عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

            وصلتني مجموعة من الرسائل على بريدي الإلكتروني، تشيد بالمقالتين السابقتين، وأشارت بعض تلك الرسائل تحديداً إلى لغة المقالتين، وإلى السمة "الروائية" التي غلبت عليهن. والحق أنني اخترت قصداً، أن أكتب عن حال الجزيرة بأسلوب سردي، وصفي. فعلاقتي بالجزيرة علاقة تغلب عليها السمة العاطفية، والروحية، والوجدانية. ولم يكن لينفِّس عن نفسي مما اعتمل فيها، نتيجة لرؤيتي لها على تلك الحال من التردي، سوى السرد، والوصف. فالمقالة الموضوعية، تُخرج كاتبها، هوناً ما، من خانة المتعاطف، المنغمس، "صاحب الوجعة"، إلى خانة المراقب المحايد، والُمعالِج الموضوعي. ولم يكن في وسعي أن أبقى محايداً في شأن الجزيرة! فهي بالإضافة لكونها بعضاً من صورة سودان المستقبل، المتعايش، المسالم، المتنوع، الذي ظللنا نحلم به، و نتمناه، فهي قد كانت أيضاً مهد الروح، وقالبها الذي صاغ هيئتها، وحدد وجهات نزوعها! والروح مهما تنقلت في الزمان والمكان، لا تنفك تهفو إلى مهدها الأول، وهي لابد مهطعة إلى ذلك المهد، حساً كان ذلك، أو معنى. فالجزيرة وهي وطني الذي سكنني، أكثر مما سكنته. وهي الحيز الجغرافي، والتاريخي، والروحي، والاستاطيقي، الذي ظلت روحي ترفرف فوق بقاعه، في النوم واليقظة، أين ما حللت. باختصار شديد، بعض الشؤون، يناسب أسلوب السرديات في التعبير عنها، أكثر، وهو ما يسميه الغربيون بالـ narratives. وبعضها الآخر تناسبه المقالة الموضوعية الصارمة. وعلاقتي بالجزيرة لا تعبر عنها على النحو الذي أحب حقاً، سوى السرديات، ولذا لزم التنويه.

 

أحب أن أشير، في صدر هذه المقالة الثالثة، والأخيرة، من هذه السلسلة، إلى أن مقالاتي هذه، رغم ما شابها من نَفَسٍ "نوستالجي"، ليست مما يندرج ضمن الثيمات التي يستملحها الماضويون، المتحسرون على "الزمن الجميل" الذي تولى. ذلك الزمن الذي أشار إليه الدكتور عبد الله علي إبراهيم بقوله: "الزمن الجميل بتاع منو؟)). فما يُشار إليه بالزمن الجميل، لم يشمل كل الناس. وبناءً عليه، فإن الجزيرة التي كانت مدارةً بشكلٍ حسن، والتي كانت كل مرافقها مصانةً، والتي كانت تعمل مثل ساعةٍ سويسرية، لم تخدم بهيئتها تلك مزارعها الفقير المغلوب على أمره، وإنما خدمت المستعمر، ومن خلفوا المستعمر على مقاعد السياسة والإدارة، من طبقة الأفندية، الذين لبسوا خوذة المستعمرين. فالجزيرة المرشوشة، المقشوشة، المقصوصة، المرصوصة، المرتبة، لم تستهدف بذلك الجمال، والانضباط، والتنسيق مزارعها الفقير. فقد عاش مزارع الجزيرة وسط ذلك التنسيق وذلك الرونق الحداثي المظهر، في قرى ذات بيوت طينية، أشبه ما تكون بـ "الغيتوهات" Ghettos. فعالم الغيط، حيث الموظفون وحيث إدارة المشروع، عالم آتٍ من سياق اقتصادي وثقافي آخر. أما عالم المزارع والقرية الرابضة وسط الغيطان، فعالم راكد لم تلمسه الحداثة لمساً يذكر. وحال الجزيرة هو عين حال "الديوم" في الخرطوم، بإزاء حي الفرنجة، وهي مقابلة أو juxtaposition عبر عنها شاعرنا المجذوب بقوله: ((حي الفرنجة حيٌّ، وكم تموت الديومُ!!)). لقد رقدت تحت ذلك المظهر البراق من النظام والانضباط، والتنسيق، الذي عُرفت به الجزيرة بُعَيْدَ منتصف القرن الماضي، آلام فظيعة، كما اختبأت، أيضاً، تحت سطحه البراق، قنانةٌ مقنَّعة، واندست في ثنايا المظهر الخادع، جرثومةٌ فتاكة، تغذت على انسداد أفق الأمل، وعلى تضعضع الأحلام وتخثرها بالشيخوخة المبكرة. تلك الجرثومة هي التي أودت، في نهاية المطاف برونق الجزيرة، فذهب أفنديتها الذين أبطرتهم نعمها، غير ماسوفٍ عليهم.   

 

لم تنقلب الأحوال في مشروع الجزيرة رأسا على عقب فجأة، فقد حضن مشروع الجزيرة في دمه جرثومة التدهور، منذ إنشائه في عشرينات القرن العشرين. كل ما في الأمر، أنه كلما تقدم الزمن بالمشروع، كلما ظهرت عليه علامات تلك العلة المزمنة. فالعلاقة بين المزارعين، وبين الدولة المستعمرة، التي أنشأت المشروع، كانت أشبه ما تكون بالعلاقات الإقطاعية. فالمزارعون لم يكونوا في هذه العلاقة المجحفة أكثر من أقنانٍ في أرض تملكتها الحكومة، وأدارتها الحكومة. وما من شك أن المشروع قد نقل سكان هذه المنطقة نقلة كبيرة جداً، حين حولهم من مجرد زراع مطريين، موسميين، ورعاة تقليديين، إلى مزارعين حديثين، يضمهم مشروع ذو تركيبةٍ محصوليةٍ متنوعة، به نظام ري انسيابي مستدام، وبه أبحاث زراعية، وفيه تسميد كيميائي، ونظام كيميائي لمكافحة الآفات. يضاف إلى ذلك، أنه يقوم على بنية تحتية حديثة، وإدارة مركزية حديثة، مترابطة، ومتكاملة.

 

هؤلاء المزارعون، الذين فرض عليهم المستعمر، المشروع فرضاً، ثم قبلوه، لأنهم رأوا حسناته، مقارنة بما كان عليه حالهم في السابق، لم يكونوا في درجة من الوعي تمكنهم من رعاية مصالحهم على الوجه الأمثل. خاصةً، في ظل تلك الإدارة التي اتسمت بالفوقية الشديدة. تقوم إدارة المشروع بحرث كل مساحات المشروع، بالآليات التي تملكها، كما تقدم التقاوي للمزارعين، في حالة محصول القطن، الذي كان مفروضاً فرضاً على المزارعين. كما كانت تقدم السماد، وتقدم الماء، وتقوم برش المبيدات الحشرية، وتقوم بتقديم جوالات الخيش لدى الحصاد، وأخيرا بالتسويق وبضبط الحسابات. في كل تلك العمليات كانت الإدارة تضع الأسعار على النحو الذي يناسبها. ولذلك، حين تخصم إدارة المشروع، ما تراه حقاً لها، نظير كل تلك الخدمات التي قدمتها، بأسعارها التي حددتها لها، لا يبقى للمزارع شيء يذكر. ولقد كان أغلب المزارعين أميين، لا يعرفون القراءة والكتابة، فهم لم يكونوا، لدى التحليل النهائي، في تلك الشراكة سوى عبيد أرض، لا قبل لهم برد ما يُصنع بهم.

 

شهدنا في طفولتنا، كيف أن لكل واحدٍ من هؤلاء المزارعين الأميين، ختم محفور عليه اسمه. يذهب المزارع يوم الصرف، ويقف أمام شباك مكتب الغيط، فيقدم ختمه الذي لا يفارق "جزلانه" أبداً، للمحاسب. فيشير إليه المحاسب إلى حيث يقع اسمه في الدفتر، فهو لا يعرف كيف يقرأ ليعرف أين يقع اسمه في تلك القائمة الطويلة. يطلب المحاسب من المزارع أن يضع ختمه في مكان التوقيع، وبناء عليه يعطيه المبلغ الذي ترى إدارة المشروع أنه المقدار الذي يستحقه! وهكذا يقوم المزارع الأمي بالتختيم على تفاصيل لا يستطيع قراءتها، وعلى نتائج حسابات كثيرة لم يشارك أصلاً في مناقشة تفاصيلها، ولم يؤخذ فيها رأيه الشخصي، وهو، فوق هذا وذاك، لا يفهم فيها، صرفاً ولا نحواًً. ومع ذلك، يُطلب منه، أن يضع ختمه في النهاية، لإثبات موافقته الشخصية على تلك النتيجة النهائية، خيراً كانت أم شراً!! وما أكثر ما رأيت، في طفولتي، مزارعين يختمون على دفتر الصرفيات، ثم يُقال لهم عقب التختيم، إنه لا نصيب لهم في تلك "الصرفة"، أو أن لهم بعضة جنيهات فقط! بضعة جنيهات، هي كل نصيبهم من تعبٍ، وعرقٍ، ورهقٍ، وسهرٍ، استمرت شهورا طويلة. شهور بات فيها أطفالهم على الطوى، أو على (نص بطن)، ظل الآباء والأمهات يعزونهم فيها، ويصبرونهم بالفرج القادم مع "يوم الصرف". وحين يجيء يوم الصرف، يتبخر الأمل الذي سكن الأفئدة وأفرخ فيها، لتحل محله حسرةٌ، جارحةٌ، موجعة. يغمغم المزارع المكلوم في سره، ويمسح عن شفتيه الناشفتين طعم الملح الذي شابهما، ثم يعود إلى أسرته كسير الخاطر، مهيض الجناح. هكذا رأينا، ونحن أطفال، فداحة الظلم المؤسسي، وأكل أموال الناس بالباطل. رأينا كيف يسحق الظلم الممنهج قلوب الكبار والصغار، ثم يمضي في غيه، لا يبالي. ولذلك فقد قويت فينا نزعة مقت الظلم، والظالمين. ونزعة مقت الظلم والظالمين، واحدةٌ من نعم الله، التي تثبتها في الأفئدة الغضة، وإلى الأبد، المشاهد المجسدة لفداحة الظلم، وفظاعته. فألف طوبى وحسن مآب، للذين يمقتون الظلم والظالمين.

 

لا يتوقع المرء شيئا أفضل من ذلك الذي كان يجري لمزارعي مشروع الجزيرة، من الدولة المستعمرة. فالدولة المستعمرة لم تكن مهمومة بتنمية إنسان الجزيرة وترقيته، ورفع مستوى عيشه، بقدر ما كان مهمومة بملء أفواه مصانع نسيجها في يوركشير، أو لانكشير، من قطن المستعمرات، رخيص الثمن. فالمشكلة ليست في تلك الحالة الإقطاعية، التي ورثناها من الإنجليز، فتلك حالة طبيعية، لأن المستعمر إنما جاء أصلاً ليخدم نفسه، لا ليخدم إنسان المستعمرات. المشكلة، كل المشكلة، في إبقاء تلك القنانة المقننة مستمرةً، بواسطة الذين جلسوا على مقاعد الإنجليز من السودانيين، ممن كانوا ((إنجليز في أسلاخ سودانيين)) كما وصفهم، الأستاذ محمود محمد طه. ذهب الانجليز، واستمرت الأمور كما تركوها، وكأن الوضع الذي تركوه هو الصيغة المثلى للشراكة بين إدارة المشروع والمزارعين، التي لا يمكن إيجاد صيغة أفضل منها!

 

لم ينتفع المزارعون من المشروع انتفاعا يذكر، فقد ظلوا فقراء على الدوام، وظلت أغلبيتهم أمية، هذا علاوة على إصابة معظمهم بالبلهارسيا والملاريا، وبشكل متكرر. فالإصابة بالبلهارسيا وسط كثير من قرى الجزيرة تتعدى أحيانا الخمسين في المائة! وعلى سبيل المثال، فإنني، رغم بقائي بعيداً عن القرية بسبب التعليم، ثم العمل، إلا أنني تعالجت من البلهارسيا، في حياتي، ثلاث مرات! فتصور كم مرة تعالج من البلهارسيا، المزارعون الذين يخوضون في مياه المشروع، وأوحاله، بأقدام لا يغطيها شيء؟! أما المرات التي تم علاجي فيهن من الملاريا فلا أذكر عددهن، وذلك لكثرتهن.

 

انتفعت الجزيرة، بشكل غير مباشر، من مال الخدمات الاجتماعية، الذي كان يمثل نسبة 2% من عائدات المشروع السنوية. من هذا المال تم بناء المدارس، والشفخانات. ومنه تم حفر آبار المياه. ولكن، هذا المال الذي كان في الماضي يذهب فعلاً في شكل خدمات اجتماعية، تفيد منها قرى المزارعين، في العقد الأول الذي أعقب الاستقلال، سرعان ما أخذ أثره يتقلص، ويتقلص، حتى تلاشى تماما، في نهاية الأمر. ظل المشروع يسير بشكل روتيني ينبئ بالانحدار. فقد افتقر الأداء فيه إلى المراجعة، وإلى عنصر آخر شديد الأهمية، وهو تقييم مردوده بما يصيب الحياة الاجتماعية من رقي ومن تقدم. أي أن يكون نمو الحياة، واضطراد رقيها، بالشكل الذي يجعلها قادرة على إبقاء أهل المكان في مكانهم، هو مقياس النجاح. فالنجاح لا يجب أن يحسب فقط بما جنته الحكومة وأودعته خزينتها. وإلا فما الفرق بين الدولة، وبين الإقطاعي، والرأسمالي الشره؟! لم تكن إدارة المشروع معنية بما يصيب قرى المشروع من تطور في الجانب الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، فإنه حين تم تغيير السلم التعليمي على عهد الرئيس نميري، قام الأهالي ببناء الفصول الإضافية بالعون الذاتي، وقبل ذلك ظل الناس يديرون آبار المياه، والشفخانات بالعون الذاتي، أيضاً. ولقد تفتقت عبقرية الأهالي، حين رأوا تقاعس الحكومة المركزية، والحكومات المحلية، وإدارة المشروع، عن حيل شتى، منها وضع ضريبةٍ محلية على سكر التموين، تذهب لدعم تلك الخدمات الشحيحة. رفعت إدارة المشروع يدها، ورفعت الحكومة يدها، عن كل شيء. وللمرء أن يتساءل: ما يفعل الناس بإدارة مشروع، وبحكومة بهذا القدر من العجز، ومن التقاعس؟!! الأحوال السودانية التي ظلت قائمة منذ الاستقلال، وإلى اليوم، تقول وبأعلى صوت، إن الحكومة ليست سوى أداة للاستغلال، تماما كما وصفها كارل ماركس حين قال: ((الحكومة ليست سوى  لجنة تنفيذية تستخدمها طبقة في اضطهاد الطبقات الأخرى)). وبما أن الحكومة أصبحت أداة للاستغلال، والاستغلال فقط، فقد تحولت، وبشكل طبيعي، إلى أداةٍ للعرقلة!! فهي لا تخدم الناس، ولا تدع الناس يخدمون أنفسهم، وذلك بما تضعه في طريقهم من عراقيل متجددة، وبعمدها الدائم إلى سلب القليل الذي لديهم لتخدم به نفسها، وتدعهم على ما هم عليه!

 

يغبط كثير من السودانيين، ممن لم ينشأوا في منطقة مشروع الجزيرة، أهالي الجزيرة، ظانين أن تطور الحياة في قرى الجزيرة سببه هو عائدات المشروع. والحق أن غالبية المزارعين لم تجن من عائدات المشروع، ما يزيد على مجرد البقاء على قيد الحياة! لقد انتفعت الجزيرة من المشروع انتفاعا غير مباشر، في معنى ما انتفعت من التعليم الذي بدأ فيها مبكرا. غير أن التعليم خلق مشكلة جديدة، وهي أنه أنشأ جيلاً جديداً، مختلفاً عن جيل الآباء، وهو أكثر وعياً بحقوقه، وأكثر حيلةً، وقدرةً، على الحركة. رأى هذا الجيل المتعلم، ما حاق بجيل الآباء، الذي تم استغلاله، على أيدي الإنجليز، وعلى أيدى من خلفوهم من الوطنيين، وأصبح، من ثم، أكثر تطلعا إلى الوظيفة التي كانت وقتها، تمنح حياةً أفضل، من تلك الحياة التي عاشها الآباء. ولقد أدى ذلك إلى ألا يرتفع مستوى المزارع العامل في المشروع. فلو كانت إدارات المشروع، التي تعاقبت عليه منذ الاستقلال، إداراتٍ عالمةً، مدركةً حاذقةً، لكانت قد خلقت جيلاً ثانياًَ، بل وثالثاً، من المزارعين المتعلمين، الأكثر قدرة على الارتقاء بالأساليب الزراعية، والإدارية، في المشروع. بل لجعلت من نهج التعليم في الجزيرة نهجاً مرتبطا بالزراعة وبتربية الحيوان، وبإنتاج الأعلاف، وبالتصنيع الزراعي والحيواني، ولجعلت البقاء في الجزيرة، والالتصاق بأرضها، بالنسبة للأجيال التي تعلمت، أمراً جاذبا. ولكن الذي حدث كان بعكس ذلك تماماً. فقد جعلت تلك القنانة المقننة مهنة الزراعة مهنةً منفرةً، طاردة. فهي بالنسبة لجيل الأبناء الذي تعلم، وانفتحت أذهانه على صور مختلفة للحياة، مجرد جهدٍ مضني، وشقاء مستمرٍ، وتعرضٍ للأمراض، بلا عائد يذكر، وبلا أمل يذكر.

 

            لم أسمع ممن يريدون تغيير مشروع الجزيرة اليوم، حديثا يتعلق بإنسان الجزيرة. أو بجعل نمط الحياة في قرى الجزيرة نمطا جاذباً، أو أنهم يستهدفون ترقية مزارع الجزيرة ليصبح مزارعا عالماً، حاذقاً، قادراً على الأخذ بأساليب الزراعة الحديثة، وتقنياتها. أو جعله كيانا إقتصاديا مستقلا، قادرا على المنافسة في الأسواق العالمية. نعم، هناك تغيير هو قيد الحدوث في الجزيرة. والتغيير في الجزيرة، لا مندوحة عنه. ولكن السؤال يبقى: لمصلحة من يتم ذلك التغيير؟! لصالح المزارعين، ولرفعة أساليب الحياة في الجزيرة، ولخلق ريف جديد يعيد الذين هاجروا إلى المدينة المكتظة، أم لمجرد رفد خزينة الدولة بريع إضافي، وهي خزينة تتلقف النقود، ولا تخرجها إلا في وجهة ما لا يفيد؟! ويتم كل ذلك على حساب إنسان هذه الأرض التي عاش فيها لمئات، بل ولآلاف السنين؟!

 

لا اعتراض لي على انتهاج أسلوب رأسمالية الدولة في هذه المرحلة، من مراحل النمو. ولكن رأسمالية الدولة "خشم بيوت"!. لقد أدخلت الصين برأسمالية الدولة، مؤخراً، مائة مليون صيني إلى الطبقة المتوسطة!! فهلاًّ أحصينا نحن، عدد الذين أخرجتهم رأسمالية الدولة عندنا، من الطبقة المتوسطة، لترمي بهم تحت خط الفقر، في العشرين سنة الأخيرة وحدها! إن الذين يغيرون وجه الجزيرة اليوم، إنما يغيرونه بكثيرٍ من نقص العلم، وكثيرٍ من الارتجال، ومن خبط العشواء، مضافاً إليه ما يماثل كل ذلك، ويزيد عليه، من ضعف الخيال، ومن الشره. لا أظن أن موضوع الجزيرة قد نوقش بشكل كاف. وعدم مناقشة الأمر من على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، والاستماع إلى وجهات نظر المتحفظين على الخطوة، والهرولة مباشرة إلى خطوات التنفيذ، أمر يبعث على الريبة، ويشير إلى الغرض. قد تجلب الحكومة شركة كنانة لإدارة مشروع الجزيرة، أو تجلب غيرها من الشركات عابرة القارات، وقد تنجح في جعله مشروعا منتجاً، مربحاً. لكن النجاح لا يقاس بالنجاح الاقتصادي وحده ،وإنما بالنجاح الاقتصادي منعكسا في نجاحٍ اجتماعي يجسده  ما يصيب إنسان هذه الرقعة من الأرض، من التقدم، ومن الرفاه. بل إن النجاح الاقتصادي الذي لا يستصحب معه مركَّب الأبعاد الاجتماعية، لأكثر ضرراً من ترك الأمور على ما هي عليه! فهو باختصار شديد، نجاح يُحل النباتات محل الناس!! مثل هذا "التفكير المالي" الفوقي، سوف ينتهي، طال الأمد أم قصر، إلى نزع الأراضي من الأهالي، وتخريب أساليب عيشهم القديمة، ووضع بنية إجتماعية تاريخية بأكملها في مهب الريح. سأتعرض في مقالات قادمات، منفصلات، لما أصابنا نحن أهل الجزيرة، ومسؤوليتنا عن ما أحاق بنا.