صحيفة التيار 5 يوليو 2020

لم أفاجأ البتة بما اعترى جسد ما سميت الحاضنة السياسية للفترة الانتقالية، من شروخ في شقيها الحزبي والنقابي. فكل من قرأ تاريخ العمل السياسي السوداني بدقة، وتتبع مسار الاخفاقات المتتالية، التي أحاطت به منذ الاستقلال، لا يتوقع أن تبرأ علله في يوم وليلة. ما يسيطر على عقول ساستنا هو التفكير النخبوي، الفوقي، الإملائي. أي، لم يتبلور بيننا، بعد، إيمانٌ راسخٌ بالديموقراطية، وبأن وعي الجماهير هو ما به تترسخ وترتقي. الذي ظل يجري، هو نهج اهتبال الفرص، والخطف، والتسلق على أكتاف الأحداث المفصلية، كالانتفاضات والثورات، بغرض "التكويش" على مواقع صناعة القرار، بواسطة فصيلٍ سياسي ما، ليستمر، من ثم، نهج التغيير من أعلى إلى أسفل. وهذه ممارسة مستترةٌ للشمولية وسمت كل فترة انتقالية.

من الخطأ، في تقديري، أن نتصور أن كل الذين تكونت منهم الحاضنة السياسية للفترة الانتقالية، يختلفون اختلافًا بائنًا عن سياسي الإنقاذ. فلقد تربوا جميعًا في ذات البيئة السياسية المريضة؛ منذ أن كانوا طلابا. وأساتذتهم هم أولئك الذين كانوا يديرون المجال السياسي العام، من سياسيي الأحزاب الأيديولوجية. لقد تناسلت هذه البنية السياسية المليئة بالعلل، لتنجب هذا القطاع القيادي الذي يشكل القشرة الفوقية الرقيقة، الطافية على سطح الفعل السياسي في السودان الآن.

عبر العام الذي تصرَّم منذ يونيو 2019، انفصمت عرى التناغم بين ما سميت "الحاضنة السياسية"، وجمهور الثوار. ففي حين كانت لجان المقاومة، في الأحياء، تسأل عن تطبيق شعارات الثورة، وعن تفكيك نظام الانقاذ، والاقتصاص من مجرميه، ومعالجة الضوائق المعيشية، انشغلت الحاضنة السياسية بمصارعة بعضها؛ في شقيها الحزبي والنقابي. لم تبرهن مكونات هذه الحاضنة، وهي أصلاً حاضنة متضاربة الأهداف، مخترقة؛ داخليًا وخارجيًا، أن لها رؤية تضامنية، لما سيعقب الفترة الانتقالية. فقد حصرت جهدها في مناورات وتكتيكات توهم كل فريق منها أنه حين يسيطر عبرها على بعض المواقع والتشكيلات، فإنه يستطيع أن يرسم الخطط، التي تمكنه من السيطرة على مآلات الأمور في السودان، بمفرده، عقب الفترة الانتقالية. أيضًا، انخرطت الحركات المسلحة في نهج مشابه، انحصر به هم غالبيتها في المقاعد التي ستحصل عليها في المجلس السيادي، وفي حقائب الوزارة، وفي مقاعد المجلس التشريعي، وفي قائمة الولاة.

أما جمهور الثورة العريض، فهو منفصلٌ عن هذه الأجندة. فهي لا تخصه ولا تخص ثورته، التي دفع ثمن استحقاقاتها دمًا وعرقًا ودموعًا ومآسي. والآن، في هذا الوضع من الخطوط المتباعدة، وسط ترويكا الفترة الانتقالية، ينبغي أن يستثمر حمدوك التفويض الشعبي غير المسبوق، الذي منحته له 30 يونيو الثانية. بداية ذلك، أن يعرف أن داعمه وحاميه هو الشعب، وليس أي جهة أخرى. وأن الوثيقة الدستورية، رغمًا عن ثقوبها، هي أصلاً من صنع الشعب، الذي نابت عنه في صياغتها مجاميع أتت بها إكراهات مختلفة تحكمت في الكيفية التي انبثق بها التفاوض وسارت بها مجرياته. بعبارةٍ أخرى، لا ينبغي أن يخضع حمدوك لأي ابتزاز، من أي جانب، من جوانب الترويكا. وأن يتحلى بالكاريزما القيادية، فهي مطلوب هذه المرحلة. ونحن في انتظار قراراته التي وعد بها. ولابد من ملاحظةٍ في الختام، تأسست على قراءتي للمشهد في الشارع العريض، وهي أن هذه الثورة، فيما يبدو، قادرة على كنس كل من لم يفهم طبيعتها. ومن بين هؤلاء كثيرون توهموا أنهم صانعوها وقادتها المتحكمون في مجرياتها.