شهد السودان، ولأول مرة في تاريخه الطويل، محاولةً للاغتيال، استهدفت موكب رئيس وزراء الفترة الانتقالية الدكتور، عبد الله حمدوك. فشلت المحاولة، بحمد الله، وبقي علينا أن نتدبر دلالاتها، وأن نستثمرها في رفع مستوى الوعي، وفي سد الثغرات التي تمنع تكرارها. ولا نود أن نشير بأصبع الاتهام إلى جهةٍ بعينها، قبل أن تتضح نتائج التحقيقات، خاصة إن الجهات ذات المصلحة في مثل هذه الحادثة عديدة. فقد تكون الجهة واحدةً من عديد الجهات، الداخلية. كما يمكن أن تكون جهةً داخليةً، ذات ارتباطٍ بجهاتٍ، خارج البلاد. وربما يكون فعلاً أجنبيًا سخر أيدي سودانية. عمومًا لا نستبق نتائج التحقيق، التي نرجو أن تخرج بأسرع ما يمكن.
ما يهم هنا، هو فضح البنية العقلية البئيسة، التي ترى أن القيام بمثل هذه الأعمال يحقق لها مكاسب سياسية. ولقد مورس نهج الاغتيالات السياسية، عبر التاريخ، مرارًا، وتكرارًا، في كثيرٍ من البلدان، وفي مختلف الحقب. ما يجمع بين من ينتهجون هذا الأسلوب، هو العقلية التسلطية المتجبرة، التي تستخدم العنف، لتخلق واقعًا سياسيًا، جديدًا، ترى أنه يخدم مصالحها. يقوم هذا النوع من العقليات بمثل هذه الأفعال، حتى لو كان هذا الواقع الذي سينتج عن فعل العنف، مجرد حالةٍ ممتدةٍ من الاضطراب والفوضى. وما مصطلح "الفوضى الخلاقة"، الذي راج في فترة حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، إلا تجسيدٌ، مؤسسيُّ، مكبَّرٌ، لهذه النهج الانتهازي، الذي سيطر، في لحظة من حالات انطماس البصيرة، على عقول كبار الباحثين، في مراكز البحوث الاستراتيجية، ومواقع صناعة القرار، في دولةٍ بثقل الولايات المتحدة الأمريكية.
الدكتور عبد الله حمدوك ليس ديكتاتورًا فرض نفسه على شعبه. كما أنه ليس حاكمًا أتت به انتخابات عامة. هو رئيس وزراء أتت به ثورةٌ شعبيةٌ، وفق وثيقةٍ دستوريةٍ، لفترة محددةٍ، هي الفترة الانتقالية. فاغتياله لا يغير شيئًا فيما هو قائمٌ في الواقع العملي. فالثوار موجودون، وقوى الحرية والتغيير التي تمثل الثوار، موجودةٌ، وكذلك الوثيقة الدستورية. لذلك، فإن استهداف الدكتور عبد الله حمدوك، بالاغتيال، يدل على تفكيرٍ خابئٍ بئيس. اللهم، إلا إذا كان هذا الفعل رسالةً من جهةٍ ما، بغرض الإخافة والاجبار على التراجع، من مسارٍ، أصبح مهددًا لمصالحها. أو لربما، رأت الجهة المنفذة أن شخصية الدكتور حمدوك، وما أبدته من قدرةٍ على المناورة، قد حالت، أو أخذت تحول دون إفشال الفترة الانتقالية. فهناك قوى عديدة، متعارضة التوجهات، ظلت تتربص بالفترة الانتقالية. خلاصة القول، هذه الحادثة نعمةٌ في ثوب نغمة. فهي ربما ساعدت في ردم الهوة، التي أخذت تتسع، بين بعض الثوار وثورتهم. ولربما أكدت، أيضًا، أن حراسة الثورة هي مسؤولية الثوار، قبل غيرهم. وأن الانتصار، هو الخيار الوحيد لهذه الثورة، مهما كانت العراقيل.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.