صحيفة التيار 10 يونيو 2020

رغم أن تحسنًا طرأ على الأداء الإعلامي للمرحلة الانتقالية، إلا أننا لن نمل الطرق والتنبيه إلى أن الإعلام لا يزال دون مستوى الثورة ومهامها، وتطلعات ثائريها. لا يمكن لأي ثورة أن تنجح بلا ذراع إعلامي؛ يكشف عورات المرحلة السابقة، ويجلي دخان التشويش الذي لا ينفك كارهو الثورة ينفثونه لتكريس ضبابية الرؤية. فالثورة، أي ثورة، يحرسها، في المقام الأول، الوعي الشعبي وليس نخبها المتنفذة. لذلك يصبح من الضروري أن يقوم الإعلام بتذكير الشعب لماذا ثار أصلاً، وما مدى الاستبداد والظلم الذي وقع عليه، وكم من مقدَّراته نُهبت. وأيضًا، ما هي الفرص التي أتاحتها له الثورة لإعادة بناء الدولة وتثبيت حكم القانون والحريات العامة، واستعادة كرامة البلاد، وتحسين معيشة الناس، والانطلاق نحو النهضة لشاملة.

العاطفة والحماسة اللتان تقفان وراء أي ثورة معرضتان للوهن والتلاشي. والإعلام هو الرافعة التي تحفظ الوعي والحماسة، وتستبقي الأعين مصوبةً على أهداف الثورة. فالأذرع الإعلامية التي يملكها الكارهون للثورة، العاكفون على مخططات تصفيتها، أكبر وبما لا يقاس مما تملكه الثورة. ولا يبدو، حتى بعد مرور عامٍ من أداء حكومة رئيس الوزراء حمدوك القسم، أن تقدمًا جوهريًا قد حدث في ملف الإعلام.

أدركت الإنقاذ، قبل أن تصل إلى الحكم بسنوات، أهمية الإعلام في تثبيت نظامها. فأنشأت الصحف التي نخرت جذع شجرة الديموقراطية الثالثة. وبعد سطوها على السلطة بالانقلابات العسكري، أنشأت عددًا من القنوات التلفزيونية وعددًا من المحطات الإذاعية؛ (إف إم). كما موّلت عبر جهاز الأمن وبمال التنظيم عددًا من الصحف؛ الورقية والإلكترونية، والمواقع الإخبارية. وملأت كل هذه الأقنية بمنسوبيها. كما أنشأ جهاز الأمن جيشًا من الذباب الإلكتروني. وقد بلغ الطموح الإعلامي للإنقاذ درجة دفع مبالغ لينشئ قناة الشروق التي تبث من دبي. لكن، بسبب ذهاب النفط مع الجنوب أعيدت "الشروق" لتبث سموم المؤتمر الوطني للشعب من داخل البلاد.

الشاهد، أن إنشاء إعلامٍ مقتدر؛ من حيث الرؤية، والكوادر، والبنية التحتية، ليس ترفًا. أي، ليس أمرًا ثانويًا يُوضع في نهاية سلم الأولويات. الإعلام ضرورةٌ استراتيجية تتصل بالبقاء، لأن الثورة، في ذاتها، يمكن أن تُجتاح من ثغرة الضعف الإعلامي. غير مقبولٍ أن يتحجج المسؤولون عن الإعلام بقوانين الإنقاذ المكبلة، وبضعف الميزانيات. واجب الحكومة وهي ذات سند شعبي غير مسبوق، أن تغير التشريعات، وأن توفر المال المطلوب. فالإعلام لا يقل عن أي شيء آخر تضعه في سلم أولوياتها، إن لم يكن فوقها. إضافة إلى ذلك، فإن من مهام المسؤول القيادي في أي مرفق العمل على زيادة الموارد. لماذا، مثلاً، لا يجري إطلاق نداء إلى المغتربين والرأسمالية الوطنية، وعامة الشعب، لدعم الذراع الإعلامي؟ وهل من الممكن تلمُّس سبل العون لدى الدول الصديقة المقتدرة؟

غض النظر عن كل ما تقدم، فإن العلة ليست منحصرةً في شح الامكانات، وحسب، وإنما أيضًا في ضعف القدرة على استخدام ما هو موجودٌ منها أصلا بصورةٍ أفضل. تملك الحكومة القناة السودانية الرئيسية، وأصبحت تملك قناة الشروق. كما لها أسهم مقدَّرة في قناة النيل الأزرق. يضاف إلى ذلك، قناة الخرطوم الولائية، وغيرها من القنوات الولائية الضعيفة التي تشوه صورة البلد. فمتى سنجري إصلاحًا للتشريعات، به نستعيد كل هذا المال العام المهدر، ونوجهه لبناء ذراعٍ إعلامي مقتدر؟