صحيفة التيار 17 يونيو 2020

إذا كنا مؤمنين حقَّا بضرورة التحول الديمقراطي، فينبغي علينا أن نعمل بصدق وبشفافية أكبر مما نفعل الآن. ما يجري الآن أغلبه "مكاجراتٌ" ومحاصصاتٌ، وضربٌ تحت الحزام، ودفنٌ للمحافير. كل قبيل يظن أنه سوف يكسب الصيال بهذه الأساليب الملتوية. وفي هذا فصور خيال وضعف تصور لهشاشة الوضع الذي نعيشه وتعقيداته. الوثيقة الدستورية المعيبة، جاءت نتيجة لأن الطرفين؛ الثوار والعسكريين، لم يملكوا القوة الحاسمة. لا نود أن نكرر بعد هذه الثورة فشل تجاربنا الديمقراطية التي أدارتها نخبنا السياسية بتلك الصورة السيئة، التي فتحت الباب للعسكريين لكي ينخرطوا في العمل السياسي. وانخراط العسكريين في العمل السياسي هو أكثر ما يُقعد البلدان عن النهوض، بل ويدمرها. ودعونا نتأمل، على سبيل المثال، تجربة ضياء الحق في باكستان، وعبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي، في مصر، وعلي عبد الله صالح في اليمن، وآل الأسد في سوريا، والبشير ونميري في السودان. لحظة أن يخرج الجيش عن دوره في حفظ أمن البلاد من الاعتداءات الخارجية، والالتزام بالدستور في حماية الديموقراطية، ويتحول إلى فاعل سياسي، يفقد احترامه، ويتحول إلى أكبر عائق للنهضة.

اعتمدت الإنقاذ على مدى ثلاثين عامًا، نهج كسر إرادة خصومها، فقضت على الأخضر واليابس. ورغم المماطلة، اضطرت، في نهاية الشوط، لأن تخلي المسرح مكرهةً. عقب ثور ديسمبر، انتهجت اللجنة الأمنية، بعد أخذ موافقة بعض المدنيين، نفس نهج البشير، وأرادت كسر إرادة الشعب، عن طريق فض الاعتصام بفظاعة مقصودة، كان الغرض منها أن تحدث أكبر صدمة نفسية ممكنة لكسر الإرادة. لكن جاءت النتيجة على عكس ما جرى التخطيط له. فقد عدَّلت مليونية 30 يونيو 2019، ميزان القوة، من جديد. لقد كان فض الاعتصام خطأً فادحًا، ليته لم يحدث. فنحن الآن نعاني من تبعاته العديدة، ولربما تستمر معاناتنا منه لبعض الوقت، بسبب التعقيدات التي أحدثها. تتسم معظم النخب الحاكمة في العالم بالصلف، والغطرسة، والاستهانة بأمر الشعوب. يحدث هذا لدينا، كما يحدث في بعضٍ من أعرق الديموقراطيات، وأرسخها. فالإنسان، أينما كان، لم يتخلص، بعد من الوحش الرابض في داخله. هذه الوحش يلبس أحيانًا زي مُدَّعِي الغيرة على الدين، وأحيانًا بزةً العسكر، وأحيانًا أخرى بدلةً وربطة عنق.

على من لا يزالون يظنون؛ من العسكريين بمختلف فئاتهم، ومن السياسيين، أن الأساليب المتوارثة لترويض الشعوب والسيطرة عليها لا تزال فاعلة وحاسمة، أن يعيدوا التفكير. العالم يتغير الآن بصورةٍ غير مسبوقة. وها هي نخب الولايات المتحدة، التي طالما ظنت أنها محصنة من خطر الثورات، تقف اليوم مذهولة أمام ما يجري في شوارعها. لقد أخذ عصر الشعوب يقوض بنية عصر النخب. فلتجعل النخب؛ عسكرية كانت أو مدنية من هذه الحقيقة نجمًا هاديًا لخياراتها. تعقيدات ظرفنا الراهن في السودان تحتاج شجاعة استثنائية، ومرونة عالية، ونكرانًا للذات. فدعونا جميعًا نضع جميع الأوراق على الطاولة، لنجري حوارًا جديًا صادقًا شفافا. لأنه في نهاية الأمر لن يصح إلا الصحيح. حاول البشير أن يجعل من شعبه وبلده "درقة"ً تحميه، واشترى بذلك الأسلوب الوضيع لنفسه ولبطانته بضع سنوات بئيسات، ثم وقع، في نهاية الأمر، فيما كان يخشاه. القادة العظام، الذين يخلدهم التاريخ، هم من يفدون بلدهم وشعبهم، لا من يجعلونهما "درقةً" لوقاية أنفسهم، ويفشلون في نهاية المطاف.

////////////////////