د. النور حمد

لم يكن غريبًا، أن قُوبلت ثورة ديسمبر 2018، منذ اندلاعها بسلسلةٍ متصلةٍ من محاولات الإجهاض. فما من ثورةٍ، في التاريخ، إلا وقامت بإزائها ثورةٌ مضادة. ظل الطيف السياسي، الذي احترف المتاجرة بالدين، يعمل جاهدًا على وقف عجلة الثورة، منذ لحظات اندلاعها الأولى. بل، استخدم أبشع صنوف العنف، لوأدها في مهدها. هذا الطيف، الذي نراه اليوم، 

من أسوأ إفرازات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي استمر ثلاثين عامًا، إنشاؤه دولةً موازيةً للدولة السودانية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، التي بقيت تمارس وظائفها، في الإشراف العام على الموارد، وتدير شؤون المال العام، في كل فترات الحكم؛ العسكرية منها والديمقراطية التي عرفها السودان، حتى مجيء الإسلاميين إلى الحكم. غير أن نظام 

حفلت الخريطة الفكر/سياسية، العربية، منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، بتناقضاتٍ جمة. وبنظرةٍ سريعةٍ للتاريخ الفكري والسياسي للمنطقة العربية، خاصةً المتعلق بالجماعات الدينية المسيَّسة؛ كالمذهب الوهابي السلفي، الذي تأسست عليه المملكة العربية السعودية، والفكر الإخواني، الذي ظل يسعى إلى تسلُّم السلطة في العالمين العربي 

ربما لا يعلم كثيرون، من غير السودانيين، حدة العداء التي واجهت بها الحركة الإسلامية السودانية، حركة الفنون والآداب في السودان، وما قامت به من عمليات تجريفٍ ممنهجةٍ لإضعافها من جهة، وتدجينها واستتباعها، وتطويعها لخدمة الإيديولوجيا الإخوانية السودانية، سلفية الجذور والطابع العام، من الجهة الأخرى. ظل

انشغلت الأوساط السياسية السودانية، في الأيام القليلة الماضية، بحدثين: الأول، إصدار رئيس مجلس السيادة، الفريق عبد الفتاح البرهان، قرارًا يقضي بتبعية الهيئة القومية للاتصالات إلى وزارة الدفاع. وهي جهازٌ كان يتبع، في السابق، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. الغريب أن القرار، على الرغم من الإعلان عنه في الأيام القليلة الماضية، 

صحونا، نحن السودانيين، بعد ثلاثين عامًا، لنكتشف أن رجلاً يفتقر إلى أدنى مقومات الزعامة من امتلاكٍ لقدرٍ معقول من الشعور بالكرامة الوطنية والشرف وكبرياء النفس وعزّتها، هو من ظل يتحكّم في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ في شؤوننا، طوال تلك السنوات الثلاثين الكالحة التي لم ير السودانيون ما هو أكثر سوءًا منها، في تاريخهم القريب. كان رأي معظم 

القول إن المصالح لا المبادئ هي ما ظل يتحكّم في توجيه سلوك الحكومات، ربما يدخل في صنوف الأحاديث المستهلكة، المعادة. ومع ذلك، يمكن القول إن مجافاة المبادئ واتباع بوصلة المصالح قد بلغا في وقتنا الراهن، مبلغًا مزعجًا. ولا تنطبق مجافاة المبدئية هذه على الأنظمة الشمولية وحدها، كما قد يتبادر لبعض الأذهان، وإنما تشمل أيضًا الديمقراطيات