صحيفة التيار 5 أبريل 2020

سبق أن قلت منذ سنوات، أن نظام الانقاذ تلبَّس الدولة بأكملها. لم تترك خطة التمكين التي بدأت، منذ العشرية الأولى للإنقاذ، موقعًا تنفيذيًا، أو تشريعيًا، أو قضائيًا، مؤثرًا، في منظومة الدولة، إلا وتولَّاه، شخصٌ، من الإسلاميين. وبعد أن حدثت المفاصلة، تركز التمكين في الجسم، النفعي، الضخم، المسمى، "المؤتمر الوطني". وتعود جذور التمكين، إلى فكرة إعادة هندسة الدولة السودانية، التي بدأت في مستهل العشرية الأولى. عمومًا، كان المجيء إلى دست الحكم، عن طريق الانقلاب العسكري، عملاً باطلاً، ومعلومٌ أن ما بُني على باطلٍ، فهو باطل. ولسوف تتناول هذه المقالة فرعًا من فروع الجهاز التنفيذي، وهو الحكم المحلي، الذي يمثل، في نظري، أهم مؤسسات إدارة الدولة، بسبب صلته اللصيقة بالجمهور. ولا يعني هذا أن التمكين، الذي حدث، في الجهازين؛ التشريعي، والقضائي، أقل خطورة.

السيطرة المطلقة على أجهزة الحكم المحلي القاعدية تعني، السيطرة على الجمهور. فعبر أجهزة الحكم المحلي، المرتبطة بحياة الناس اليومية، يجري جمع المعلومات لإحكام القبضة السياسية، والاقتصادية، والأمنية للنظام. فعبرها، نشأت الأذرع المساندة، كاللجان الشعبية، والأمن الشعبي، وغيرها من التنظيمات. عبر هذه الأذرع المتكاملة، يجري تزييف الانتخابات، ويجري شراء الذمم، ويجري تجنيد الأفراد للمنظومة، فيزداد إطباق السيطرة، ويجري ترسيخ الأدلوجة الحاكمة. أصبح الحكم المحلي، في عهد الإنقاذ أصبح أداةٍ للسيطرة، على مستوى الجذور، بتقديم الإغراءات للأفراد للاصطفاف إلى جانب النخبة الحاكمة. ومن ذلك، تقديم الخدمات، والتسهيلات للأفراد، من خلال التحكم في توزيع الأراضي، وتوزيع فرص الأعمال التجارية، والتلاعب في الفوز بالمناقصات، وفي مقاولات البروبوغاندا، كحشد البسطاء لكرنفالات البشير الخطابية، الفارغة.

لكن، رغم هذه القبضة الأخطبوطية، المُحكمة، التي استمرت لثلاثة عقود، استطاعت ثورة الشباب أن تبدأ حراكها من هذه الجذور، التي سيطر عليها الإنقاذيون. فلا الأمن الشعبي، ولا اللجان الشعبية، ولا جهاز الأمن المركزي، استطاعت أن تعطل الحراك، أو تخمد جذوته، حتى انتصر، في نهاية المطاف. أنجز الحراك الضربة الأولى، لكفاءة، لكنه وقف دون الثانية، وهي تفكيك التمكين. السبب، في تقديري، هو اعتلالات "قحت" كحاضنة سياسية، بسبب النحو الذي وُلدت به. فالتشرذم الحزبي، والرخاوة التي جعلتها تستسلم للجنة الأمنية. هذا ما جعل الحكومة الانتقالية تجئ على النحو الذي نراه الآن. لا يبدو، إلى الآن أن بنية الحكم المحلي الضخمة، التي تسيطر على كثير من مصالح الناس في العاصمة، وفي المدن الأخرى، وفي القرى، والفرقان، على مستوى القطر، قد طالها تفكيك التمكين. ولا شيء من الفساد في هذه المؤسسة الضخمة، قد جرى كشفه للجمهور. مع أنَّ التمكين في هذه المنظومة الضخمة، يمثل أحد آليات خنق الثورة.