صحيفة التيار 22 يونيو 2020

ما أكثر ما بنى السياسيون على مر العصور، أمجادهم على تضليل الرأي العام. وقد كان أمضى سلاحين في تضليل الرأي هما الخطاب الديني والخطاب العرقي. استخدم الحكام المسلمون، بحكم تخلف وسائط الاتصال في العالم القديم، الفقهاء وأئمة المساجد كذراع إعلامي. فهم من يجتمع الناس لديهم في المساجد لأداء الصلوات، خمس مرات في اليوم، إضافة إلى يوم الجمعة. ولقد رُمي كبار المفكرين المسلمين بالزندقة عن طريق التضليل. فما أن يفكر مفكرٌ على غير مألوف ما هو سائد، ويحس الحاكم أن في ذلك ما يهدد عرشه، ولو بعد حين، يجري رميه بالكفر والإلحاد والزندقة. ولربما لا يعرف كثيرون أن أشهر الفلاسفة المسلمين الذين نباهي بهم الأمم اليوم، قد رُموا بالزندقة. من هؤلاء، على سبيل المثال: ابن رشد، والكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن الهيثم، وابن المقفع، وأبو العلاء المعري. في مسرحيته الشهيرة "مأساة الحلاج" صوَّر الشاعر صلاح عبد الصبور جوقةً من العوام وهي تردد: "صفونا صفًّا صفًّا/ الأجهر صوتًا والأطول، وضعوه في الصف الأول/ ذو الصوت الخافت والمتواني، وضعوه في الصف الثاني/ أعطوا كلًّا منا دينارًا من ذهبٍ قاني، براقًا لم تمسسه كف/ قالوا: صيحوا زنديقٌ كافر، صحنا: زنديق كافر/ قالوا صيحوا: فليُقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا، صحنا: فليُقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا/ قالوا امضوا فمضينا" ... إلخ.

في القرن العشرين شيطن الشيوعيون السوفييت خصومهم فقتلوهم، وأرسلوا الملايين منهم إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا. وشيطن النازيون والفاشيون خصومهم في أجهزة الإعلام قبل أن ينقضوا عليهم. وفي رواندا استخدم متطرفو إثنية الهوتو الخطاب العرقي الملتهب للتحريض على قتل أقلية التوتسي. وقد كان لبضع مذيعين من الهوتو الدور الأكبر في التحريض، الذي أدى إلى مقتل ما يقارب المليون شخص، فيما لا يزيد عن مئة يوم. لقد كانوا يذيعون شفرات تقول: " اذهبوا إلى العمل"، و: "المقابر لم تمتلئ بعد"، وأحيانا يقولون بوضوح: "اقتلوا صراصير التوتسي". وقد جرى تقديم هؤلاء إلى محكمة الجنايات الدولية، وحُوكم فرديناند ناهيمانا مؤسس لقناة راديو وتلفزيون في رواندا، بالسجن مدى الحياة. كما حوكم، أيضًا بالسجن مدى الحياة، حسن نقيز، مالك ومحرر صحيفة "كانقورا" الهوتية المتطرفة.

استخدمت الإنقاذ خطاب التضليل بكثافة أثناء التصعيد غير المسبوق في الجنوب، بمنحها طابعًا دينيًا. وقد أنتج الإعلام الإنقاذي سيلا من البرامج في تلك الوجهة. وحتى بعد أن انتصرت ثورة ديسمبر المجيدة أنتجت هذه العقليات البرنامج الأسوأ في تاريخ الإعلام السوداني، الذي حمل عنوان "خفافيش الظلام". أنتجوا هذا البرنامج في وقتٍ أخذ فيه هذا النوع من الاستخدام الخبيث للإعلام في التراجع والانكماش، على مستوى العالم. خلاصة القول، إن العالم قد أخذ يبتعد عن أساليب التضليل والتحريض وبث الكراهية الدينية والعرقية، بل وشرع في تجريمها، بحزم. ولا منجىً لنا إلا بالسير في هذه الوجهة. فقيم الحق والعدل وتكاملية الضمير الإنساني لا تنفصل. وقد أسعدني جدًا، أن أستمع في برنامج الأستاذ لقمان أحمد، "حوار البناء الوطني"، أن هناك اتجاهًا لإصدار تشريعات تجرم خطاب الكراهية العرقية، وتحاكم عليه. وأرجو أن يشمل ذلك خطاب الكراهية الدينية، أيضًا، فهو الأسوأ، على الاطلاق، في نسف الاستقرار وتقويض السلم الاجتماعي.