كلمة "البوبار" كلمة عامية وتقابل، من حيث المعني، كلمتي "الفشر"، و"الفشخرة"؛ وكلها تعني الميل إلى المباهاة، بما يملك المرء، وبما لا يملك. وحياتنا السودانية مليئة بمظاهر "البوبار"، و"الفشر"، و"الفشخرة"، خاصة من قبل الموسرين، كما في احتفالات الزواج، خاصة في العقود الأخيرة. وتبع غير الموسرين، الموسرين، في هذا النهج الضال، فيدخلون أنفسهم، دون حاجة، في حجر ضب خرب. يتجلى هذا السلوك المشين؛ دينيًا، وأخلاقيًا، وإنسانيًا، في بدعة حفلات صالات الأفراح، باهظة الأجرة، التي انتشرت في العاصمة، انتشار الفطر في البرية. بل تعدى "البوبار"، لدى البعض، الأفراح، فطال الأتراح، أيضا. وأصبحت خيمات العزاء مجالاً جديدًا لهذا "الفشر" المقرف، حيث تقوم شركات متخصصة في الضيافة، بواجب الضيافة تجاه المعزين، على مستوى الخدمات المعروف بـ "خمس نجوم". ولا أدرى، يا ترى، ما هي الجبهة الجديدة في حياتنا، التي سوف يطالها هذا الخراب الاجتماعي المدمر، الذي ظل يزحف على مرتكزات أصول القيم لدينا، فينسفها واحدةً، تلو الأخرى؟! عمومًا، هذا هو المشروع الحضاري الذي بشرونا به. وهذه هي قيم الدين العليا التي زعموا إنهم إنما جاءوا لإحيائها. وهذه هي الثمار المرة لما فعلوا، عبر ثلاثة عقود، تتجلى في كل جزئية من جزئيات حياتنا.

كانت هذه مقدمة، عامة، موجزة، ونموذج واحد، في شؤون وشجون "البوبار" السوداني. ويهمني في هذه المقالة، بعد هذه المقدمة العامة عن "البوبار" السوداني في العادات الإجتماعية، أن أسلط الضوء، على وجه التحديد، على البوبار السياسي السوداني، الذي غرقنا فيه لعقود طويلة. ومن أمثلة هذا "البوبار" السياسي السوداني، التشدق المستمر، بمؤتمر اللاءات الثلاث، وقيامنا بالمصالحة بين عبد الناصر والملك فيصل في الخرطوم، أيام رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد محجوب. ولا يزال بعضنا "يتفشخر"، كل حين، وآخر، بذلك المؤتمر، في الوقت الذي أصبحت فيه دول المواجهة العربية مع إسرائيل تحتضن السفارات الإسرائيلية، وتستقبل كل يوم، رحلات طائرات شركة العال الاسرائيلية، المحملة بالسياح الإسرائيليين، وبالجواسيس.

ومن أمثلة "فشخرتنا"، بلا قدرات، أيضًا، علو الصوت في دعم منظمة حماس الإخوانية الفلسطينية، وجعلنا بلادنا معبرًا للسلاح الإيراني، وغير الإيراني، المتجه إلى غزة. لندفع نحن الثمن، ونصبح فضاء مفتوحا لانتهاكات الطيران الإسرائيلي، وهدفا لسلسلةٍ من ضرباته، جعلتنا، من فرط بؤس قدراتنا على الدفاع، أضحوكةً، لدى القريب والبعيد. بل، وضعنا بتلك "الفشخرة" أنفسنا هدفا لإسرائيل، ولللوبي الصهيوني، وأصبحنا في مقدمة قائمة الدول المستهدفة بالإضعاف وبالتفتيت.
أما المثال الثالث من "الفشخرة السياسية السودانية"، فهو إرسال جنودنا، ليصبحوا طرفا في حرب أهلية تدور بين اليمنيين داخل حدود بلدهم. وهي حرب تدخلت فيها السعودية، والإمارات، لحسابات متضاربة، متقاطعة، متصادمة. فيوم أن قررت الحكومة السودانية زج الجنود السودانيين في محرقة اليمن، نهض الناطق الرسمي باسم قواتنا المسلحة، فهلل وكبر، وأعلن أن السودانيين آتون لحماية الحرمين الشريفين. فامتلأت الطائرات بالجنود الذين جرى انزالهم بمعداتهم في اليمن، تحت تغطية إعلامية كثيفة، حتى ليخال من يسمع تلك الهبة العارمة، و"الفزعة"، الممتلئة نخوة، أن الحوثيين قد أطبقوا على شعاب مكة. وللمرء أن يتساءل هنا، هل نحن أقوى جيشا، وأغنى، وأكثر سلاحا، ونفرا، من باكستان، وإندونيسيا، ومصر؟ وهي تعتني بنا السعودية، والإمارات، بالقدر الذي تعتنين به بمصر، أو بباكستان؟ الشاهد، أن قصتنا في "الفشخرة"، وفي "الاستهبال"، و"الاستعباط"، الحكومي للشعب، لعجيبة حقًا!

والآن نعود لعنوان هذا المقال، حول "البوبار وتجنيس الأجانب". فقد حملت الأنباء في الأسبوع الفائت حدوث مشاجرة بين سودانيين وسوريين في ضاحية كافوري، استُخدمت فيها، بلا إصابات، أسلحة نارية؛ من طراز "كلاشينكوف"، ومسدس صوتي، وسواطير. ولا تهمني هنا الحادثة، في حد ذاتها، فهي مما يمكن أن يحدث في أي حارة، أو أي طريق عام. لكن همّني حمل الشخص المدني للسلاح، خاصة من جرى تجنيسه مؤخرا، دع عنك أن يكون ذلك السلاح بخطورة رشاش "كلاشينكوف. وما أحب أن أشير إليه هنا، بصورة أخص، إنما هي هذه "الفشخرة"، الغثة، الجاهلة، في منح الجواز السوداني. وما ظللنا نمارسه من جنوح للتباهي، لنقول للعرب: "أنظروا إلى إنسانيتنا، وكرمنا، وأريحيتنا، وتفوقنا عليكم"، وكأن العرب اليوم يمثلون تجسيدا لذلك الكرم البدوي الخام، وتلك الأنماط من الأريحية العاطلة، المُعطِّلة، التي نجد نماذجها في بطون كتب التراث. فيقيني، الذي لا يخالطه الشك، أن العرب اليوم يسخرون مما نفعله، ويعدونه مجرد جنوحٍ عاطفيِّ لأمةٍ لا تزال تعبر طور المراهقة.

كعادتنا في الفشخرة، التي كانت، في الماضي، فشخرة بريئة جاهلة، وتحولت، في عهد الانقاذ، إلى فشخرة مدروسة، لها أجندتها السياسية، فقد علت نبرة، "نحن، دون غيرنا، الذين قبلنا السوريين، دون قيد أو شرط، وساويناهم بالمواطنين السودانيين". وبالفعل حصل السوريون على الجواز السوداني، دون المرور بفترة اختبار كافية. فالدول التي تحترم نفسها، وتحترم سيادتها، وأمنها الوطني، لا تمنح جوازاتها منذ الوهلة الأولى، لأيٍّ كان، وبهذا الارتجال الفطير الخطير. فالدول العربية التي استضافت اللاجئين السوريين، من دول جوار سوريا، مثال؛ تركيا، ولبنان، والأردن، قبلتهم كلاجئين، ووضعتهم في مخيمات اللاجئين، ليقوم المجتمع الدولي بواجبه تجاههم إلى جانب الدولة المضيفة. أما نحن فقد فتحنا لهم البلاد، دون قيد أو شرط، وساويناهم في نوبة "فشخرة" عارمة، بالسودانيين، لنتفاجأ بهم وهم يحملون الكلاشنكوف، والسواطير، وعشرات الآلاف من الدولارات، ويطلقون النار في الهواء، في مشاجرة، في الطريق العام، في واحد من أرقى أحياء مدينة الخرطوم.

هناك شروط صارمة لمنح الجواز، في كل بلدان العالم. ولقد كان السودان، قبل فوضى الانقاذ العارمة، هذه، يسير على نفس المنوال، الذي تسير عليه بقية دول العالم. فالدول العربية، كما نعلم، لا تمنح جوازها للغريب، إلا في حالات استثنائية نادرة. أما الدول الغربية، التي عُرفت بمنح جوازاتها للغرباء، فهي لا تمنحها إلا بعد أن يجتاز طالب التجنيس الشروط الأولى، ثم تليها فترة يمر فيها المتقدم للجواز بفترة اختبار، تصل في بعض الدول لعشر سنوات. ففي البدء يحصل الشخص على ما يسمى "الإقامة الدائمة". بعد ذلك يمر بفترة اختبار كافية، يحصل بعدها على الجنسية، ثم يصبح من حقه، أن يستخرج الجواز.

الحكمة وراء فترة الاختبار أنها تتيح للطرف الحكومي أن ينظر في السجل الجنائي الذي تراكم، لطالب الجنسية، سواء كانت نتائج ذلك السجل سالبة أو موجبة. وبنفس القدر تتيح تلك الفترة أن يتراكم لطالب الجواز سجل ضريبي، وذمة مالية في تعاملاته مع المؤسسات المالية، والعقارية، وغيرها. بناء على نتائج فترة الاختبار، تلك، يتقرر ما إذا كان الشخص قد أثبت حسن سير وسلوك، ومصداقية تؤهله للحصول على الجواز، أم لا. لكن أن تمنح دولة ما، كما يفعل السودان الآن، جوازها للقادم، منذ البداية، وبدون معرفة كافية بالشخص المتقدم، فهي إما سذاجة بالغة، وجهل بالعواقب، وبالكيفية التي تُدار بها الدول، وتُحمى بها السيادة، ويحرس بها الأمن الوطني، أو أن هناك غرضًا ما، غالبًا ما يتمثل، حصرا، في الاتجار بالجواز السوداني. وهذا هو ما تدور حوله التكهنات، ويتردد حوله الهمس، وتتكاثر إليه الإشارات حاليا.

تختلف الشعوب في عاداتها وتقاليدها وأمزجتها، وأنماط سلوكها. ولذلك لابد من التعامل بحذر كاف مع الأجنبي الطالب للتجنس بجنسية بلاد جديدة. فإدماج الأجنبي في مجتمع هو ليس مجتمعه، وفي ثقافة هي ليست ثقافته، ليس أمر سهلا. بل هو أمر يمكن أن تترتب عليه نتائج أمنية واقتصادية واجتماعية، بالغة الخطورة. ولذلك، ينبغي أن نتعامل مع التجنيس بحذر شديد، وأن نحيطه بكل الضوابط الممكنة، وبالتوعية والتدريب، التي تجعله لا يتسبب في حدوث اضطراب اجتماعي. فإدماج الأجانب في المجتمعات المحلية لا يتم بمثل هذه الفجائية وبمثل هذه الأعداد الضخمة؛ (مئة ألف سوري دفعة واحدة، وفي مدينة واحدة تقريبا!)، وفي بلد يعيش فقرا مدقعا. فكل ما يتعلق بتجنيس السوريين في السودان، يقول وبأعلى صوت، إن وراء أكمة هذا الفعل الغريب، ما وراءها!

حين تكون الدولة دولة أمنية، ينفرط عقد كل شيء، لأن فرص الرقابة عن طريق العمل الصحفي في التحري والاستقصاء الحر، وفي فرص إحكام الرقابة الشعبية، على الأداء الحكومي، تقل، بل وتنعدم. ومن هنا، يصبح الفعل الحكومي، بلا رقابة، ولا محاسبة. وفي مثل هذه المناخ المشبع بعدم الشفافية، تنشأ إمبراطوريات صغيرة متعددة، من الفاعلين الحكوميين، في مختلف دوائر العمل الرسمي، يصبح همها الرئيس الثراء السريع عن طريق الفساد، وتجاوز النظم والضوابط. وكما سبق أن ذكرت في مسلسلتي "العقل الرعوي"، فإن الدولة السودانية ظلت تُعامل كغنيمة، وكمورد للثراء الشخصي، وللمجد الشخصي، منذ قرون. وقد جرى بالفعل، منح الجواز السوداني في منعطفات مختلفة، منذ الاستقلال، لكثيرٍ من غير السودانيين، لأسباب مختلفة، وقف وراء كثير منها، الغرض السياسي، والفساد الإداري. أما ما أوصلت إليه الانقاذ الفوضى الإدارية، والنخر في جسد الدولة، وتدمير مقومات تماسكها، فهو غير مسبوق، على الإطلاق، في تاريخنا السياسي المعاصر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.