يبدو أن الرئيس البشير، وأصحاب الرتب العليا في المؤسسة العسكرية، والمؤسسة الأمنية، وغيرها من رموز المنظومة الحاكمة منذ ثلاثين عامًا، حاولت بالتنسيق مع أقطاب المؤتمر الوطني، وربما مع طيف واسعٍ من الإسلاميين، إجراء انقلاب قصر، هدفه خداع الشعب. ولا أظن أن هذه الخدعة المكشوفة سوف تمر. فقد وعي الشعب، بكل فصائله، درس الخدعة الأولى التي لخصتها عبارة الدكتور حسن الترابي المشهورة: "سأذهب إلى السجن حبيسًا وتذهب إلى القصر رئيسا"، التي قالها للرئيس البشير قاما بالانقلاب على النظام الديمقراطي، في عام 1989.

يمكن القول إن هدفان وقفا وراء الطريقة التي عالج بها بيان السيد، وزير الدفاع، الأزمة السودانية القائمة. أولهما، الحفاظ على التجربة الأولى في العالم، للإسلاميين في الحكم، إذا استثنينا تجربة مصر القصيرة، التي لم تتعد العام. أما الهدف الثاني فهو إبقاء كل شيء على ما هو عليه. ومن ذلك، الحؤول دون كشف ملفات الفساد، من جهة، والحفاظ على الأموال المنهوبة، وجرائم إساءة استخدام السلطة، من الجهة الأخرى. وفوق كل ذلك، حماية الرئيس البشير، وغيره من قيادات الانقاذ، من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية. وأيضًا، حمايتهم من أي ملاحقاتٍ قضائيةٍ، في الداخل، من قِبَل أولياء دم الذين أُريقت دماؤهم، وجرى تعذيبهم، ولحقت بهم كثيرٌ من الأضرار الفادحة، على مدى الثلاثين عامًا الماضية.

ما جاء في بيان السيد وزير الدفاع، يمثل تجسيدًا كاملاً لما يسمى في الأدبيات السياسية: "انقلاب قصر". فهو ليس أكثر من تبديل وجوه به يذهب طاقم الحكم القديم، وراء الكواليس، وتتقدم وجوه عسكرية، هي بطبيعتها مكوِّنٌ عضويٌّ في بنية النظام القديم، وشريكةٌ له في كل شيء. والذي سيجري، على وجه الدقة، أن هذه الوجوه العسكرية سوف تتلقى أوامرها من هؤلاء الذين ذهبوا خلف الكواليس. ولا تمثل هذه الخطوة، في نظري، سوى "تصفير عداد"، ليبدأ نظام الانقاذ عمرًا جديدً، بلا أي تغييرٍ جوهري، ولا إصلاح من أي نوع. بل إن ما جرى هو دفع الأوضاع إلى حالة من التأزم، أعظم مما كانت عليه.

ليس من المعقول أن يبقى السودانيون يتظاهرون لأربعة أشهر، تلقوا فيها، ببسالة نادرة، الرصاص بصدور مكشوفة، فمات منهم نتيجة القنص، أكثر من ثمانين، وأن يتلقوا، أيضًا، الضرب المبرح، والاهانات، واقتحام البيوت، إضافة إلى أبشع صنوف التعذيب، لأربعة أشهر، ثم تكون النتيجة النهائية، الحصول على وضع أبأس من الذي كانوا يشكون منه؟ كل ما جاء في هذا البيان ليس سوى خطة تفصيلية لإبقاء البنية المفاهيمية التي تسند تصورات الإسلاميين السودانيين، للحكم. من هم يد الرئيس البشير، ومن يدعون أنهم يعارضونه. ما جرى هو منح لنظام الإنقاذ عمرًا جديدً، بإسناد أكبر من الجيش.

من أدلة أن البنية المفاهيمية الانقاذية لا تزال كما هي، تجاهل البيان القوى السياسية السودانية، خارج منظومة الإسلاميين، تجاهلا تامًا، وكأنها غير موجودة، وكأنها لا تمثل أي قطاعً من قطاعات الشعب. وهذا هو ذات النهج الإنقاذي الذي ظل يتعاطى به مع القوى السياسية والمجتمعية السودانية، خارج منظوماته المستتبعة، طيلة مسيرته، منذ عام 1989. ويبدو، الآن، جليًا، أن "الإنقاذ 2" هذه، لا تريد شريكًا مدنيًا يصبح رقيبًا عليها، في الفترة الانتقالية التي سيديرها العسكريون وحدهم، في الواجهة، بإملاءٍ من الطاقم الذي اختفى، وفق المسرحية المدروسة، خلف الكواليس.

منذ 4 أبريل الجاري بلور الشعب تكتيكاته، وبدأ اعتصامًا أمام القيادة العامة للجيش، فاق عدد المعتصمين فيه المليون شخص، في درجة حرارة تبلغ 45 درجة، مناديًا بالحرية والسلام والعدالة. فهل يُعقل أن تكون الاستجابة لمطلبه في الحرية والعدالة، وفتح المجال العام لسماع صوته، منحه انقلابًا عسكريًا تقليديًا، بئيسًا، من جنس الانقلابات العسكرية التي كانت تجري في العالم النامي، بُعيد منتصف القرن الماضي؟ من المضحك المبكي، أن بيان السيد وزير الدفاع استجاب لمطلب الشعب في الحرية بتعليق الدستور، وفرض حظر التجوال. انتقل البيان بالوضع العام في السودان، من حالة كتم للحريات في ظل نظام يحكمه من الناحية النظرية على الأقل دستور، إلى نظامٍ عسكريٍّ، لا يقيده دستور ولا قانون. بل نظامٌ تديره ذات الوجوه من البطانة المقربة، التي صنعها الرئيس عمر البشير لحراسة نظامه؟

راهن الذين قاموا بهذه المسرحية المكشوفة، على أن إطلاق سراح المعتقلين، وتقديم عبارات باهتة خجولة في نقد النظام السابق، سوف ترضي الثوار، وتبدد وحدة صفهم، وتعيدهم إلى منازلهم. وبذلك، يصبح، من الممكن، استخدام القبضة الأمنية، تحت قانون الطوارئ وحظر التجوال، للقضاء على الباقين، المصرين على المضي في المطالبة بتحقيق أهداف الثورة وهي: تغيير النظام. و"تغيير النظام" الذي يعنيه الثوار، فيما فهمت، هو إزاحة المفاهيم القاصرة، التي استند عليها نظام الانقاذ في كل تشكلاته عبر الثلاثين عامًا الماضية، وأوصلت البلاد إلى ما يشبه الإفلاس الكامل.

افتراض أن ما جاء في البيان سيشق صف الثوار، ويضعف وحدتهم، فلا تبقى منهم سوى شراذم، يمكن التعامل معها أمنيًا، افتراضٌ خاطئ، ولسوف تثبت الأيام القليلة القادمة، خطأه. فهل يا ترى يعد الانقلابيون لمجزرة مثل مجزرة رابعة العدوي؟ فما هم صانعون إن عصى الثوار الانصياع لحظر التجول وبقوا معتصمين؟ أخشى أن تضيع فكرة الالتفاف على مطالب الثوار بانقلاب القصر هذا، على قيادات الجيش وقيادات الإسلاميين، آخر فرصة لهم لكي يصبحوا جزءًا من مستقبل العملية الديمقراطية المرتقبة في السودان. في نهاية الأمر، رغم العسف، ورغم العنف، ورغم الأهوال، لن يصح إلا الصحيح. فالحق أبلجٌ، والباطل لجلج.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.