يرى محمود ممداني، أن القوى المدافعةَ عن الحداثةِ في السودان؛ بشقيها "العلماني" و"الإسلامي"، وهي قوىً تستند على طبقاتٍ وتكويناتٍ اجتماعيةٍ حضرية، خاصةً تلك التي تنتمي إلى الإنتليجنسيا من المهنيين، وضباط الجيش، والطلاب، أيقنت منذ بدايةِ الاستقلال، أنها لا تمثل سوى جزيرةٍ "حداثية"ٍ صغيرةٍ جدًا، في خضمٍّ شاسعٍ جدًا من القوى "التقليدية". فهم لم يكن في وسعِهم، أن يحصلوا على أغلبيةٍ من الناخبين، تأتي بهم إلى الحكم. ولذلك فقد عنت "الديموقراطية" بالنسبة لهم حراكًا ثوريًا يختصر لهم الطريق إلى الحكم. كانت رؤيتهم، والحديث هنا لممداني، ألا يتم تفريغَ الديموقراطيةِ من دورها الإنمائي النهضوي، لتصبح مجرد وسيلةً يستخدمها "التقليديون" في الجلوس الدائم على كراسي الحكم . ويستطرد ممداني فيقول، إن العداءَ بين المدافعين عن "التقليدية"، والمدافعين عن "الحداثة"، هو الذي جعل أنظمةَ الحكمِ في السودان تتأرجح بين أنظمةٍ ديموقراطيةٍ برلمانيةٍ، وبين سلسلةٍ من الانقلاباتِ العسكرية. فالتنافسُ الحزبيُّ على صناديقِ الاقتراعِ بين الحزبيْن "التقليديين"؛ حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديموقراطي، لم يكن السبب في ذلك التأرجح، واستمرار تلك الحلقةِ المفرغةِ، وإنما السببُ هو الصراعُ بين معسكر "الحداثيين"، ومعسكر "التقليديين" . غير أن وجهة نظر ممداني هذه قابلة، بطبيعة الحال، للأخذ والرد بشأنها. ولكن المهم هنا أن ما أورده ممداني يوضح حالةَ اللا اتساق، التي تميّزَ بها السياقُ السودانيُّ، الذي تحول بفعلِ الثاراتِ المتبادلةِ المتتاليةِ، إلى رمالٍ متحركة. لقد مارست القوى الحديثة ممثلة في اليساريين وفي الإسلاميين الفعل الانقلابي، كما مارست القوى التقليدية التي تتمسك بشكلية الديمقراطية جنوحًا إلى تفريغِ الديمقراطيةِ من محتواها وإلى تهميشِ القوى الحديثةِ والتضييق على المساحاتِ التي يمكن أن تتحرك فيها. لقد تشاركت كلٌّ من القوى التقليدية السودانية، والقوى الحديثة، الأخطاء الفادحة، سواءً بسواء. والشاهدُ، في كل ما تقدم، أن السياقَ السودانيَّ كان ولا يزال لا يسمِحُ بمواقفَ متسقة. والذي يحاكمون الآخرين استنادًا على اتساقٍ متوهمٍ، إنما يستخدمون، في حقيقة الأمرِ، مرجعيةً متخيَّلةً، لا تتماهي مع أيٍّ من جزئيات الواقع الذي عشناه جميعًا على مدى ستةِ عقودٍ من الزمانِ، عبر حقبةِ ما بعدِ الاستقلال.

المفكرُ المدركُ لحقيقةِ الشقةِ القائمةِ بين التنظيرِ وبين الواقعِ، لا يقف على السياجَ، وإنما ينخرط، وفقَ تقديرٍ ذاتيٍّ، في أتون المعترك السياسي، بما يتوفر له من فرصٍ عمليةٍ للانخراطِ في الحراكِ الجاري في الواقع القائم. وهذا ما فعله منصور خالد، حين آزر نميري، ضمن كثيرٍ من التكنوقراط، وهو عينُ ما فعله، مرةً ثانيةً، حين أصبحَ مستشارًا لجون قرن، وهو يراهن على قيامِ سودانٍ جديدٍ موحَّدٍ قائمٍ على مبادئِ المواطنةِ والتساوي في الفرص. نكص حكم جعفر نميري على عقبيه، عقبَ المصالحةِ الوطنيةِ، التي جرت عام 1977، واختار منصورٌ الخروجَ من ساحةِ الفعلِ السياسي، فغادرَ البلادَ، وتحوّل إلى مدفعٍ كبيرٍ، مصوَّبٍ على ما تبقي من نظام جعفر نميري.
أما تجربة منصور مع جون قرن فقد كادت أن تثمر انفراجًا في المعضلةِ السودانية المزمنة، خاصة بعد توقيع اتفاق نيفاشا. غير أن موتَ جون قرنق المفاجئ، وعملَ الإسلاميين الدؤوبَ على ملءِ نفوسِ الجنوبيين باليأسِ، من وحدةٍ مع الشمال، يمكن أن تنصفَهم، وتعتبرُ كينونتَهم المغايرة، وترد ظلاماتِهم، أدى، في نهاية المطاف إلى انفصال الجنوب، وإلى أن ينتهي النضال الجنوبي الطويل إلى هذا المآل الكئيب من الحرب الجنوبية/الجنوبية، الشرسة التي نشاهدها اليوم. كما انتهت فسالة الإسلاميين، وقصر نظرهم بالشمال السوداني نفسه، إلى هذا الحفرة من الفقر المدقع، والعزلة، التي ابتعلت القطر، وقادت إلى اليأس وخبوِّ كل بارقاتِ الأمل، ودفقًا من هجرةٍ ملحميةٍ إلى خارج القطر، قوامها الشباب.
حين أحاولُ أن أُجليَ ما يراه البعضُ التباساتٍ في خياراتِ منصورِ السياسية، لا أفعل ذلك بغيةَ الدفاعِ عنه، فهو أقدرُ على الدفاعِ عن نفسه مني، وقد فعل ذلك في مئاتِ الصفحاتِ، إن لم يكن في الآلافِ منها مما كتبه. كما أن منصورًا لم يستنكف أن ينقدَ نفسه نقدا ذاتيًا. محاولتي هنا هي أن أجلي حقيقةَ أن خياراتَه كانت خياراتٍ واعية. فهي، من وجهة نظري، حفرٌ في المنطقةِ الرماديةِ الواقعةِ بين الأبيضِ والأسودِ، وهي منطقةٌ لا تقدر الأكثريةُ على التفريقِ بين درجاتِها الرماديةِ. فالأمورُ، لدى الأذهانِ المتوقدةِ التي تفرق بين منطق النظرياتِ، وضبابيةِ لغةِ الخطابِ، وسيطرة مثاليةِ المبدأِ، من جهة، وبين منطقِ دينامياتِ الواقعِ من الجهة الأخرى، ليست بسيطةً. كما أنها ليست بيضاءَ أو سوداء.
تحدث منصور خالد عن نفسِه، مرةً، قائلا إن سلاحَه، الذي صحبه طيلةَ رحلتِه الطويلةِ من المعاناةِ الفكريةِ والنفسية، قلمٌ ظلَّ ينحتُ به في الصخرِ الصلد. ولا غرابة، فظروفُ السودان، لم تكن مواتيةً، في يومٍ من الأيام، لأيٍّ ممن حلموا الأحلامَ الكبارَ. ولذلك، فهي لم تترك للمحاربين من أجلِ المستقبلِ، من أهلِ القلوبِ الكبيرةِ، سلاحًا في أيديهم، سوى أقلامِهم. ولستُ بحاجةٍ إلى القولِ إن أرضَ السودانِ قد بقيت، حتى يومنا هذا، مقبرةً لأحلامِ الكبار. كما بقيت، في ذات الوقت، مشتلاً خصبًا، وفيرَ الإنباتِ، لتفاهاتِ الصغارِ، من صغار الأحلام، عيِّي العقولِ، جديبي الوجدان.
منصور الفنان
يتميز منصور خالد بكونه السودانيُّ الأكثر تحضرًا في مظهره، وفي أسلوب عيشه. ويظن البعض أن تلك السمات دلالةً على استلابٍ غربيٍّ، وما هي بذلك أبدًا. إن سمات منصور خالد التمدنية جزءٌ من بنيةِ وعيه، وجزءٌ مما ظل يتمناه لبلده، ولقومه، وجزءٌ من ذائقتِه الجماليةِ الرفيعةِ المتقدمة. اختيارُ الزيِّ الإفرنجي أو الزي البلدي، لا يعينان شيئًا في هذه الحقبة التاريخية التي تقاربت فيها الشعوب، واختلطت فيها أزياؤها. وأن تكون أنيقًا ومتمدنًا وصاحبَ أسلوبٍ في نمط حياتك، ليس له بالضرورة ارتباطٌ بنوعِ الزي أو نوع المسكن، أو نوع المأكل والمشرب. يمكن أن يكونَ المرءُ جلفًا، وهو يتقلّب في أجدِّ الأطر الحضارية. والعكس صحيح، يمكن أن يعيش الرجلُ دون خطِّ الفقرِ، ويكونُ متمدِّنًا صاحبَ أسلوبٍ راقٍ في العيش. لقد عشتُ في كنفِ الأستاذ محمود محمد طه، ثلاثةَ عشر عامًا، رأيته فيها في جميع متقلَّباتِ حياته اليومية، فلم أرَ رجلاً متمدِّنا مثلَه، رغم بساطةِ عيشهِ، الذي يقعُ دون متوسطِ عيشِ سوادِ السودانيين.
التحضرُ والتمدنُ لا يأتيان اتفاقًا، وإنما يأتيان نتاجًا لفكرٍ، ولتدبرٍ، ولرؤية. كما أنهما لا يأتيانِ بمجرد الارتفاق بمنتجاتِ الحضارة. فهما تعبيرٌ عن حضورٍ ذهنيٍّ، ووعيٍّ باللحظةِ، وبالذاتِ، وبالمحيط، وبالدورِ، وبالرسالةِ، في آنٍ معًا. فأسلوُب العيشِ المتمدنِ انعكاسٌ لفلسفةٍ حياتية. فالمظهرُ والمخبرُ إنما يحملان رسالةً تعليميةً متعدية. السلوكُ المهذبُ، والمظهرُ الأنيقُ، والحديث الهامس الخفيض، وتنغيمُ حركةِ الجسدِ، وضبطُ إيقاعه، وتهذيبُ تعبيراتِه، وجعْلُ كلِّ ذلك متّسمًا بالرزانةِ وبالاقتصادِ، وبالجمال، لا تكون بغير فكرٍ وحضورٍ ذهنيٍّ طاغ.
اختار منصورٌ رغدَ العيشِ، وأحاطَ نفسه بمظاهر التمدن، فكانت حياته كلها تعبيرًا عن طقسٍ جمالي متصلِ الحلقات. وكل تلك، أمورٌ يسرتها له إمكانياتُه، وتجاربُه الكوكبيةُ الثرة، وقد كان بها حقيقا. واختار الأستاذ محمود محمد طه بساطةَ العيش، وهو أمر كانت إمكاناته كافيةً لتوفرَ له رغدَ العيش. والتقى الاثنان في حمل رسالة الفكر، وفي بث رسالة التمدين، فيما كتباه، وفيما ظهرا به في سمتيهِما وأسلوبيهِما، على اختلافهما. وليس بين الأمرينِ مفاضلةٌ، في نظري، وإنما مجّردَ تجلٍ آخرَ من تجلياتِ التنوع، الذي لا تنقضي عجائبه. وكما يقولُ المتصوفةُ: "الطرائقُ إلى اللهِ بِعَدِّ أنفاسِ الخلائق". الشاهدُ، أنّ منصور خالد شخصٌ يُعمل فكرَه في شؤونِه كلِّها. فهو مثلما حاولَ تنغيمَ بيئتِنا السياسيةِ المرتبكةِ، بفكرِه وبناشطيتِه السياسة، حاول أيضًا أن يقدّمَ نموذجًا لما ينبغي أن يكونَ عليه المثقفُ السوداني، والفردُ السوداني، من حيث التمدينُ، ومن حيث الحضورُ الذهني، المعين على الحفاظِ على السمتِ المتمدين، وحراستِه من الترهُّلِ والتراجع، والسقوطِ في مستنقع الغفلة والجلافة.
كنت شاهدًا، وأنا طالبٌ في كليةِ الفنونِ الجميلةِ والتطبيقيةِ، في الخرطوم، في النصفِ الأولِ من السبعيناتِ، على الحضورِ الثابتِ للوزير منصور خالد، في معرضِ التخرج السنوي لطلاب وطالباتِ كليةِ الفنون الجميلة. فلربما كان الوحيدُ من المسؤولين، ومن المثقفين، الذي يحرص على اقتناءِ أعمال الطلاب الفنية. فما أن تتخرج دفعةٌ وتقيمُ معارضَها يأتي منصورٌ ويتجول ويشتري ما يروق له. كما أذكر أيضًا، أنه حين كان وزيرًا للخارجية، استدعى أستاذتَنا، الفنانة القديرة، كمالا إبراهيم اسحق، لتجمِّلَ جدرانَ وزارةِ الخارجية، بأعمالِها المميزة. وهذه مجردُ جزئياتٍ من تجلياتِ شخصيةِ منصورٍ الفنان، وأعلمُ أن ما لا أعرفه في هذا المنحى أكثرُ بكثيرٍ مما أعرف. الشاهد، أن منصورًا ظل حاضرَ الذهنِ على الدوام، وظل واعيًا، ومستحضرًا أن له دورًا ورسالة، وأنه في مكانِ القدوةِ والأنموذج.
خاتمة
جعلت عنوان هذه المساهمة "منصور خالد: جسرٌ سودانيٌّ إلى المستقبل"، وأرجو أن أكونَ قد أبنتُ فيها ما عنيته. فنحن الآن نعيش في أسفلِ دركِ الفشل السوداني، الذي شرّحه هو، وأبان سائر تجلياته، بما لا مزيد عليه. حاول منصورٌ أن يقرأ الواقعَ السودانيَ بعيدًا عن أيِّ أُطرٍ مسبقةٍ، وعن أيِّ قوالبَ جاهزةٍ مٍتوهمة، فانخرط في الفعل السياسي، حافزه في ذلك فعلُ الممكنِ بما يسمحُ به الظرفُ المتاح. عمل في الناشطيةِ السياسيةِ حينًا، واعتزل العملَ فيها حينًا آخر، لكنه لم يكفَّ عنِ الكتابةِ وعن الحديث. حلم أحلامًا كبيرةً، وعظيمةً، رسمها بعقلٍ متوقدٍ، وبجنان فنانٍ، وبنفسٍ حيةٍ تواقةٍ للجمالِ، وبروحٍ متعلقةٍ بأن يعُمَّ الخيرُ الجميع. غير أن الواقعَ والسياقَ كانا أبعد ما يكونان عن تحقيق الأحلام الكبيرة، وهما لا يزالان كذلك. ولربما سيبقى على المرهفينَ التواقين للرفعة العامة، أن يستمروا في النحتِ في الصخرِ، وربما أن يبقوا مرددين مع محمد الماغوط قوله: "أريد كفنًا واسعًا لأحلامي".
جسَّد منصور خالد، أطال اللهُ عمرَه، وأسبغ عليه نعمةَ العافيةِ، في حياتِه العامرةِ المنتجةِ الكثيرَ من القيم التي تربطُ بين حاضِرنا هذا المضطرب، وبين مستقبلِنا البهيِّ، الذي نرجوه ونتوق إليه. لقد قدم منصور خالد للسودانيين، زادًا بحثيًا مرقومًا في سلسة من المؤلفات، لم يقدم مثلَه أحدٌ من السودانيين. وقدّم بأسلوبِ حياتِه، وبمهنيته، وانضباطه، وتفانيه في الإنجاز، وحرصه على التجويد، قيمًا أظن أن السودانيين هم أحوجُ شعوبِ الأرض إلى تمثلِها. وأهمُ ما قدمه منصور، في تقديري، ليس الكتابةَ، وليس الفعلَ السياسي، وإنما الشجاعةَ منقطعةَ النظير، والفرديةَ، والانعتاقَ من قبضةِ القطيع. كذلك قدم الاعتدادَ بالنفسِ، وعدمَ مهادنةِ الخصوم. كما كان ناجحًا، بقدرٍ لا يُصدقُ، في سلبِ سلاحِ الدينِ، وسلاح الذاكرة التاريخية العربية الإسلامية، من أيدي من يستخدمونها بغيةً للباطل. أيضًا، جسد منصورٌ هيبةَ المعرفةِ، وامتلاكَ ناصيةَ الكلمةِ، التي تخرسُ الخصومَ، وتجعلهم يتقاصرون. لم يستطعْ أحدٌ من المشتغلينَ بالاتجارِ بالدين، من السودانيين، أن يرهبَ منصور خالد، على الإطلاق. بل لم يدعهم حتى أن يطمعوا فيه، مجرد طمع. لقد كان الأجهر صوتًا في رفع ذكر الأستاذ محمود محمد طه، رغم شراسة الإرهاب الديني الذي اغتال الرجلَ حسيًا، وسعى إلى استدامةِ اغتياله معنويا. لقد عاش منصور خالد طيلةَ حياتِه وسطَ غابةٍ من الرماحِ المشرعة، لكنه أجبر حامليها بكاريزماه الطاغيةِ على أن ينكِّسوا رؤوسها. إن منصور خالد شخصٌ جديرٌ جدًا بالاحتفاءِ وبالتكريم، وإنه لشرفٌ لي أن أجد الفرصة لأقول شيئًا في تكريمه. وأرجو أن يكون فيما قلتُ ما يرقي إلى قامةِ الرجلِ السامقةِ، وما يليقُ برمزيته في بنيةِ الفكرِ والسياسةِ في السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.