صحيفة التيار 11 أبريل 2020

ارتدى الرئيس المخلوع، عمر البشير، في الثلاثين من ديسمبر، أي بعد اثني عشرة يومًا من اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، زي الشرطة الأزرق، وخاطب قيادات الشرطة، في لقاء متلفز، بدار الشرطة. كان يبدو في عينيه الجزع، ففاجعة السقوط أخذت ترفرف فوق رأسه. عندما اعتلى المنصة، وأجال عينيه الزائغتين في الحضور، أحس من نظراتهم، فتور الحماس، وقلة الاهتمام بما يقول. شرع في الكذب كعادته، قائلاً إن هناك تخريبًا للممتلكات. انبرى يتحدث عن القصاص، بعد أن منح نفسه حق الإفتاء، محاولاً أن يقنع مستمعيه، بأن قتل المتظاهرين، في الشارع، يُعدُّ قصاصًا. قرأ الآية الكريمة: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". لكنه، مع ذلك، رأى انخذال ما يقول، وضعف تأثيره على مستمعيه. لحظتها، بان على وجهه أن ميقات ذهابه قد دنا. بعد أربعة أشهر ذهبت إليه اللجنة الأمنية، في مسجد القياد العامة، في 11 أبريل، لتخبره بقرار عزله، فوجدت رجلًا منهارًا. سمع الخبر الصاعق، وطأطأ رأسه، وابتلع حسرته، وبدأ رحلة انزلاقه في نفق النسيان، تطارده لعنات الشهداء الذي ماتوا، والأحياء الذين عُذِّبوا، والذين تشردوا، في حروبه العبثية، على مدى ثلاثين عامًا. لكن، لم تأخذ اللجنة الأمنية أية عبرة من سقوط البشير، ولم تتعظ من فشل القنص العشوائي للمتظاهرين، الذي جرى على مدى أربعة أشهر، فقامت في الثالث من يونيو 2019، بما هو أبشع. نسيت اللجنة الأمنية درس البشير، على جدته، فغدرت بالشباب النائمين، الغافلين، في ساحة الاعتصام، وقتلت منهم المئات في ساعةٍ واحدة. "حكمةٌ بالغةٌ، فما تُغني النذر".

الأكثر غرابةً وإيلامًا مما فعلته اللجنة الأمنية، هو ما رشح من أن مدنيين، حزبيين، وبعضًا من كهنة السلطان، ومعهم بعضٌ من رجال القضاء، شاركوا في قرار فض الاعتصام. وهو قرار ترتبت عليه واحدةٌ من أكبر المذابح، فظاعةً، وخسةً، ونذالةً، في التاريخ. مذبحةٌ مورس فيها قتل العزل بدمٍ بارد، واغتصاب الفتيات، وإلقاء الجثث في النيل، وأرجل أصحابها مشدودٌ وثاقها إلى كتلٍ أسمنتية. وربما يكون بعضهم قد أُلقى، في النيل، وهم لا يزالون أحياء. أولياء أمور هؤلاء الشهداء، وكل صاحب ضميرٍ حيٍّ، في هذه البلاد، وما أكثرهم، في انتظار ما تسفر عنه أعمال لجنة التحقيق. علَّ ذلك يبرئ الجروح الغائرة، التي خطتها تلك المذبحة البشعة، في نفس كل سوداني وسودانيةٍ.

"حصان طروادة" الانتخابات المبكرة

التحول الذي جرى عقب ثورة ديسمبر 2019، لا يشبه التحولين اللذين سبقاه، في أكتوبر 1964، وأبريل 1985. في أكتوبر 1964، رضي الجيش أن يسلِّم السلطة بلا مقاومةٍ تذكر، وترك الأمر للمدنيين. غير أن الفترة الانتقالية، لم تصمد عقب أكتوبر 1964، سوى أربعة أشهر، فقط. ضغط الحزبان الكبيران، على رئيس الوزراء، سر الختم الخليفة، فقدم استقالته، منهيًا الفترة الانتقالية. وكانت دوافع الضغط، إلى جانب عجلة الحزبين الكبيرين، المعتادة، للوصول إلى السلطة، ما وضح من اختطاف الشيوعيين للثورة، عبر جبهة الهيئات. ومحاولتهم جعل أكتوبر، ثورةً جماهيريةً يساريةً، تستخدم الشرعية الثورية لتمكين العمال والمزارعين، ومن ورائهم القوى الحديثة، يسارية الطابع. الآن، يعيد التاريخ نفسه، فلقد قال السيد الصادق المهدي، منذ أول يومٍ للحكومة الانتقالية: "إذا فشلت الحكومة الانتقالية سنذهب إلى انتخابات مبكرة". وقبل أربعة أيام، كان العنوان العريض لصحيفة "صوت الأمة"، تصريحٌ لمحمد الجزولي يدعو فيه الجيش للتدخل لتصحيح مسار الثورة، على حد قوله. وهكذا أصبح الجزولي، المقرب من قطر، وحزب الأمة، في مركبٍ واحد.

أيضًا سيطر الجيش على الفترة الانتقالية، التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985. وقد حمد كثيرون، للفريق سوار الدهب، تخليه عن السلطة، بنهاية الفترة الانتقالية، وتسليم الحكم للمدنيين. لكن، فات على هؤلاء، أن سوار الذهب لم يفعل ذلك، إلا بعد أن أفرغ الثورة من مضامينها التي حملتها شعاراتها. ونفَّذ بدلا عنها، خطة الجبهة القومية الإسلامية، بمساعدة، رئيس الوزراء الدكتور، الجزولي دفع الله، القيادي في الجبهة القومية الإسلامية. عمومًا، لم تكن الديموقراطية الثالثة، سوى فترةٍ للإعداد للوثوب إلى السلطة، مارست فيها الجبهة القومية الإسلامية، مختلف الأساليب لهدم الديمقراطية، تمهيدًا لانقلابها العسكري، الذي نفذته في يونيو 1989.

عسكريو الديموقراطية الرابعة

لعب العسكر في كل فترةٍ أعقبت واحدةً من الثورات الثلاث، دورًا مختلفًا عن سابقه. ويمكن القول، إن أعقد وأخطر وضعٍ، في علاقة العسكريين بالمدنيين، لهو الذي بدأنا نشهد فصوله، منذ إزاحة الرئيس البشير. فالقوى حاملة السلاح تحولت في فترة حكم البشير إلى مؤسسة اقتصادية، بنخبٍ ثريةٍ، أصبحت جزءًا من نسيج النخب النيلية، الثرية، التي سيطرت على موارد الدولة السودانية منذ الاستقلال. فلو نظرنا إلى تأثير هذه الوضعية الجديدة، غير المسبوقة، المتعلقة بثروات العسكريين، وأضفنا إليها تورطهم في مجزرة القيادة العامة، وربما، تورط بعضهم في فظائع دارفور، وخشيتهم من المحاكمات، فسوف يتضح لنا جليًّا، صعوبة فك يد العسكر من السلطة.

لفك يد العسكر من السلطة، وإعادة الدولة السودانية إلى وحدتها العضوية، هناك طريقان، فيما أرى. الطريق الأول: حدوث تسوية، ومصالحة شاملة، تحقق العدالة لأهل القتلى، وتبرئ الجراح، وتجبر الأضرار، وتزيل الدولة الموازية. وربما اقتضى إزالة الدولة الموازية، منح كبار العسكريين، والأمنيين، في حالة التقاعد، مناصب رفيعة ومخصصاتٍ مغريةٍ، في الشركات شبه الحكومية، التابعة للجيش، والأمن، والشرطة، بعد أن تصبح تحت إشراف الدولة ورقابتها. فمن البديهي جدًا ألا يتخلى صاحب الامتياز عن امتيازه، بلا مقابل، خاصةً إن كان يملك القوة العسكرية. ولو كان أصحاب الامتيازات يتنازلون عن امتيازاتهم، هكذا، لتحققت العدالة والمساواة في العالم، منذ قرون، وقرون، ولما احتاجت الشعوب أن تثور، أصلا.

لن تصبح الدولة السودانية دولة إلا بالقضاء على الدولة الموازية، وأن يصبح كل شيءٍ خاضعًا للسلطة التنفيذية. قد يستغرب كثيرون هذا التدبير، بل وربما يستنكرونه، إلا أنه تدبيرٌ استثنائي، القصد منه فك حالةٍ مستحكمة الاستغلاق. لقد كان من الضروري أن تشمل المفاوضات منذ البداية، تفكيرًا في مثل هذا التدبير. غير أن الذين أداروا المفاوضات الماراثونية، عقب الثورة، لم يملكوا المعرفة، والحكمة، والشجاعة. لقد انصرفوا، في نشوة النصر الجزئي، إلى الأمور الإجرائية، الهامشية، وتجنبوا مناقشة العقد الرئيسية، التي تشكِّل ألغامًا مدمرة. ظنوا أن الوثيقة الدستورية، كما هي جميلةٌ على الورق، ستكون، بالضرورة، جميلةً على الواقع.

ستبقى كفة القوى التقليدية راجحة

إذا جرى رفض المقترح الأول من جانب العسكريين، أو المدنيين، أو منهما معاً، فإن الطريق الثاني، سوف يفرض نفسه بنفسه. هذا الطريق الثاني، غدت ارهاصاته واضحةً، تتمثل في هذا التحالف الضمني بين العسكريين، بمؤسساتهم الأربع: الجيش، والدعم السريع، والشرطة، والأمن، وبين الحزبين الكبيرين، (الأمة والاتحادي)، إضافة إلى طيف الإسلاميين، العريض. ولسوف يسيطر هذا التحالف الضمني، على المجلس التشريعي المرتقب. وسيكون هو الذي يضع صيغة السلام مع الحركات المسلحة، وفقًا لما يراه. كما سيسيطر على مفوضية الانتخابات، ويتحكم في وضع قانونها، وتقسيم دوائرها. يضاف إلى ذلك، أن حكومة "قحت"، أضحت أقرب ما تكون إلى الحكومة الصورية؛ فهي بلا سلطة قرار في الشؤون ذات الأهمية الكبيرة. كما جرى تقييدها، بإحكام، على مقعد الإملاق الدائم. فالمال، كله، في الجانب الآخر من الملعب، ومعه القوة العسكرية، وأذرع الدولة العميقة، والخبرة الطويلة.

لقد استهانت قوى الحرية والتغيير، المتنازعة فيما بينها، بقوة خصومها. كما أهملت العقد العصية على الحل. لذلك، خسرت التفاوض، وخرجت بورقةٍ مكتوبةٍ بإنشاءٍ حسن، يصعب جدًا تحقيق بنودها، على الأرض. ولسوف يجعل هذا الوضع، نتيجة الانتخابات القادمة محسومةً لصالح اليمين التاريخي، مثلما كان الحال في الديمقراطيات الثلاث، اللواتي مضين. لكن، لا بد من القول، إن داخل هذا الطريق الثاني احتمالٌ آخر، أكثر بشاعة، وهو قتل التطلع للتحول الديمقراطي، عبر خطواتٍ بطيئةٍ، محسوبةٍ، وإنشاء نظامٍ شبيه بنظام السيسي، في مصر، بهندسةٍ من القوى الإقليمية.

لا مستقبل لليسار بصيغه الراهنة

لقد ظل الصراع، عبر تاريخ السودان المستقل، سجالاً بين القوى التقليدية، والقوى الحديثة. وقد كسبت القوى التقليدية، حتى الآن، كل جولات الصراع ضد القوى الحديثة. تتحالف قوى اليمين مع بعضها، في المنعطفات الكبيرة، لأنها تتشارك كراهية اليسار. كما أن ما يجمعها، أيضًا، هو حب الرضاع من ثدي الدولة. فالنخب المالية عقب الاستقلال، كانت منحصرةً في حزب الأمة، وحزب الاتحاديين. ثم جاء الإسلاميون فأصبحوا هم الدولة، وأفقروا الجميع، بلا استثناء. يُضاف إلى ذلك، أنهم خلقوا من القوى حاملة السلاح، نخبةً ماليةً جديدةً، بالغة القوة. لكن، رغم أن هذه القوى، تجمعها كراهية اليسار، إلا أنها لا تملك إلا أن تصارع بعضها، مستقبلا، ودونكم غدر الإسلاميين بحزب الأمة، وبالاتحاديين. لذلك، غالبًا ما تصبح الديمقراطية الرابعة، مجرد صراعٍ على المغانم، والمناصب، مع إهمالٍ تامٍ لقضايا بناء الدولة.

لقد كانت ثورة ديسمبر ثورةً عظيمة، لكنها لا تزال ثورةً ناقصة. قامت بالثورة كتلةٌ جماهيرية ٌضخمةٌ، شديدةُ الحيوية، لكنها تفتقر إلى شيئين: القيادة المدركة، واللحمة الصلدة بين الجماهير والقيادة. هذا ما لم يدركه بعمق، أهل النزعة اليساروية، الذين أداروا التفاوض، وهم لا يزالون يقتاتون من تاريخهم ومن مانيفستوهاتهم القديمة. وهو، أيضًا، ما لم يدركه، شباب الإسلاميين، ذوي التفكير الأقرب إلى اليسار، الذين يصب جهدهم، رغمًا عنهم، في جيب اليمين الكبير. على شباب اليسار، وشباب الإسلاميين، وشباب الأحزاب التقليدية، واللامنتمين حزبيًا، أن يفكروا في انتاج صيغةٍ، مشتركة، لليسار. لكن، لكي تكون راسخة وفاعلة، لن تستغني، هذه الصيغة، عن البعد الروحاني.

سوف تزداد الشقة بين قحت وقاعدتها الجماهيرية، اتساعًا، بسبب إفلاس الحكومة. وبسبب العمل الدؤوب لقوى اليمين، كلٌّ من موقعه، في التسبب في الغلاء الطاحن، لخلق تذمُّرٍ شعبيٍّ واسعٍ، لإفشال الفترة الانتقالية. يقول الواقع القائم الآن، وبوضوحٍ شديد، أن إجبار العسكريين على الرضوخ للشرعية الثورية، قد فشل. والأمثل هو أن تتحول جماهيرية الثورة الضخمة، التي شهدناها، إلى وعيٍ مستحصد، وتصبح قوةً انتخابيةً ضاربةً، تفوز بالانتخابات، وتفرض برنامج الثورة، عبر صندوق الاقتراع. وهذا ما لم ينشغل به، من قوى الثورة، أحدٌ بعد. لذلك، سيفوز اليمين بالانتخابات القادمة، بتحالف عريضٍ بين مكوناته، كالعادة. وستصبح الديمقراطية الرابعة، كما ذكرت، نسخةً مكررة، إلى حدٍّ كبيرٍ، من الديمقراطيات الثلاث اللواتي مضين. أما الاحتمال الأسوأ والأبشع، كما ذكرت سلفًا، أيضأ، هو أن يجري قطع الطريق على التحول الديمقراطي، بخلق نموذجٍ شبيه بنظام الرئيس السيسي، في مصر، تنحصر أجندة في خدمة استراتيجيات الدول الخليجية. وفي كل هذه الأحوال، والاحتمالات، يبقى الطريق، لاستئناف الثورة، من جديد مفتوحًا. على الأقل، من الناحية النظرية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.