صحيفة التيار 13 سبتمبر 2020
سبق أن أشرت، عدة مراتٍ، إلى أن العقلية القديمة التي تعكس الإنقاذ أسوأ تمثلاتها، لا تزال مسيطرةً على الفعل السياسي في بلادنا. من الشواهد على ذلك مواجهة المشاكل العويصة بحملات العلاقات العامة الباهتة والتصريحات التطمينية. كم مرةً سمعنا أن المكون العسكري والمكون المدني في مجلس السيادة يعملان في تناغم. وكم مرةً سمعنا أن الجيش والدعم السريع يدٌ واحدة. وكم مرة سمعنا أن الشراكة العسكرية بين المدنيين والعسكريين التي تدير الفترة الانتقالية سمنٌ على عسل. وحين يصيبنا شيء من الاسترخاء والخدر جراء هذه التطمينات والهدهدة الحنينة المضللة، يخرج علينا السيد رئيس الوزراء، بعد أن علت نبرة الشكوى وسط المواطنين، بسبب الخنق الذي لا يعرف الشفقة الذي يتعرضون له في معيشتهم، ليقول: إن 80% مما ينبغي أن يكون تحت سيطرة الدولة فيما يتعلق بإدارة شؤونها المالية والاقتصادية يقع خارج سيطرتها تمامًا. ولا تمضي أيامٌ حتى يجتمع الفريق البرهان بالعسكريين، في رد فعلٍ غاضبٍ ليلقي باللائمة على المدنيين، دامغًا إياهم بعدم الكفاءة والفشل. بل، ومطالبًا بتفويضٍ شعبيٍ، على غرار ما جرى من الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر، لإزالتهم من أجهزة الحكم، وهم الذين جاءت بهم الثورة، غض النظر عن العوار الذي صحب مجيئهم. فهم قد وصلوا إلى المواقع التنفيذية في الدولة بناءً على وثيقةٍ دستوريةٍ، وقَّع عليها الشريك العسكري، تحت سمع وبصر العالم أجمع.
من الأمثلة الصارخة للمؤتمرات الصحفية التي لا تقول شيئًا في مجابهة المشاكل، في حين تقول كل شيء ضمنا عن الزعازع التي تلف المشهد السياسي الراهن، هذا المؤتمر الإنشائي الأخير الذي جرى فيه إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية. أكثر ما لفت نظري في هذا المؤتمر حضور الفريق عبد الرحيم دقلو ممثلا للدعم السريع، في حين غاب ممثل الجيش وجهاز المخابرات! أفلا يشير هذا إلى انشقاقٍ واضحٍ حول معالجة كارثةٍ اقتصاديةٍ رهيبةٍ توشك أن تلقي بالبلاد في الهاوية؟ لقد تعبنا من أسلوب مجابهة المشاكل بالمؤتمرات الصحفية التي لا تقول شيئًا ولا يعقبها فعلٌ ذو تأثيرٍ واضح. بل لقد أصبحت هذه المؤتمرات مجرد لعب على الذقون وسلسلة من الإهانات المتكررة لذكاء الرأي العام.
يتوهم أصحاب هذا الأسلوب الإعلامي المايوي، الإنقاذي، البالي، السذاجةَ والغفلةَ في الرأي العام. فهم يتوهمون في الشعب قابليةً مطلقةً للخداع ولتشتت الانتباه بتأثير الفرقعات الإعلامية والتصريحات الغامضة التي تناقضها مجملُ حقائق الواقع. لكن، على العكس مما يظنون، فإن هذا النهج، يدل فقط على أنهم ليسوا سوى مايويين، إنقاذيين، في ثوبٍ جديد. وعمومًا، فإننا كبشر لا نزال نعبر أخريات المرحلة التاريخية الطويلة المتسمة باللااتساق بين أكثرية الشعوب وقادتها. من شواهد بقايا هذه المرحلة، أن حاجة بعض الشعوب إلى الثورات لا تزال قائمة. فلو كان القادة في مستوى جملة المحصلة الوعيوية والأخلاقية لشعوبهم، لما احتاجت الشعوب أصلا لأن تثور، ولاختفت الاحتقانات والنزاعات العنيفة. فمستوى الوعي والبنية الأخلاقية الجمعية وسط عديد الشعوب أمتن بكثيرٍ مما لدى النخب التي تقودها. تكمن المشكلة في صعود ضعيفي القدرات ومهلهلي البناء الأخلاقي إلى مواقع القرار في كثيرٍ من الدول. والسبب أن الشعوب، رغم وجود الكثير من المقتدرين معرفيًا وأخلاقيًا وسطها، لم تعرف بعد، كيف تستجمع طاقتها وتستبقيها متماسكة، لتحول دون أن ينفذ أهل المطامع والبناء الأخلاقي الهش، إلى مراكز القرار لديها. لكن، رغم كل ذلك، سيبلغ الكتاب أجله وستنتصر الشعوب في نهاية الأمر. كان على ربك حتما مقضيا.