صحيفة التيار 13 يوليو 2020

في البدء، لابد لي أن أعرب عن الشعور بالغبطة الذي غمرني، وأنا أتابع مجريات اللقاء مع الدكتور، نصر الدين عبد الباري، وزير العدل، وهو يجيب بمعرفةٍ، ومهنيةٍ، ورزانةٍ، على أسئلة الأستاذ لقمان أحمد، في برنامجه التوعوي، "حوار البناء". لقد بدا أن وزارة العدل قد أخذت تعود، بعد طول غياب إلى المهنيين الأكفاء، أهل المعرفة الأكاديمية، والحس العدلي السليم، والإلمام بمبادئ حقوق الإنسان، وبمجمل ثقافة العصر. وافقت مشاهدتي لهذه الحلقة المتميزة، قراءتي هذه الأيام لكتاب كليف تومسون "يوميات ثورة أكتوبر 1964"، الذي قام بترجمته الصديق، بروفيسور بدرالدين الهاشمي، وقدم له بروفيسور عبد الله علي إبراهيم. وكليف تومبسون أستاذ قانون أمريكي، بدأ حياته المهنية في جامعة الخرطوم في الستينات. وقد كتب مشاهداته ومتابعاته اليومية لمجريات ثورة أكتوبر؛ منذ الندوة التي استشهد فيها القرشي، إلى سقوط نظام الفريق عبود، وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة سر الختم الخليفة. شفع تومسون تلك اليوميات، في السنوات اللاحقة، بمقابلات مُعمَّقة، أجراها مع طيفٍ واسعٍ ممن أداروا تلك الأحداث. فجاء كتابه سجلاً تاريخيًا فريدًا لأسبوعٍ عظيمٍ في التاريخ السوداني المعاصر. نشرت الكتاب، دار المصورات بالخرطوم، وهو كتابٌ جديرٌ بالقراءة وبالاقتناء.

جاء ذكري كتاب تومسون هذا لارتباط موضوعه، بالصورة المشرفة التي ظهر به وزير العدل في هذه المقابلة. فقد أورد الكتاب مواقف مضيئة ومشرفة لشخصيات عملت في النظام العدلي؛ كالقاضي أبورنات، والقاضي بابكر عوض الله، والقاضي عبد المجيد إمام، والمحاميين، محمد أحمد محجوب ومبارك زروق. من يقرأ الكتاب يعرف مستوى المهنية الرفيع، والاعتداد بالنفس وبشرف المهنة، والحرص على سلامتها من التلوث بدنس السلطة والسياسة لدى كل هؤلاء. لذلك، فإن ظهور وزير العدل بهذه الصورة المشرفة، بعد عقودٍ من تدنيس القضاء، ووزارة العدل، والنيابة العامة، في عهود الحكم الديكتاتوري، خاصة في عهد الانقاذ، بعث في نفسي الأمل أن ماضينا المشرق الذي كدنا أن نيأس من استنقاذه، قد أخذ الآن يبشر بعودةٍ أكثر إشراقا. ولا غرابة، فوزير العدل حاصلٌ على دكتوراه القانون من جامعة هارفارد، المشهود لها في كل العالم؛ شرقه وغربه، بأنها لا يرتادها ولا يتخرج منها سوى المميزين.

إذا أردنا نهضة يقودوها مهنيون، مجودون لمهنهم، ذوو أخلاقٍ مهنية رفيعة، فعلينا بالتعليم العصري الجيد. ولنذكر الآن الجهلاء الذين حاولوا الطعن في هذا الوزير المتقن لمهنته، المالك لمقتضيات سمتها أيام ترشيحة للوزارة. ولنقارنهم، هم الذين تعلموا وفقًا لمناهج القرون الوسطى بهذا الوزير. إنهم يدافعون عن جهالاتٍ وسخائم نفوسٍ متسخة، أسموها قوانين. من يقرأ صيغ قوانين الانقاذ لا يملك إلا أن يضحك ملء شدقيه، من غرابتها، وركتها، وحرصها اللئيم، على التجريم بغير حق. لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تسمح بوجود قانون ردة ضمن قوانينها. أو تمنح رجالها حق السيطرة المطلقة على حرية تنقل النساء الراشدات، لمجرد أنهم أصبحن زوجاتٍ لهم. كما لا ينبغي أن يسمح أي قانون يتوخى العدل، لبعض الرجال منعدمي الضمير، ممارسة الكيد لزوجاتهم المطلقات، ومنعهن اصطحاب فلذات أكابدهن، إلى الخارج، ولو كانوا في حضانتهن، وقس على ذلك من العسف والفجور الذكوري. فليعلم الذين لا يزالون يتاجرون بدغدغة الفج من العواطف الدينية، أن حكم الوقت قد أسدل عليهم الستار، مرَّةً، وإلى الأبد، فليكفوا عن اللغو الفارغ وليتركوا الحياة ترقى مراقي الرفعة والإنسانية.