عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

               

        المنبر التلفزيوني المسمى "مجهر سونا"، الذي خرج علينا، والانتخابات على الأبواب، فتح نافذة بدأ يدخل منها إلينا شيء من الهواء الطازج، بعد أن كدنا أن نهلك، نتيجةً لعشرين سنة، من استنشاق الهواء الفاسد. فالفكرة من حيث هي فكرة جيدة، ولا يجد المرء إلا أن يؤمن عليها، ويشجع على استمرارها. لقد جاءت هذه الفكرة متأخرة جداً، كما جاءت معلولةً، شأنها شأن كل ما تتمخض عنه الإنقاذ، التي هي موطن الداء، وأصل العلل. أحيت هذه التجربة، على قصر عمرها، وعلاتها البيِّنة، الأمل من جديد، في كسر احتكار الحزب الحاكم للأقنية الإعلامية، خاصة المسموعة منها والمرئية.

        تكمن علة هذه التجربة في الغرض الحقيقي من ورائها، وفي الشخص الذي تم اختياره ليديرها. فالغرض من ورائها لم يكن اتاحة فرصة للجمهور لكي يستنير. وإنما الغرض من ورائها هو حرق "كروت" المنافسين للرئيس البشير على رئاسة الجمهورية في الانتخابات. فقد ظن أصحاب الفكرة أن هذا "المجهر" سوف يتمكن، عبر مقدمه، الأستاذ بابكر حنين، من كشف عورات قادة المعارضة، وتشويه صورتهم على أعتاب الانتخابات، فينصرف الشعب من مساندتهم إلى مساندة الرئيس البشير. فالانقاذيون لا يفكرون بالاحتمالات. والاحتمال الوحيد الذي يفكرون به، هو أن تسير الأمور وفق ما يحبون. ولو قام في بال الإنقاذيين أن "مجهر سونا" سوف يخدم غيرهم، لما أقاموه أصلاً. فهم لم يعودونا كرم النفس وأريحيتها، وإنما عودونا كزازتها، وفسالتها. حين خرجوا علينا بهذه الفكرة، كانوا واثقين من الطبخة التي طبخوها، وواثقين من مقدم برنامجهم، ولذلك فالنتيجة، في نظرهم لن تكون إلا في صالحهم. ولكن، كما هو الحال، وعلى الدوام: "يُؤتي الحَذِرُ من مأمنه"!! فالحلقة التي أستضافت السيد مبارك الفاضل المهدي، في أمسية الخميس 18 مارس 2010، قلبت الطاولة، على "المجهر"، وعلى صاحب "المجهر"، قلباً لا مزيد عليه. بل، وقلبتها على من وقفوا أصلاً وراء هذه "الفكرة الإنقاذية الألمعية". الغرض المُبَيَّت من وراء نصب ذلك "المجهر" هو أن يرى الناس من خلاله "جراثيم" المعارضة، والمعارضة وحدها. غير أن الذي حدث هو أن "المجهر" أرانا جميعا "جراثيم" الحكومة، التي لا تحتاج أصلاً إلى مجهر لكي يراها الناس. فحتى الدقيق منها، الذي أظهره "المجهر"، إنما عززت رؤيته ما كان يظنه الناس، أصلاً. ولذلك فقد أعطاهم "المجهر" مزيداً من الاستيثاق حوله!!

صاحب المجهر!

        حدثني بعض الأصدقاء، ممن يصغروننا سناً، بحوالي العقدين من الزمان، ممن طالتهم معسكرات الدفاع الشعبي، قائلين إن السيد بابكر حنين، كان أحد أبرز العاملين في تلك المعسكرات، التي كانت تعمل بجدٍ ومثابرةٍ على كسر الاعتداد بالنفس، وبالرأي، وبالكرامة الشخصية، وسط الشباب. إعتمدت تلك المعسكرات أسوأ الأساليب التي تمخض عنها علم النفس الغربي. فاستخدمت أسلوب توجيه الإهانات المستمر، والتجويع، والحرمان من النوم، والعمد إلى التصغير، والاحتقار، والإكراه على حفظ سور القرآن، لا بغرض التعبد، أو التقرب إلى الله، وإنما بغرض استخدام قوة الدين، وقدسيته لدى الناس، لفرض الطاعة، والإذعان، والاستكانة، حتى تنمحق شخصية المتدرب، ويتحول إلى مجرد ببغاءٍ، عقله في أذنيه. هكذا أرادوا أن يحولوا طاقة الشباب، ودفقها الخلاق، وروح التحدي لديها، إلى استكانةٍ، وخنوعٍ ذليلٍ، وتسبيحٍ لا ينقطع بحمد النظام الحاكم! فما أبأسه من هدف، وما أرخصها من أساليب. فلو أنهم قرأوا تاريخ الأنظمة المشابهة، بذهنٍ مفتوحٍ، لساءلوا أنفسم: أين شبيبة الحزب النازي؟! وأين شبيبة الحزب الفاشي؟! وأين شبيبة الكموموسمول في الإتحاد السوفيتي؟! وأين شبيبة البعث في العراق؟! وأين كتائب مايو؟!

        الشاهد أن الشبيبة السودانية خرجت من معسكرات الدفاع الشعبي طيَّبةً معافاة. بل خرجت موقنةً، أكثر من أي وقت مضى، ببطلان التوجهات الإنقاذية، وانغلاق أفقها المعرفي، ولا انسانيتها التي صدمت كل صاحب وجدانٍ سليمٍ، من السودانيين، ومن غير السودانيين. ما فات على الإنقاذيين، وأحسب أنهم لا يزال فائتاً عليهم، هو أن الإنسان السوداني، إنسان خارج من رحم تاريخٍ طويل، عريضٍٍ، وغني. فهو نتاجٌ مركَّبٌ شديد التعقيد، لثقافاتٍ عظيمةٍ، ضاربةٍ في القدم. هذا الإنسان ذو التاريخ الطويل الراسخ، وذو البناء النفساني المتوازن، لا يمكن تغييره، بين عشيةٍ وضحاها!! والذي يظن أن شعباً مخض وجدانه مثل ذلك التراكم التاريخي الطويل، يمكن إعادة تشكيل وعيه، في عشية وضحاها، عن طريق إطلاق هتافاتٍ، وصيحاتٍ، و"جلالاتٍ" في غبش الفجر، في معسكرات الدفاع الشعبي الكئيبة، لشخصٌ موهومٌ، حتى أقصى حدود الوهم. لقد مر في تاريخ الحياة السودانية حكامٌ كثيرون مختلفو المشارب، منهم المحلي، ومنهم الأجنبي. جاءوا جميعاً، وذهبوا من حيث أتوا، وخرج الإنسان السوداني من كل "عيتنوبةٍ"، أثاروها، بذات معدنه النفيس. بل إن الخطوب لم تزد ذلك المعدن النفيس إلا نقاءً، وصقلاً، وبريقا.

        أردت أن أخلص مما تقدم، إلى أن الأستاذ بابكر حنين، قد جاء إلى الواجهة الإعلامية، من مكانٍ سحيقٍ جدا. أعنى، من مكان هو الأبعد حقا، حين نتصور النقلة التي جرت له في حياته المهنية، من مجرد التلقين، التعبوي، القح inculcation ، للعقيدة الإنقاذية التبسيطية، للشباب في معسكرات الدفاع الشعبي، ليصبح واجهةً إعلامية، تُعنى بالرأي، والرأي الآخر!! فالأستاذ بابكر حنين، "إديولوج" من النواة الصلبة hardcore. هو "إيديولوج" من شعر رأسه، حتى أخمص قدميه!! ولا يفلح "الإديولوج"، حيث أتي!! ولا غرابة إذن، أن نسف السيد مبارك الفاضل، ألاعيبه المحفوظة عن ظهر قلب، الواحدة تلو الأخرى، حتى جعله يتلهف تلهفاً لنهاية الحلقة. فهو لم يكن يملك أصلاً زاداً، أو ذخيرةً معرفيةً، أو وعياً سياسياً، أو خبرةً يُعتد بها في إدارة الحوار. إن إعلاميي الإنقاذ، من عيار الأستاذ بابكر حنين، ليسوا سوى نبات ظل، لا يعيش إلا في الظروف "المحمية". فما أن يخرج الأمر من نطاق الحماية، تتبدى العورات، ويبين الضعف. فالألاعيب، أو ما يسميه الغربيون بالـ gimmicks لا تسعف صاحبها، أبداً. ما يسعف في الملمات، إنما هو العلم، والصدق، ولا يملك المطبلون للحكومة ـ أية حكومة ـ من الإثنين شروى نقير

الضربات المتتالية:

        كانت أولى الضربات القاسية، التي وجهها السيد مبارك الفاضل للأستاذ بابكر حنين، هو رده على عبارته الخاطئة تماماً، حين قرر تقرير العالم، الواثق مما يقول، إنه لا توجد في العالم دولة بها تعليم بالمجان، أو خدمات صحية بالمجان! وهو قول خاطئ تماماً، لا تسنده أي معرفةٍ بما يجري في العالم!! ويبدو أن الأستاذ بابكر حنين لا يستقي معلوماته من مصادر المعلومات، وإنما من أفواه قادته، أصحاب النزعة الرأسمالية العولمية التي تروج للتعليم الخاص، وللتأمين الصحي، لا لخدمة الشعب، وإنما لتمتلئ الجيوب الخاصة!؟ إن الصراع بين من يسمون بـ "المحافظين"، ومن يسمون بـ "الليبراليين"، في كل الدول الصناعية الكبرى، ظل منصباً، بشكل رئيس، على قضيتي: مجانية، ولا مجانية، التعليم والصحة. وما تمت كتابته من أدبيات حول مجانية التعليم، ومجانية العلاج، أو عدمهما، وما صدر من قوانين، ولوائح، وموجهات، في هذا الصدد، لا يسعها مخزن بحجم أضخم أستادٍ لكرة القدم. ولو تفوه الأستاذ بابكر حنين بمثل قولته تلك، في حجرة دراسية لطلاب ما قبل البكلاريوس، في أي جامعة غربية، لانعقدت حواجب كثيرة بالدهشة! ولكن ماذا عسانا نقول؟ إنها "الفهلوة"، التي أصبحت جواز المرور الوحيد، إلى المواقع الإعلامية في عهد الإنقاذ. وما أكثر "الفهلويين" و"الفهلويات" في أجهزة الإعلام الإنقاذية!

        لقد عرفت الدول الأروربية، خاصة دول اسكندنافيا، بمجانية التعليم، بما في ذلك التعليم الجامعي. وينطبق ذلك، ولكن بقدرٍ أقل، على كلٍ من إنجلترا وبريطانيا. والنموذج الذي كان مطبقاً في السودان، حتى جاءت الإنقاذ، نموذج مأخوذٌ من النموذج البريطاني. وهو نموذج يقوم على أخذ  الرسوم من الغني، وعلى إعفاء الفقير منها. ولقد تعلم أغلب أبناء الريف السوداني حتى أكملوا الجامعات مستندين على دعم الدولة. ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية، تمثل الوجه الأقبح للنظام الرأسمالي، إلا أن التعليم العام فيها إجباريٌ، ومجانيٌ، منذ الروضة، وحتى نهاية المرحلة الثانوية. وتشمل تلك المجانية، الترحيل بالبصات، بل ووجبة غذاء للأطفال المنتمين إلى أسر فقيرة. والأسرة الفقيرة عندهم هي الأسرة التي يكون دخلها تحت حاجز الألفي دولار في الشهر، في حالة أن تكون مكونة من شخصين، ودون حاجز الألفين وسبعمائة دولار، في حالة أن تكون مكونة من ثلاثة أفراد، ودون حاجز الثلاثة آلاف ومائتي دولار، تقريباً، في حالة أن تكون مكونة من أربعة أفراد. وتتفاوت هذه التحديدات، تفاوتاً يسيراً من ولاية إلى أخرى، ومن مجلس محلي إلى آخر، حسب متوسط الدخل، وكلفة العيش في المنطقة المعينة، ولكنها تنطبق عموماً على كل أمريكا.

        بقي أن نقول إن تلك المدارس الحكومية المجانية، تملك بنية تعليمية تحتية، أفضل مما تملكه أرقى جامعة سودانية! أما التعليم الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية فليس مجانياً. غير أن هناك نظام المنح scholarships ، الذي ينال منه طلابٌ كثيرون. كما أن هناك نظام فيدرالي متكامل لإقراض الطلاب، ما يكفيهم من المال لإكمال تعليمهم الجامعي. وبما أن فرص العمل للخريجين تكون متوفرةً عادةً، ودخول الخريجين جيدة، فإن أرجاع المبالغ المقترضة إلى خزينة الدولة، لا يشكل عبئاً يذكر بالنسبة للطلاب، بعد أن يبدأو حياتهم العملية. كما أن هناك إجراءات وضوابط دقيقة، تمنح المقترضين فترة سماح حين يعسرون، أو يكونون بلا عمل. ورغم أن العلاج ليس مجانياً، غير أن أقسام الطوارئ ملزمةٌ قانونياً بمعالجة كل من يجيء إليها في حالة طارئة. يضاف إلى ذلك كثرة الجهات الخيرية التي تتحمل فواتير العلاج عن غير القادرين على الدفع، ويتم ذلك عن طريق باحث إجتماعي يكون ملحقاً بالوحدة العلاجية. كما أن هناك الخدمات الإجتماعية التي توفر العلاج المجاني للأطفال ولكبار السن، وشرط منحها الوحيد، هو مقدار الدخل. كما أن الخدمات الإجتماعية تعطي الأغذية الرئيسية، كالخبز، والبيض، واللبن، واللحوم بأنواعها، وكل ما يندرج تحت قائمة الأساسيات، مجانا للأسر الفقيرة.

        ومع كل ما تقدم ذكره، فقد ظل الديمقراطيون منذ فترة حكم بيل كلينتون، وصولاً إلى حكم باراك أوباما يعملون بجدٍ لابتداع نظام جديد للتأمين الصحي، يغطي جميع الأمريكيين، بلا استثناء. الشاهد هنا، أن حفرة المظالم التاريخية التي أرقت ضمير الأمريكيين، وجعلتهم يعملون بجدٍ غير مسبوقٍ، على مغادرتها، وتركها وراء ظهورهم، وإلى الأبد، هي ذات الحفرة التاريخية التي تتجه نحوها حكومتنا "الرشيدة"، لكي تنيخ فيها إبلها النهمة، وإلى الأبد!! (فال الله ولا فالكم)!! فأين ياترى إنسانية النظام التعليمي الأمريكي، والنظام الصحي الأمريكي، على رأسماليته القحة، وتخلفهما عن نظيريها الأوربيين. أين نظام الرعاية الطبية الأمريكية، على علاته، مما تفضل بإيراده السيد مبارك الفاضل، وهو يصور البشاعة التي عكستها حالة الشاب، الذي ظل يحوم على الناس بعظم مكسورٍ بارزٍ من ذراعه طالباً العون، حتى يستطيع أن يعود إلى المستشفى بالمال اللازم لتطبيبه!؟ إن "تخانة جلد" الإنقاذيين، و "لا إنسانية الإنقاذيين، "ولاإسلامية" الانقاذيين، لتعجز الوصف، ولتفوق سوء الظن العريض.

دارفور ومصنع الشفا:

        أما الضربات القاضيات التي تلقاها صاحب "المجهر"، فقد تلقاها بسبب الأنشوطات والأحابيل الانقاذية التي حاول أن يلفها حول عنق السيد مبارك الفاضل. فما كان من السيد مبارك الفاضل إلا أن أعادها، وبمهارة متناهية، إلى عنق مقدم "المجهر"، فظل يتخبط بين خيوطها، حتى نهاية الحلقة. ويبدو أن مقدم البرنامج قد صعق بالمعلومات الخطيرة التي أمطره بها السيد مبارك الفاضل. هذا رغما عن أن السيد مبارك الفاضل قد نبهه قائلا بأنه سوف يلقي عليه قنبلة، في ذاك الصدد. وبالفعل فقد ألقى عليه قنبلة من العيار الثقيل. قال السيد مبارك الفاضل إن الذي أبلغ عن مصنع الشفاء مسؤول إنقاذي كان يعمل بالمصنع، وقد طلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد مُنح حق اللجوء فعلاً!! أيضاً، أضاف السيد مبارك الفاضل، أن أول من أشار إلى مصنع جياد، كهدف محتمل ثانٍ، هو الرئيس المصري حسني مبارك!!

        أما الضربة الأخطر، فقد كانت شهادة السيد مبارك الفاضل عن ما ذكر أنه سمعه بأذنيه من الرئيس البشير، ونوابه، حول دارفور، حين قالوا له إن دارفور لم يبق فيها سوى 16 عربة، ومائة شخص. توالت هذه الضربات على مقدم البرنامج، فأصيب بالشلل التام، ولازمه ذلك الشلل حتى نهاية الحلقة. وكان أطرف ما في الحلقة أنه في غمرة الربكة التي أصابته قال: ((يا أخوانا خلُّونا من الزرّة دي)). قال ذلك ظاناً أن الحضور والمشاهدين سيفهمون من ذلك أنه يتفضل على السيد مبارك الفاضل بإخراجه من ورطة. فما كان من الحضور إلا أن ضجوا بالضحك!! فقد كان جلياً جداً، أن مقدم البرنامج هو الذي دخل في ورطة عويصة، جعلت مستقبله المهني في كف عفريت. وهي ورطة حجبته نرجسيته الطافحة من أن يحسب لها حسابها. وما خرج من فمه حين قال: ((يا أخوانا خلُّونا من الزرّة دي))، لم يكن سوى تعبير لا شعوري عن ورطته هو، لا ورطة ضيفة. وبالفعل فقد جر مقدم البرنامج، على حكومته، بـ "شلاقته"، واعتماده على الألاعيب الضعيفة، والمكر الساذج، والثقة المفرطة في النفس، بلا حصيلة معرفية حقيقية، مصائب هي أغني ما تكون عنها في هذا الوقت.

استراتيجية اغتيال الشخصية:

        جاء السيد مبارك الفاضل مزودا باحصيات فضحت الحالة الإنقاذية كاسوأ ما تكون الفضيحة. فالمقارنة التي أجراها بين دخلنا القومي، والدخل القومي للجارة إثيوبيا، وبين ما ينفقونه هناك على محاربة الفقر، وما ننفقه نحن، أوضح بجلاء لا مزيد عليه، أن مشكلتنا في السودان ليست مشكل مداخيل، ولا مشكلة طاقات، ولا مشكلة موارد، وإنما مشكلة سياسات، ومشكلة قيادات. فلقد رزئنا عبر تاريخنا بأن يقودنا أضعفنا رؤيةً، وأرقُّنا خلقاًً. وحين يجتمع ضعف الرؤية، وضعف الأخلاق، لا تكون النتائج إلا كارثية. لقد طرح السيد مبارك الفاضل برنامجه عن طريق الموضوعات ذات الأهمية، وهي ما يسميه الغربيون في الحملات الإنتخابية بالـ issues، كالصحة، والتعليم، ومحاربة الفقر، والسياسة الخارجية، وغير ذلك من الموضوعات التي يحاول كل مرشح أن يجعل منها محاور رئيسةً في برنامجه الانتخابي. غير أن السيد بابكر حنين لا يذهب، كما هو نهجه المرسوم له، إلى الموضوعات، وإنما يذهب إلى خطته الجاهزة التي تعمد إلى إغتيال الشخصية، وهلهلة صورتها. غير أن تلك الخطة فشلت فشلا ذريعاً في استضافته للسيد مبارك الفاضل، بل وعادت وبالاً على صورته هو، وصورة حكومته التي انتدبته للمهمة.

        حين انهارت خطة الأستاذ بابكر حنين، وذهب ريحها أمام ناظريه، لجأ إلى ما ظنه الطلقة الفضية الأخيرة في ذخيرته، وهي مسألة علمانية الدولة، ظاناً أن سيُدخل بها السيد مبارك الفاضل، في حجرٍ ضيق. غير أن السيد مبارك الفاضل، كان كأفضل ما يكون، حين واجه هذه النقطة بجرأةٍ، وبمضاءٍ، لا مواربة فيهن. وقال إن تلك المشكلة غير المنتحة أدخلنا فيها الساسة السودانيون منذ الستينات، وآن لنا أن نخرج منها. لقد وضع السيد مبارك الفاضل إصبعه مباشرة، على أصل تلك الأحبولة البيئسة، وهي أنه لا يوجد أصلاً شيء يسمى "دولة دينية"، لتقوم في مقابل ما يسمى "دولة علمانية"! ثم ذهب مباشرة ليبين "لادينية"، و"لاإسلامية"، و"لاأخلاقية" حكم الإنقاذ القائم، وهذا هو المهم في مواجهة كهذه. فالإنقاذ قد سقطت منذ زمان طويل من الكرسي الديني الذي حجزته لنفسها بنفسها، بقوة البطش والسلاح، والترويج الإعلامي للدعاوى والأكاذيب. الانقاذيون هم المتهمون اليوم، باللادينية، وباللاإنسانية، وباللاأخلاقية، وليس غيرهم من الناس. أشار السيد مبارك الفاضل بأن قضية الدولة الدينية، وما يسمى بـ "تطبيق الشريعة" ليستا سوى لعبة قديمة، وقد تخطاها الزمن. والحق أن الإنقاذ هي التي لعبت الدور الحاسم في أن يتخطي الزمن تلك الأحبولة البيئسة. فما برهنت به الإنقاذ، عبر أفعالها الشنيعة، من فسادٍ، ومن شراءٍ للذمم، ومن عنفٍ، ومن فظائع، ومن فتونٍ غير مسبوق بالثراء وبالبريستديج، هو الذي جعل الناس لا يأخذون هذه الأحبولة، الساذجة، "البايخة"، مأخذ الجد. بل إن أهلها أنفسهم أصبحوا حين يذكرونها ويذكرون "رساليتهم"، لا يملكون إلا أن يبتسموا ساخرين من أنفسهم!! وهكذا تمت "كلفتة" شظايا الحلقة التي أصابت الإنقاذ من رأسها إلى أخمص قدميها، وذهبت كل الأحابيل، والألاعيب، أدراج الرياح، وخرج الأستاذ بابكر حنين من حلقته تلك بـ "خفي حنين". لقد نال السيد مبارك الفاضل إعجاب الناس. فقد دلل في تلك الحلقة على كاريزما، وحضور ذهني ملفت، وجاهزية عالية، ومعرفة بمكر الخصم، وثقة في النفس لا تزعزع، وقدرة على الانفلات من الأحابيل، وبيسر شديد. لم يترك السيد مبارك محاروه ليحصره في أي ركن، بل جعل ذلك المحاور الإنقاذي محصوراً في عديد الأركان طيلة الحلقة. ويبدو أن السيد مبارك الفاضل قد تمكن بالفعل من أعادة انتاج نفسه، بما يناسب المرحلة الجديدة.

كلمة أخيرة:   

        لا شيء سيفيد البلاد، وسيفيد العباد، مثل المنابر الحرة. فالطريق الوحيد لكي ينفلت الشعب من قيد التضيل المؤسسي المنظم، هو فتح كل الأبواب للحوار. وما كان ينبغي للمعارضة، بما فيها الحركة الشعبية، أن تترك الإعلام في يد الحكومة لتتفضل عليهم هي بالفرص، وبشروطها التي تختارها. أين القنوات الفضائية للحركة الشعبية؟ وأين القنوات الفضائية للمعارضة؟؟ ألم يروا كيف يكون الحرص على المنبر الإعلامي الخاص، لدى حزب الله في لبنان، وغيره من القوى السياسية التي يحرص على أن تكون لها قنوات فضائية؟؟ غير أن ما نسميها قوى المعارضة، في كل صراعنا مع الأنظمة الشمولية، لم تكن سوى، "أي كلام". وبقي أن أقول، للأمانة وللتاريخ، ألا أحد من قادة الأحزاب، خاصةً قدامى القادة، ممن استضافهم "مجهر سونا"، قد كان في مثل قامة السيد مبارك الفاضل! فهو، على الأقل، محاور حاضر الذهن، قوي الدفق، قادر على التحكم في مجريات الموقف. فالمرشحون الكبار، ممن استضافهم "مجهر سونا"، ظهروا بقامةٍ أقل بكثيرٍ، من القامة التي ظهر بها السيد مبارك الفاضل. بل إن أحدهم كان ضعيفاً ضعفاً مزرياً، يستدر العطف والشفقة. فلو أن هؤلاء القادة القدامى، الذين لا يزالون يتشبثون بالقيادة، ويصرون على ترشيح أنفسهم ـ حتى بعد أن بلغوا من الكبر عتيا ـ أفسحوا المجال لشباب أحزابهم، لكانت أحزابهم اليوم أفضل حالاً، ولكانت بلادنا أفضل حالاً، ولكان وعي الجمهور بقضاياه أفضل حالاً. لقد شابت تاريخ السيد مبارك الفاضل شوائب كثيرة. وإني لأعزي تلك الشوائب إلى التضييع المستمر لطاقات الشباب، التي مارسته قيادات الأحزاب الكبيرة على شبابها، ومن تلك الأحزاب، حزب الأمة. لقد ظلت القيادات الشابة في تلك الأحزاب موضوعة على الرف على الدوام، حتى دب اليأس إلى نفوسها، فأخذت تتخبط، وتمد جسورها إلى الشمولية. ولكن، ولحسن الحظ، كانت "فسالة" الإنقاذ، ونكرانها وتهميشها للحليف أشد وأنكى، مما أعاد بعضهم إلى حضن حزبه. لم تضع الأحزال الكبيرة شبابها على الرف لكونهم قليلي المعرفة، أو قليلي الخبرة، وإنما بسبب نرجسية، وأنانية، وضيق أفق القيادات التاريخية، التي ظلت تتحكم في تلك الأحزاب. وهي قياداتٌ ديناصورية، لا يبدو أن شيئاً سوف يجعلها تتنحى، سوى شهابٍ منفلتٍ من الفضاء، يدك أرضها دكا!!