و"التراضي الوطني" ...إلخ. وكل ما عرفناه عنه أنه شخص عالي الضجيج كثير العجيج، ناقص الفعل عديم العمل، رمادي المواقف. وما الذي يمكن أن يوضح ذلك أكثر من قوله للإعلاميين بدار حزب الأمة بالأمس، أنه لم يمنع أي شخص يريد أن يخرج للتظاهر، وأن المجال للرأي والرأي الآخر متاح حسب دستور الحزب! فهذا ليس فعلاً بل غضّ طرف عن الفعل - ربما علي مضض - وليس مبادرة يحضّ فيها قواعده للخروج والتظاهر. أثار هذا التشبيه والاستخفاف سيل العَرِم من سخط علي منصات التواصل الاجتماعي، احتوي علي مداخلات لاذعة ورسوم كاركتورية، ضمنها رسم له وهو يجلس في حفرة دخان، متدثراً بشمْلة!

كان يفترض أن يكون الصادق أكثر شراسة من بقية القوي السياسية في معارضة الانقلاب في مهده، إذ يفترض أن يمتزج لديه الذاتي بالموضوعي، كون أن الحكم أُنتزع من يديه. بيْد أن خلافه – كإسلاموعروبي - مع الإنقاذين لم يكن قطّ خلافاً مبدئياً في يوم من الأيام: بين مغتصب للسلطة ومنتخب ديمقراطياً، بين مؤمن بالديمقراطية وثان بالشمولية. وخير دليل علي ذلك، أنه عرض، غداة الانقلاب في 1989، علي الانقلابين مساومة، قائلاً لهم "معكم القوة ومعي الشرعية" آملاً أن يبرم تحالفاً معهم. فالقوة، لمن ألقي السمع وهو شهيد، في الشرعية وليست في البندقية. وشاهدنا كيف حين بدت نُذر ثورة سابقة أنه قال أنها "ستتبع النهج الدموي الذي حدث في سورية وليبيا"، مثلما شاهدنا كيف أُوصِد مسجد الأنصار عندما حاول الشباب الاستجارة به. والحق أن النظام في هذا الظرف يعلم علم اليقين أن المهدي لن يحرّك قواعده، وسيقوم بتمييع الصراع، وإلا لما سمعنا عن ترحيب المؤتمر الوطني بعودته، ولا ما سُمح له بدخول مطار الخرطوم عبر صالة كبار الزوار.

الصادق تجاوزه العصر، وتخطته الأحداث، حتي علي مستوي قواعد حزب الأمة، كما يبدو من تقديم استقالاتها بعد أن تلكأ في حضها للخروج إلي الشارع. وهو أمر يتكرر، فمن ذا الذي لا يتذكر مدي الإحباط الذي أصابها حين هتفت لإسقاط النظام، وكانت ترتقب أن يحثها علي الثورة، فخاطبها قائلاً "أنتو جيتو عشان تسمعوا ولا تتكلمو". ولعمري ما هكذا يُخاطب هذا الجيل، جيل حفدته، جيل الألفية الثالثة الذي - كما الحال في كل العالم - قد تسلّح بالوعي والمبادرة والإرادة، جراء انفجار ثورة الاتصالات والمعلومات والإلمام بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية ، وبات متمرداً علي النخب التقليدية التي تعاني الفصام مع طموحاته ورؤاه وشؤونه وشجونه. ونحن في السودان نريد قائداً يأكل الطعام الذي نأكل ويمشي في الأسواق التي نذهب، لا قائداً يطلّ علينا من برج عالٍ، وثقافة ارستقراطية من لعب التنس والجودو وركوب الخيل، والاحتفال البذخي بعيد ميلاده.

لقد ظلّ هذا الصادق، مذ الستينيات مُزعزعاً للديمقراطيات، مُجهضاً للثورات، عاملاً أساسياً في حالة اللااستقرار في السودان. أعلم أن طائفة من القرّاء الكرام لتعتقد أن هذه السطور كان الأجدر أن تُكرس عن النظام بدلاً عنه. غير أن هذه الثورة ليست علي النظام فحسب، بل هي ضد النظام القديم البالي الذي لن تجد رمزاً يمثله أفضل من المهدي. بل لا يجوز أصلاً وصفها ب"ثورة" إن عادت بالنظام التليد، كما شهدنا في ديمقراطية الصادق، التي كانت امتداداً للنظام السالف للجبهة الإسلامية بمصارفها ومؤسساتها وبقوانينها السبتمبرية (القاء قوانين سبتمبر في مزبلة التاريخ). وإني لأعدكم بأن أول ما سيساهم به الصادق، المولع بالتسميات، وبمرجعيته السلفية، عند سقوط هذا النظام، أن يُسمي الثورة ب"ثورة ربيع الأول" إن سقط في هذا الشهر، أو "ثورة ربيع الثاني" حالة انهياره في الشهر القادم!

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.