يبدو أن الثورة السودانية التي دخلت أسبوعها الآن، قد بدأت تفضح ما يسمى "الإسلام السياسي" مقدِّمةً أنصع الأدلة، في نسف الأوهام القائلة: إن من الممكن أن تحمل الدولة التي تنشدها جماعات الإسلام السياسي، صفة "الإسلامية"، ثم تبقى دولةً عصريةً مرتكزة على دستور، وعلى فصل السلطات الثلاث، وعلى حكم القانون، ورعاية الحقوق الأساسية. ومن أقوى الأدلة على زعمي هذا، ما جرى قبل أيامٍ من نائب الرئيس البشير الأسبق، علي عثمان محمد طه، من تهديدٍ بإنزال مليشياتٍ حزبية، تعمل خارج إطار الدولة والقانون، إلى الشارع. وهو تهديد وإن بدا، في ظاهره، موجهٌ إلى الشباب، المطالِبين بإسقاط الحكم الديكتاتوري الفاشل، إلا أنه يحمل في طياته، أيضًا، تهديدًا مبطنًا للرئيس البشير نفسه، إن هو جَرُؤ على تسليم السلطة، إلى الشعب، أو إلى الجيش، أو بأي صورةٍ كانت.

الذين ساروا في طريق الإسلام السياسي، منذ بداياته الأولى، منذ حسن البنا، مرورًا بأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب، وانتهاءً بحسن الترابي، لم يكونوا، في حقيقة أمرهم، سوى متطرفين. كل ما في الأمر، أن بعضهم كان سافرًا في تطرفه، وبعضهم الآخر، يغلِّف تطرفه في سفسطةٍ لغويةٍ، لا تخفي حقيقة تطرفه، وإن موّهتها على كثيرين. والسبب المركزي وراء هذه العلة المُقعِدة، هو أن أهل هذا التيار، لم يستطيعوا، عبر تاريخهم، أن يتخلصوا من عقائدهم القاعدية، المناقضة، جوهريًا، للمبادئ الديموقراطية. فهؤلاء النفر، لا يؤمنون أصلا بحق الاختلاف، ولا يعرفون من ثم، سبيلا لإدارة الاختلاف، سلميا. هم، باختصارٍ شديد، لم يتحرروا من نزعة الاستبداد الديني قروسطية الطابع، ومن أشواقهم الغامضة، لإقامة حكم دينيٍّ مطلقٍ، على الأرض، باسم السماء. ولا غرابة، إذن، أن يتسم مسلكهم، في جملته، بإزهاق أرواح الناس، بهذه الهمجية اللافتة.
كما سلفت الإشارة، فإن نزعة العنف، وتبريره باسم حماية المقدس، مندرجةٌ أصلاً في تلافيف أفكار منظري هذا التيار، منذ بداياته الأولى. ولذلك، فإن السفسطة التي نجدها في كتابات بعضهم، وخاصةً رافعي راية هذا التيار، حاليًا، ومحاولاتهم إبراز تياره، في مسوح العصرية والحداثة، ليست سوى ذرٍّ للرماد في العيون. فحين يصلون إلى السلطة، ويفشلون في إدارة الدولة، وينكشف فسادهم، وتواجههم الجماهير، مطالبة بحماية مال الدولة من النهب، وبحقوقها الأساسية، كحرية الاعتقاد، وحرية التعبير والتنظيم، والتداول السلمي للسلطة، تخرج حقيقتهم المخبأة، من جحرها، بلا زيف. حينها، لا يختلفون، في مسلكهم العملي تجاه المطالب الطبيعية للشعوب، في هذا العصر، عن أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، وأبي مصعب الزرقاوي، وأبي بكر البغدادي، وقيادات بوكو حرام.
لربما، كان الاستثناء الوحيد، في هذا التيار، ما أظهره مؤخرًا، راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة في تونس، بتنبهه إلى هذه العلة المُقعِدة، فدعا إلى الفصل، كليًّا، بين الدَّعوي والسياسي، في حزبه. فبهذا، وحده، يمكن لحزب النهضة التونسي، أن يتحول إلى حزبٍ عادي، لا يلتحف قداسةً، ولا يصدر عن ادعاءٍ بأنه المُكلَّف، حصرًا، بتنفيذ إرادة السماء. ولن نستوثق من صدق حزب النهضة التونسي، هذا، إلا بعد أن يدير السلطة بمفرده، ويثبت أنه قد اقتلع أقدامه، حقيقةً، لا ادعاءً، من وحل مفاهيم الإسلام السياسي القاعدية، الاستبدادية.
مع ازدياد حراك الشارع السوداني، وضغطه المتواصل على الزمرة الحاكمة في السودان، بعد أن وصلت أحوال المعيشة، وأحوال الدولة، حدًّا لا يمكن السكوت عليه، خرج على الشعب السوداني، من شاشة قناة سودانية 24، النائب الأول الأسبق لرئيس الجمهورية، على عثمان محمد طه، معلنًا أن لنظام الانقاذ مليشياته الحزبية، القادرة على تثبيت نظام الانقاذ، وأن نظام الانقاذ غير قابل للاقتلاع. عكس ذلك التهديد، أن هناك قطاعٌ من الإسلاميين، لا يزال مُصرًّا ألا يسقط هذا النظام الكليبتوقراطي، المستبد، مهما كان فشله، وفساده، ومهما كلَّفت حمايته من ازهاق للأرواح وسفحٍ لدم المواطنين العزّل.
لا يعني هذا التهديد، بأن تحولا في اعتماد نهج العنف المفرط، في التعاطي مع التظاهرات، لا يزال قادمًا في الطريق، أو أن العنف لم يبدأ بعد. فالتظاهرات قد قوبلت، منذ لحظة انطلاقها، بالقتل المُتعمَّد. فقد كانت هناك مليشيات تأتي في سيارات، بلا لوحات، تحمل أفرادًا ملثمين يحملون البنادق، ويقومون بانتقاء بعض المتظاهرين، وقتلهم بالتصويب المباشر، على الرأس والصدر، لبث الرعب في البقية. وقد بلغ عدد الذي استشهدوا بسبب هذا النوع من القنص، حتى الآن قرابة 45 فردًا، من الشباب العُزَّل. ومع ذلك، لا تزال التظاهرات مستمرة، ومتنامية، وقد يطول أمدها، ما يشير إلى احتمال سقوط مزيدٍ من الضحايا.
نفس هذا الأسلوب، وبكل هذه السمات المذكورة، جرى انتهاجه، من قبل، في هبة سبتمبر 2013. ونتج منه، حينها، استشهاد أكثر من 250، من الشباب. وكان، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، علي عثمان محمد طه، هو نفس الشخص، الذي خرج على الناس، آنذاك، ليقول: إن التوجيه الصادر للقوى الأمنية، هو: shoot to kill، أي، "صَوِّبْ لتقتل"، وقد نطقه، هكذا، باللغة الإنجليزية. وها هو، اليوم، يحاول إعادة ذلك النهج الغابي، من جديد، في وقتٍ أصبحت فيه السلطة أضعف ما تكون، وأكثر تشظيًا من ذي قبل، في حين أصبح الشارع أقوى شكيمة، وأكثر نفرًا، وتصميمًا، على تغير نظام الحكم.
سار إسلاميو السودان، في نهج القضاء على الثورات، منذ البداية، على الدرب الإيراني. ولا غرابة، فالإيرانيون هم الذي درَّبوا إسلاميي السودان، منذ توليهم السلطة، على كيفية حماية النظام. فالمليشيات المسماة، "الأمن الشعبي" في السودان، هي النظير المطابق، للحرس الثوري، في إيران. والعقيدة الدينية، القائمة على الزعم بالصحة المطلقة للمعتقد الديني، بما يسوغ فرضه على الآخرين، المتمثل في عقيدة ولاية الفقيه، يقابلها في السودان، الزعم الديني بالصحة المطلقة للمعتقد، القاعدي الذي نبتت على أرضه، تنظيمات جماعة السلام السياسي السُنية. فالتطرف، والعنف، هما القاسم المشترك في الحالتين. ولو أن البشير أبقى على صلات نظامه السابقة، بإيران، حتى اليوم، وتعرض النظام لخطر السقوط، لربما دخل الحرس الثوري في السودان، مثلما دخل في سوريا.
ربما لا يعرف كثيرون، أن علي عثمان محمد طه، نائب الرئيس البشير الأسبق، والتلميذ الأثير للدكتور حسن الترابي، هو الذي أقصى أستاذه حسن الترابي عن السلطة، في المفاصلة الشهيرة، التي جرت عام 1999. هذا الرجل خريج كلية القانون بجامعة الخرطوم. وقد عمل علي عثمان قاضيًا في المحاكم السودانية ومحاميًا، أمام القضاء السوداني، لسنوات. لكن، بسبب انغراس أقدامه في فكر الإسلاميين المتطرف، لم يجد غضاضةً في أن تكون أوامره للميليشيا الحزبية: shoot to kill، "صَوِّبْ لتقتل". كما لم ير حرجًا في رعايته لميليشيات، لا تتبع لأيٍّ من المؤسسات الأمنية، والعدلية، للدولة. مليشيات تجوب طرقات العاصمة الخرطوم، بسياراتٍ بلا لوحات، ولا أرقام، مهمتها أن تقوم بقنص الشباب المسالم، الذي يمارس حقه في الاحتجاج السلمي، في الشوارع. مليشيات معفاة تمامًا من أي مسؤولية قانونية، مهمتها إرهاب الشعب السوداني، لإرغامه على الخضوع والاستكانة التامة، بل وتهديد الرئيس البشير، نفسه، حتى لا يفكر في تسليم السلطة للجيش، أو للشعب.
مليشيات الإسلاميين التي يتحدث باسمها علي عثمان محمد طه، التي تعمل خارج إطار الدولة ونظامها القانوني، ويجري تمويلها من مال الشعب، تحمل إلى السودانيين، نفس الرسالة التي حملتها، من قبل، مليشيات الرئيس السوري بشار الأسد، إلى السوريين، القائلة: "يا نحكمكم يا نقتلكم". وهكذا ينسحق في نبرة التهديد والوعيد التي حملها حديث النائب الأول الأسبق، على عثمان محمد طه، التعليم القانوني في الجامعات، والتدريب في الهيئة القضائية السودانية، تحت حذاء أدلوجة الإسلام السياسي، التي لا تملك فكاكًا من الامتزاج بشهوة السلطة، وحب المال، والجاه الزائف.
تشق ثورة الشباب السوداني، الآن، طريقها، وحيدةً، وسط أخطار ماحقة، وتناول خجولٍ، حذر،ٍ من أجهزة الإعلام العربية، وصمتٍ مريبٍ، من قطاع عريضٍ من أصحاب الأقلام، في الفضاء العربي. فهي، حتى هذه اللحظة، فيما يبدو، ثورةٌ بلا نصراء، ولربما طال طريقها إلى النصر. لكن لا ضير، فإن رحلة ألف ميلٍ تبدأ بخطوة. ولسوف يسجل التاريخ، كل كبيرةٍ، وصغيرةٍ، من مجمل مخازي هذه الحقبة العربية الإسلامية الكئيبة. وكما قال أصدق القائلين: "سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ "، صدق الله العظيم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.