صحيفة التيار 8 يوليو 2020

خطوتان إيجابيتان بارزتان ظهرتا في لقاء وفد الحكومة المركزية الذي زار المعتصمين في نيرتتي في الأيام القليلة الماضية. الخطوة الأولى هي التوجه نحو العودة، مرة أخرى، الى الحكم الإقليمي، بحيث تعود دارفور الكبرى، إقليمًا واحدا. والحق يقال، فقد خلقت التقسيمات الكثيرة، التي جرت في كردفان ودار فور، تحت مسمى "ولايات"، إشكالاتٍ عديدة. ولم تكن دوافع الإنقاذ، بحكم طبيعة النظام ذاتها، تتجاوز مجرد خلق وظائف لإرضاء منتسبيه الباحثين، أصلاً، عن السلطة والوجاهة والثروة، الذين لا تهمهم المصلحة العامة، وإنما مصالحهم الشخصية. فهناك اتفاق ضمني غير معلن، بين هؤلاء، وبين مركز النظام، فحواه: "مكن لنا من السلطة والثروة والوجاهة، وسنمكن لك البقاء المستدام في السلطة".

لقد جرى تقسيم كلٍّ من كردفان ودارفور إلى عدة ولايات، في حين أن ما أصبحت تسمى ولايات حاليًا، كانت مجالس ريفية. وكانت تُدار بكفاءةٍ أفضل، بواسطة طاقم إداري قليل. لقد أحدث الإنقاذ بسبب نهجها لاسترضاء القبائل ووجهائها، تفتيتًا اجتماعيا، كان خصمًا على الوحدة الوطنية، المعتلة أصلا. كما خلقت جيشًا جرارًا من الدستوريين والتنفيذيين، وغيرهم، من مختلف الوظائف، أصبحوا، عبئا ثقيلاً على ميزانيات بالغة الشح. لقد حال تقسيم الإقليم إلى ولايات كثيرة دون انتهاج سياسة موحدة وهي ما يحتاجها إقليم كدارفور، ظل مضطربا لعقود.

تتسم دارفور وكردفان، عمومًا، بوحدة عضوية منذ مئات السنين. ومن الأفضل لمواطني هذين الإقليمين أن يدارا من مركز إقليمي واحد، مثلما كان جاريًا منذ الحقبة الاستعمارية وإلى مجيء نظام نميري. بل من المهم جدًا مراجعة كل التقسيمات غير الضرورية، بل والضارة، التي قامت بها الإنقاذ في بقية أقاليم السودان. من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة تحقيق العدالة الاجتماعية. ولا يمكن أن تتحقق فوائض مالية تسمح للثروات أن تتدفق فتؤثر على حياة عموم الشعب فترتفع أحواله المعيشية وهناك جهاز حكومي ضخم مترهل يستهلك الميزانية يذهب نصيب الأسد منها إلى البند الأول المتعلق بالمرتبات. وتتبع ذلك عادة صنوفٌ من الامتيازات لأهل الوظائف العليا. والأهم من ذلك، أن ضخامة الجهاز البيروقراطي لا ترهق الميزانية وحسب، وإنما تخلق، بطبيعتها، تعقيدات إدارية تبطئ من حركة دولاب العمل. كما ترهق المواطنين بالتعقيدات غير الضرورية. ولقد أتاحت لنا ثورة المعلومات، فرصة الأخذ بأنموذج الحوكمة الإلكترونية، الذي يقلص الترهل في الوظائف ويسمح بقيام حكومة رشيقة وجهازٍ إداري فعال.

أما الخطوة الإيجابية الأخرى فتتمثل فيما أعلنه السيد وزير العدل، نصر الدين عبد الباري، عن الاتجاه إلى إنشاء جهاز أمن يتبع للنيابة. وهذا، فيما يبدو، شبيهٌ بجهازي (إف بي آي) في الولايات المتحدة و(إم آي 5)، في المملكة المتحدة. وهما جهازان مختصان بالاستخبارات الداخلية، وبالتحقيقات في الأمور المتعلقة بقضايا الأمن الداخلي المختلفة. ميزة هذا الجهاز أنه يصبح عينًا للنظام العدلي. فهو يراقب ويضبط ويضع الأجهزة الحكومية تحت طائلة المحاسبة، بما في ذلك الشرطة نفسها، إن اقتضى الأمر. هذا الجهاز المرتبط بالنيابة يقف حائلاً دون خروقات القوانين والتجاوزات في أجهزة الدولة المختلفة. ولقد رأينا كيف استجوب جهاز (إف بي آي) كبار المسؤولين الأمريكيين في مختلف العهود. ونحن كلنا تطلع الآن لدولةٍ لا أحد فيها فوق القانون.