د. النور حمد

لا تمكن المزاوجة، ولا التوليف، بين الفكرة العلمانية، والفكرة الدينية، في مستوى التصورات الفقهية المدرسية للدين، وإنما على مستوى الرؤية الروحانية الكلية، اللّامة، المبثوثة في جميع الأديان، على اختلافها، وكذلك، في مرتكزات البنى المجتمعية، التي تأسست، منذ فجر الخليقة،

لقد تنبه علماء الاجتماع، وعلى رأسهم ماكس ڤيبر، منذ القرن التاسع عشر، إلى دور الدين العضوي في المتشكل الاجتماعي البشري. يقول عزمي بشارة، إن ماكس ڤيبر لم يخالف ماركس، في التأكيد على أهمية الاقتصاد، في التحكم بحياة الناس. غير أن دراسة ڤيبر للظروف 

عبارة "تحكيم شرع الله"، ظلت، لعقود طويلة، هي العبارة السحرية، التي استطاعت تيارات الإسلام السياسي أن تحشد بها، سياسيًا، قطاعًا عريضًا من الجمهور المسلم، وتحصره بها في جيب التبسيط. وهكذا، نشأ التصور، بأن ما دُرج على تسميته، تاريخيًا، "الشريعة الإسلامية"

سأحاول، في هذه الحلقة الخاتمة، تقديم تلخيصٍ موجزٍ لهذه الأطروحة التي أسميتها "في تشريح العقل الرعوي". وبطبيعة الحال، لم تستقص هذه الحلقات موضوعها كما يجب، وما كان ينبغي لها. فقد أحاطت بها قيود الكتابة الصحفية الأسبوعية الراتبة. ومع ذلك فقد رسمت، بصورة مطولة

كنت قد بدأت في الحلقة الماضية تقديم بعض الأمثلة من حياتنا، التي تعكس سيطرة بنية العقل الرعوي على مسلكنا. وسأمضي في هذه الحلقة لتقديم المزيد منها. والغرض من الأمثلة هو تسليط الضوء على بعض العلل المُقْعِدة، على مستوى المسلك الشخصي، 

تحدثت في الحلقة الماضية عن ظاهرة الإنكار المستشرية وسطنا، نحن السودانيين. وأبدأ بمثال يعكس بقية واقع الحال، رغم ما يتسم به من شطط، وهو انكار الإسلاميين، ومكابرتهم في الاعتراف بفشل تجربتهم التي بلغ عمرها الآن سبعة وعشرين عامًا،

لا تحتاج ظاهرة غلبة الثقافة الرعوية على بنيتي الوعي في السودان والصومال، في تقديري، إلى جهدٍ في إقامة الشواهد. فحال البلدين الآن، يحكي عن تجسيدهما لهذه الظاهرة، بأفضل مما يمكن أن يحكيه أي باحثٌ أو محللٌ، أو حتى مجرد واصف.