عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

            حين يستمع المرء إلى قنواتنا التلفزيونية وإذاعاتنا الحكومية، وهي تكرر رسائلها الإعلامية التي استعاض بها حكامنا، عن الفعل القاصد إلى إحداث تغيير حقيقي يخفف معاناة الناس اليومية، ترتسم في ذهنه، في لحظات الانجراف مع النفس الدعائي، صورةً ورديةً لأحوال البلد، ولمستقبلها. ولذلك، فلربما ركن هوناً ما، إلى الإحساس بروح الأمل تأخذ في السريان بين جنبيه. والإنسان إنما يحيا بالأمل، ولذلك فهو لا ينفك يأمل. بل إن الإنسان ليأمل حتى في أحرج المواقف، وفي أكثر الأحوال مبعثاً  لليأس، وقتلاً للأمل! وقديماً قيل: ((ما أضيق العيش، لولا فسحة الأمل)). وبما أنك عزيزي القارئ مؤمن، مهما كانت ديانتك، أو معتقدك، والمؤمن صديقٌ، ومتفائلٌ بالخير، فإن تأثيراً من نوع ما سوف يصيبك بفعل رسائل التفاؤل التي يلقيها على مسمعيك وناظريك الإعلام الحكومي، المُسبِّح صباح مساء بحمد حكومته. هذه الرسائل المعادة هي واحدة من وسائل النظام، لشراء الوقت، مثله مثل غيره من الأنظمة مانحة الشرعية لنفسها بنفسها. يتم بث تلك الرسائل بلهجة واثقةٍ، رنانةٍ، فخيمةٍ، تبعث على الثقة. ولتلك الرسائل تأثير شبيه بتأثير المخدر، لكونها قد صُمِّمت لتخاطب التكوين النفسي للفرد السوداني، والفرد السوداني يجنح بطبعه للتصديق، وتلك فضيلة عظيمة، طالما جرى استغلالها، من قبل الحاكمين أسوأ استغلال. ترد تلك الرسائل أحياناً، كرسائل تعبوية، كما ترد أحياناً أخرى على شفاه المسئولين وهم يشرحون الأحوال، ويبشرون بالمستقبل المضيء، في البرامج الحوارية. تجعل تلك الرسائل المستمع والرائي يحس بأن الأمور في طريقها لكي تصبح على حالٍ أفضل. والمستمع والرائي اللذان لا يملكان الأدوات الفاحصة، ولا يعرفان حقيقة "البئر وغطاها"، ربما سقطا بفعلها، في هوةٍ من الضلال البعيد، فيما يتعلق بمآل البلاد ومستقبلها!

حين يسمع المرء، على سبيل المثال، شعار قناة الشروق القائل: "وبكره أحلى"، وهو شعارٌ يتضمن تأكيداً على أن ما هو قائم الآن، "حلوٌ" بالفعل، وأن الأكثر حلاوةً قادمٌ في الطريق، فإن قلبه لا يملك إلا أن يميل، هوناً ما، إلى التصديق، ويصبح، من ثم، أكثر استعداداً لمنح الحكومة مهلةً، تنجز فيها الوعود المزوقة المعلقة. غير أن الحكومة، فيما بدا لنا عبر عشرين عاماً من الحكم المتصل، لا تريد، في حقيقة الأمر، أكثر من شراءٍ متصلٍ للوقت! فهي فيما بدا لنا لا تتعب أبداً من محاولات شراء الوقت، وإعادة شرائه. ولا بد أن الحكومة، قد أيقنت، وهي تمارس هذا النوع من الختل، والتسويف الطويل، أن المواطن في حقيقة أمره، ليس سوى "اضينة"، يمكن غشه مرةً بعد أخرى، وإلى ما لا نهاية. هذا النوع من الاستخفاف بالمواطن، والعمى عن حقائق الواقع، والجهل بالتاريخ، وبسِيَر الأنظمة المتسلطة، هو عين ما عصف بالأنظمة المخاتلة الجائرة وأهلها، في الماضي. وكان آخر تلك الأنظمة نظام العصبة التكريتية في العراق، التي لم تتعلم شيئاً حتى وقعت الفأس في الرأس.

تقول عبارة وردت على قلم الأستاذ محمود محمد طه: ((إن آجلاً، لا يبدأ عاجلُه اليوم، ليس بمرجو!)). وعليه فإنه من المتعذر جداً، بل ومن المستحيل، استبقاء الناس بالكلية في وهم الانتظار بأن الخير سيجيء مع مجيء الغد! ولذلك اصبروا، ولا تحزنوا من فراغ الحاضر من أي شيء! ولكن حقائق الأمور تقول: لو كانت الحكومة تسير حقاً، في طريق تحقيق الخير للناس، فإن طرفاً من ذلك الخير، لابد أن يصيب الناس، منذ ضربة البداية. فللبداية الصحيحة مردود وقتي يحسه الناس، في حيواتهم، بعد فترة وجيزة من ضربة البداية. هذا المردود الوقتي، هو الذي يؤكد سلامة المسار، وسلامة نوايا الحاكمين، وصدق مقاصدهم! وهو الذي يعطي الناس فرصة التعلق بأملٍ حقيقي، لا أملٍ مضلل.

في مثل هذا الوقت العصيب الذي نمر به الآن، حيث تقف البلاد على حافة مخاطر انفصال الجنوب، وازدياد قلق المواطن من ذهاب بصيص الأمل، الذي دخل حياته، لعلمه بأن البلاد أصبحت تستخرج البترول، وتصدره، كما تستخرج المعادن وتصدرها، يزداد نشاط مروجي الدعاية الحكومية في اجتراح محاولاتٍ جديدةٍ لشراء الوقت، وفتح نوافذ جديدة لبيع الجمهور شيئاً يبقي بصيص الأمل في نفوسهم. يعرف هؤلاء المروجون أن المواطن سيصاب بالكثير من هبوط المعنويات، نتيجة لما أصبح في حكم المستيقن بأن موارد الحكومة سوف تنكمش انكماشاً معتبراً، في حال استقلال الجنوبيين بدولتهم. ومع قدوم الانتخابات، وقرب الاستفتاء حول مصير الجنوب، وازدياد تعقيد الأحوال السياسية في السودان، وازدياد مخاوف الحكومة من فقدان الجمهور الذي ظل يأمل في أن يستظل في المستقبل القريب بظل "الدولة النفطية" الوريف، كما استظلت شعوب أخرى قبله، يتفتق ذهن الحكومة عن حيل جديدة، تتضمن نشر آمالٍ عراضٍ جديدة، وشراءٍ للوقت جديداً أيضاً!

تصدرت صفحات الصحف قبل أيام خطوط عريضة، معلنةً أن بئراً نفطية تم حفرها في البحر الأحمر. كما ورد في الأنباء أيضاً، أن ذهباً تم اكتشافه في موقعٍ جديد! غير أن رد الفعل الشعبي كان باهتاً جداً. تعامل الجمهور مع تلك الأنباء، وكأنه يقول: ((إنها شنشنةٌ نعرفها من أخزمٍ))!! عبر ما أعلنته الحكومة، علي مسامع المواطنين، مثلما تعبر سحابة الصيف. لم ير الجمهور ما تم إعلانه سوى محاولة جديدة، من تلك المحاولات المستميتة التي تعمد بها الحكومة إلى شد حبال الأمل بينها وبين الجمهور، محاولة طمأنته أن قضمة الجنوب الكبيرة من كيكة النفط، في حال انفصال الجنوب، لن تؤثر في الآمال والوعود بغدٍ أفضل. وهي آمالٌ طالما نثرها أهل الإنقاذ على الناس، ولم يحققوا منها شيئاً يذكر. أضحى المواطن عارفاً أن تلك الآمال والوعود التي يتم بثها كل آونةٍ وأخرى، لا هدف منها أصلاً سوى أن يظل هو فاغراً فمه انتظاراً، وترقباً، للمن والسلوى القادميْن. الرسالة ًالتي تم إرسالها مؤخراً، أُرسلت لكي تؤكد أن النفط موجودٌ في الشمال، كما هو موجودٌ في الجنوب. بل، هو ليس في اليابسة وحدها، وإنما في البحر أيضاً. وليس غرضي من هذا القول، التشكيك في حقيقة الاكتشافات النفطية الجديدة، أو الاكتشافات المعدنية الجديدة. فأنا لا أعتقد أن الحكومة قد كذبت بشأن هذه الاكتشافات. وإنما ينحصر غرضي في التشكيك في إمكانية أن يكون لأي اكتشافات بترولية أو معدنية جديدة، نفعاً فعلياً، يتجسد في تحسين أحوال عامة السودانيين. أكثر من ذلك، في مثل هذه الظروف من نقص الشفافية، ونقص الديمقراطية، وتكالب المتنفذين على اهتبال فرص الثراء من المال العام، ومن ما يتيحه المنصب من فرص العمولات، وتوزيع الهبات، والأعطيات، مختلف أصنافه، على المحاسيب، واشتداد سعار بناء الإمبراطوريات المالية لدى المتنفذين، لن يصبح للاكتشافات الجديدة في النفط والمعادن، أي أثر يذكر على حياة عامة الناس. بل، ربما تعود الثروة التي يتم تركيزها في مثل هذه الظروف، في يد القلة، بخراب أكبر مما كان قائماً أصلاً. فتركيز الثروة في يد قلةٍ قليلة سيقود إلى أن تسيطر هذه القلة على كل شيء، فيقوى الاحتكار بخلق دائرة اقتصادية مركزية تصعب منافستها، مما يؤدي إلى السيطرة المطلقة على كل شيء: السوق، والإعلام، بل والآليات الديمقراطية نفسها. وهكذا يصبح المنحاز إلى السلطة في الدائرة الداخلية، حيث الخير العميم. أما غير المنحاز، وهؤلاء أكثرية، فيكون في الدائرة الخارجية، التي يضربها العوز، وقلة الحيلة، ويصبح قصارى ما تفعله، هو أن تطلق كلاماً يضيع في الهواء! من يتأمل المشهد الاجتماعي السوداني الراهن، لابد أن يلحظ أن ممالئي السلطة هم الأنضر مرأى، والأبهى هنداماً، والأنعم مركباً، والأفخم مسكناً، والأكثر أمناً مالياً. وأصبحوا هم الجالسين أمام كاميرات الإعلام، يفتون في كل شيء: في الدين، وفي السياسة، وفي الثقافة، وفي الفن، والأدب، وهم الذين يرى الناس ما يجري في أعمالهم التجارية، وما يجري في مكاتبهم، بل وفي مناسباتهم الاجتماعية، عبر أجهزة الإعلام المرئية. أما البقية من الجمهور العريض، مثقفين عتيدين ممن كانوا، حتى الأمس القريب، من الطبقة الوسطى، ومن قيادات العمل العام، أو عامة الجمهور، الفقير أصلاً، فمكانهم مقاعد النظارة، الذين لا دور لهم سوى الفرجة، وضرب كفٍ بكف.

في مثل هذه الأحوال، تسارع اتساع دائرة المطحونين، وتتحول الأمة إلى طبقتين: واحدة تملك كل شيء، وأخرى لا تملك أي شيء. تمثل الأولى أقلية ضئيلة العدد، وتمثل الثانية أغلبيةً غالبة. أيضاً، في مثل هذه الأوضاع يصبح التعليم الذي يُكسب المتعلم مهاراتٍ حقيقيةً، حكراً على الفئة الأولى، ويتحول التعليم العام إلى تجهيل مؤسسي ممنهج، وإلى آلة جهنمية لخلق قطيع مستكينٍ، عقله في أذنيه؛ قطيعٌ مكيَّفٌ على تصديق خطاب السلطة. أيضاً في مثل هذه الظروف ينعم بالعلاج المقتدرون، ويموت كثيرون بفعل أمراض لا تعد من ضمن الأمراض المميتة، كضغط الدم، وارتفاع السكر. يموت المستضعفون بهذا النوع من الأمراض وما شابهها، لا لشيء سوى لأنهم لا يستطيعون المتابعة مع الجهات الطبية، بسبب عدم القدرة على تحمل تكلفة الاستشارة الطبية، وتكلفة المواصلات، وتكلفة الفحص، وتكلفة الدواء، بل والقدرة على حفظ الدواء بطريقة تحفظ فعاليته.

استئثار القلة بحقوق الكثرة، هي ذات المعادلة التي أنشأت، بطول القارة الإفريقية، وعرضها، مدناً كبيرةً، بعمائرَ براقةٍ، ومكاتبَ حديثةٍ، فسيحةٍ، أنيقة، لا تمت بأي صلة إلى محيطها. فلقد تمكن مرتادو تلك العمائر العصرية، من تحويل ما يحيط بها من أحياء الفقراء، إلى أحزمة مترادفة من القش، والطين، والكرتون والصفيح، ترزح في الجهل، والمرض، وفي الفقر المدقع، وفي الجريمة، وفي انسداد أفق الرجاء. ولا حاجة بي إلى القول، إن المواطن السوداني الصابر، المغلوب على أمره، لم يصب، إلى الآن، شيئاً يذكر من عائدات آبار النفط القديمة، ومناجم الذهب القديمة، فما الذي يجعله يظن أن الحال سوف يتغير باكتشاف آبارٍ جديدة، أو ظهور ذهبٍ جديد؟!

السودان ليس بدعاً من الأمر، من حيث تبلد وجدان النخب، وضعفها الأخلاقي، وسماكة جلدها الذي غدا مثل جلد التمساح، وقيل مثل قدح السلحفاة. فتلك النخب لم تعد تحس أبداً بهذا المحيط الشاسع من الفقر المدقع، الذي يحيط بالجيوب الصغيرة المرفهة المترفة التي صنعتها لنفسها. فالمواطن النيجيري، على سبيل المثال، لم يجن شيئاً يذكر من نفط بلده، رغم غزارة ما يتم إنتاجه، ورغم تصدير ذلك النفط لعقود طويلة. وينطبق نفس هذا المثال على المواطن الكونغولي، الذي لم يجن شيئاً يذكر من معادن بلده النفيسة، التي ظلت تُستخرج ويتم تصديرها، عبر سني حكم موبوتو الطويلة؟! فهل يا ترى كُتبت علينا الحالة الكونغولية النيجيرية وما شابهها، بحذافيرها؟!

تزداد الثروة، فيزداد المواطن فقراً، بازدياد أسعار كل شيء، نتيجة لازدياد الاحتكار وتركيز الثروة في يد قلة. تزداد معدلات النمو، ويزداد الناتج القومي، وتطغي على مراكز المدن النزعة الاستهلاكية، وتزداد الغالبية العظمى بعداً من فرص التحولات الاقتصادية والاجتماعية. تقذ حكومتنا الخطى في طريق الخصخصة، وتمليك مقدرات الشعب السوداني للشركات عابرة القارات، ومع ذلك، لا تنفك تلعن أمريكا التي تقول عنها للجمهور إنها بؤرة الشر في الوجود، وفي ذات الوقت تنتهج ذات النهج الرأسمالي الأمريكي المتوحش، في زيادة غنى الأغنياء وزيادة فقر الفقراء!

لأخيرة تضخمت عاصمة البلاد، واتستعصت على الإدارة، وعلى التنظيم، وتدهورت أحوال الريف، فهجره أهله، وجاءوا إلى العاصمة بقضهم وقضيضهم إلى أحزمة الفقر المحيطة بها. تردت الحياة المدينية، وتردي المسلك الحضري، وتتردت أساليب قيادة المركبات في الطرقات، وتردى الذوق العام والآداب العامة، والحساسية تجاه الآخر، وأصبحت الحياة غابة يهتم فيها كل أمريء بشأن نفسه، ولا يهمه ما يصيب الغير من جراء ذلك. أيضاً تردى التعليم، وانعدم التدريب في كل شيء، وترهلت المرافق، وأصبحت اللوائح والنظم مجرد كلمات مرقومة في دفاتر موضوعة على الرفوف. أحاطت القذارة ببيوتنا وبمكاتبنا، وبشوارعنا وسائر مرافقنا. وحتى ريفنا، الذي كان حتى وقت قريب جدا، ريفا نظيفا، أصبحت كل نبتة وشجيرة فيه، معتلقاً لأكياس البلاستيك المتطايرة. من يسافر على طريق الخرطوم مدني لا يرى غير هذه الأكياس العالقة بكل جسم قائم فوق الأرض، وما يحمله ذلك من نذر الدمار البيئي الفظيع القادم. يمر على كل تلك الصور من التردي المريع، سياسيونا، وقادتنا، وينظرون إليها من وراء زجاج سياراتهم الفارهة، باهظة الثمن، وكأن تلك "البشتنة" الفظيعة، لا تعنيهم في شيء. فهم قد حصنوا أنفسهم من عوالم العامة، بتلك الكبسولات المعزولة عن المحيط، التي صنعوها لأنفسهم!

أسوأ من كل ما تقدم، هو ما أصابنا من تراجع في العقول والفهوم، وضمور المدارك، وتردي الذائقة الفنية، والأدبية، والجمالية. يضاف إلى ذلك ضعف اللغة، واتساع إناء تصالحنا مع العجز والتردي، حتى أصبح قابلاً لاستيعاب كل مزيد يأتي من تلك الوجهة المنذرة بالخراب! وهكذا تستمر حالة الهبوط من درك إلى درك أدنى منه، و"كل عامٍ تُرذلون". ومع ذلك تستمر الدعاية الإنقاذية مرددة: "وبكره أحلى!!" فهل ما أصابنا حتى الآن من مقدم استحقاقاتنا على الإنقاذ من وعودها التي وعدتنا بها، فيه أي بصيص يشير، ولو من بعيد، إلى أن غدنا سيكون أفضل من يومنا؟!!

يعلم السودانيون، علم اليقين، أن بلادهم ليست فقيرة، وإن كل الفقر الذي يعانون منه إنما مرده إلى فقر عقول قادتهم وفقر أخلاقهم، وفقر عزائمهم. ومع ذلك، تستمر الرسائل الإعلامية التي تخدر المواطن لتشتري مزيداً من الوقت للحكام! أحاط الفشل بالحكومة إحاطة السوار بالمعصم، فلجأت إلى الرسائل المصحوبةً بفنون الغرافيك البصرية الملونة المؤثرة، وبالموسيقى الشجية الباعثة على الأمل، القادحة لروح التفاؤل. ولكن، ما أن يخرج المرء من عالم الشاشة، ومن تزويقاته، وألوانه، وموسيقاه، ومذيعيه، ومذيعاته، المهندمين، "الممكيجين"، لامعي الوجوه، ويلتفت إلى الواقع الكئيب، البالغ الشحوب، الذي تأخذ فيه المصاعب برقاب بعضها بعضا، ويتملكه العجز من جميع أقطاره، تطير منه "سَّكرة الشاشة" وتحل محلها "فَكْرَة الواقع" المريع!

عشرون عاماً من الحكم أكثر من كافية يا أهل الإنقاذ. فاجلسوا وأمعنوا النظر في مشواركم الكابوس. يقول المثل: ((الناجحة من عشها زوزاية))، وها أنتم قد أكملتم عامكم العشرين، رئيساً ومرؤوسين، ولا تزالون تريدون المزيد! فكم يا ترى يكفيكم من السلطة، ومن المال، ومن الوجاهة، حتى تفسحوا لبقية السودانيين، ممن لا يشاطروكم رؤاكم، ونهجكم، وهم الأكثرية، لكي يكون لهم صوت حقيقي في رسم مستقبل بلادهم؟! تعوذ النبي الكريم من عدة مذامٍ، منها: القلب الذي لا يخشع، والنفس التي لا تشبع. فكم تحتاجون لكي تعرفوا أن وفاضكم قد خوى؟! فكروا قليلاً، وأخرجوا من سكرة السلطة، ومن غش النفس لصاحبها، واهتدوا بهدي نبيكم الذي لم يجعل للدنيا فرصةً واحدة تنال بها شعرةً منه، وأعلموا أن ذلك النبي العظيم، الإنسان، لا يقبل القرابين البائسة، الضحلة، من شاكلة قناة "ساهور"، وإنما يقبل من القرابين ما يتعلق بإصلاح أحوال الناس، في معاشهم ومعادهم. يقول متصوفة السودان: ((ما في دين بلا عجين!)). فمتى ستؤتون الناس عجينهم، ليصح لهم دينهم؟! فلقد أهلك الناس طول المسغبة، وأتلف عقولهم وأرواحهم رهق الكد وراء رزقٍ ضئيل، لا يأتي إلا بشق الأنفس!