عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.     

على الرغم من كل ما أحاط بالانتخابات من شدٍّ وجذبٍ، ومن حزنٍ، وغمٍ، وإحساسٍ بانبهام الرؤية، ومن تحسباتٍ لما هو مخبوء من أخطارٍ كثيرةٍ محتملة، فإن للديمقراطية طعمها اللذيذ، ونكهتها الباذخة المتميزة. فطعم ونكهة الديمقراطية، شيء لا تخطئه الذائقة السليمة . وهل من نسيمٍ أكثر انعاشا للأرواح من نسيم الحرية؟! لم يسبق أن نال السودان من وسائط الإعلام، مثل الاهتمام القدر الذي ناله في الشهر المنصرم، حين بدأ عد الأيام في التناقص نحو ميقات الانتخابات. فللديمقراطية، وللحراك الديمقراطي، في منطقةٍ كمنطقتنا هذه، بريقٌ جاذبٌ، وألقٌ لا يقاوم من قبل أجهزة الإعلام. خاصةً وأن الجدب الديمقراطي، لهو أكثر ما يميز منطقتنا هذه عن غيرها من مناطق العالم. انفتحت للسودان شهية الدوائر الإعلامية، الإقليمية، والعالمية. فأرسلت بعثاتهما، ونصبت أطباقها الفضائية، ووزعت أطقمها، وأقامت معسكراتها الإعلامية، بل وتوغل بعض مراسلي قنوات التلفزة الأجانب في أرجاء السودان الفسيحة، محاولين أن يقدموا للعالم، صوراً حية، لعودة السودانيين لممارسة حق الإقتراع، في نظام حزبي تعددي، بعد أن غابوا عن هذه الممارسة الشريفة، قرابة ربع القرن. انعكس هذا الإهتمام علينا نحن، سودانيي المهاجر، فتسمرنا أمام شاشات التلفزيون، لنتابع هذا التحول الكبير في حياة الناس في بلادنا. والحق يقال، فإنه حق لنا أن نفخر، بأننا شعبٌ، مهما طال عليه ليل الشمولية، فإن صبحاً ديمقراطياً يبقى دائماً في انتظاره عند منعطف الطريق، وسرعان ما يسفر. فالتحية لشعبنا وكل قواه الحية، وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان، وغيرها من حركات الغرب والشرق، التي قاتلت نظام الإنقاذ وجرته، راغم الأنف، إلى طاولات المفاوضات، وإلى صناديق الاقتراع. فبعد أن انقشعت سحابة "التوالي"، التي لم تسفر سوى عن تخلِّقٍ آخرٍ لحكم الإنقاذ، أضاع فيه المتوالون هويتهم، ها نحن نمارس حق الإقتراع في ظل إطارٍ تعددي. ومع كل المثالب التي شابت هذه التجربة العائدة بعد طول غياب، فإنها مع كل ما شابها، تمثل خطوة لها ما بعدها، خاصةً إذا فهمت الإنقاذ، وفهمت قوى المعارضة، كل في الجانب الذي يليه، الدروس القيمة التي نتجت عنها. فعلى الرغم من  المحاولات المستميتة التي قام بها المؤتمر الوطني، من أجل إفراغ هذه التجربة العائدة من محتواها، ومحاولة صب خلاصاتها في إطار ما ظل سائدا منذ عشرين عاماً، إلا أن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة و"العافية درجات"، كما يقولون.

على الرغم من أن المؤتمر الوطني حرص حرصاً، فاق حدود المعقول، بانتقاصه المتعمد لعدالة الفرص في إسماع الصوت، ورغم تقييده لخصومه، والتعتيم عليهم، وحجبهم، ورفعه لصوته هو فوق أصوات الجميع، باحتكاره للمنافذ الإعلامية، وللمال، فقد آتت بداية التحول الديمقراطي، رغم كل ذلك، شيئاً غير يسيرٍ من أُكلها المنتظر. وهذا من باب النظر إلى النصف الملئ من الكوب، وغض النظر عن النصف الفارغ. فأن نرى السياسيين المنافسين، ومعهم عامة الجمهور أصبحوا الآن يتحدثون في الطرقات، أمام عدسات ومايكروفونات الأجهزة الإعلامية العالمية، ويقولون في رئيس بلادهم، وفي حزبه، وممارساته، ما لم يقله مالك في الخمر، ليمثل في حد ذاته تحولاً كبيراً، ومسلكاً منعدم الشبيه في غالبية دول الإقليم، إن لم نقل كلها. فإنه من أجل الإصلاح، لابد من كسر هيبة السلطة، ولابد من نسف التابو "الشرق أوسطي العالم ثالثي" المسيطر، الذي يجعل نقد الحاكم ونقد سياسات الدولة من الموبقات والكبائر! 

لقد أدمن نظام الإنقاذ ممارسة الضحك على الذقون، فهو فيما يبدو متيَّمٌ بعاداته القديمة، ويعز عليه كثيراً هجرانها. ولذلك، فهو لم يتجه إلى الإثبات عملياً، وبأسلوبٍ نظيف، أن الجمهور الذي تركته الأحزاب قبل ربع قرن من الزمان، لم يعد نفس الجمهور الموالية أغلبيته للحزبين الكبيرين. ترك أهل الانقاذ هذا الدرب، وسلكوا طريق الفهلوة، بمحاولة إفراغ هذه النقلة التاريخية من محتواها، والالتفاف عليها بمختلف الوسائل، وإدخالها من ثم، في سياق الحالة القائمة، أو ما يسمى بالـ status quo. أجهد المؤتمر الوطني نفسه لينتصر على قوى المعارضة، وبذل مالاً، وجهداً، لا أرى أنه يتناسب مع الهدف المرسوم، الذي لا أرى أنه يتعدى "مجرد البقاء في السلطة". فكل شيء في الأحزاب الكبيرة يدل على أنها ليست جاهزة لتحكم. لقد شاخت هذه الأحزاب حقاً، ولحق بها من الضعف ما لحق. ولذلك فإن ما بذله المؤتمر الوطني من جهدٍ، ومن مالٍ طائل، ومن حراكٍ مضني، ومن قفلٍ للأبواب على الجميع، كان أشبه ما يكون بقتل فردٍ واحدٍ، بقذيفة مدفع. كان يمكن للمؤتمر الوطني وحكومته أن يتخذوا من هذه المرحلة فرصة لتأسيس ضربة بداية حقيقية للعملية الديمقراطية. خاصة وأن فرصة كسب الأحزاب مجتمعةً، أو متفرقةً، لهذه الانتخابات، ليست كبيرةً، في تقديري. فلو فازت الأحزاب، وهي بهذه الحالة من الهزال الرؤيوي، والتنظيمي، وعدم القدرة على العمل، فإننا سندخل في نفقٍ أكثر ظلاماً من الذي نحن فيه الآن. لقد غابت المعارضة غيابا مزرياً معركة التسجيل، وحين جاء وقت الحملات الانتخابية، لم تقم بحملات تذكر، وإنما انهمكت في الاجتماع والارفضاض. في حين واصل الرئيس عمر البشير ليله بنهاره. الشاهد هنا، ليس لقوى المعارضة في ما يسمى بالـ stamina، أو العزيمة والطاقة، كبير نصيب. ظلت قوى المعارضة حبيسة الغرف المغلقة، تجتمع وتنفض، معتقدةً أن الواقع بقضه وقضيضه سيجيئها في غرفها المغلقة هذه لتقوم بتغييره، كما يجيء المريض إلى الجراح في حجرة العمليات!! فالحزبين الكبيرين لم يفعلا شيءا يذكر. والقليل الذي فعلاه كان متأخرا جداً. ويبدو أن هذين الحزبين، لا يزالان سادران في غيهما القديم، ولا زالا يراهنان على ظنهما القديم بأن الجمهور، لا يزال جمهوراً موالٍ للطائفية، وأنه سيظل، يد الدهر، رهن إشارتها. لا أرى شيئا يفسر قعود هذين الحزبين عن العمل الجدي المكف في الحملات الإنتخابية، سوى هذا الإعتقاد القديم.

الإعلام المنحاز وحملة الرئيس:

كثرت في الأسابيع الأخيرة السابقة للانتخابات طوافات الرئيس البشير، وتلاحقت حلقات تلك الطوافات، وأخذ الإعلام الحكومي يلهث وراء الرئيس لتغطية أنشطته المحمومة، وافتتاحاته المتلاحقة للمنشآت. وقال الموكلون بإدارة أجهزة الدولة الإعلامية، حين اتُّهِموا بالانحياز للرئيس، إنهم إنما يغطون أنشطة رئيس الدولة الروتينية، لا غير! وأن ما يقومون به لا علاقة له بالحملات الانتخابية!! وكما يحب بعض الموسيقيين قفل عروضهم بما يسمى بـالـ high note، فقد قفل الرئيس البشير طوافاته التي جابت كل الولايات بافتتاح توربينات مروي المتبقية، التي لم تكن قد دخلت  الخدمة، بعد. ويقول المؤتمر الوطني، ويقول الإعلام، الحكومي، إن كل ذلك لا علاقة له بالانتخابات والدعاية لها!!

عبقري الإعلام الإنقاذي، الذي وقف أمام عدسة تلفزيون البي بي سي، وقال، (ـوبراءة الأطفال في عينيه)، نحن إنما نغطي فقط، تحركاتٍ روتينيةٍ لرئيس الدولة، مثلما نفعل دائماً، فات عليه أن الدولة الديمقراطية لا ينبغي لها أصلاً أن تمتلك أجهزةً اعلامية خاصةً بها، تضعها تحت قبضتها، ومن ثم، ويصبح واجبها، تغطية أنشطة الرئيس. كان الأجدر، والأحجى، أن تستأجر اللجنة القومية لإعادة انتخاب الرئيس البشير‘ جهة إعلامية تجارية، وتكلفها بتغطية حملته الإنتخابية، ثم تشترى وقتاً أثيرياً air time من حر مالها من القنوات، حكوميةً كانت أم شبه حكومية، أم خاصة. وحين تذاع تلك التغطيات، ينبغي أن يُكتب على الشاشة‘ طيلة فترة البث عبارة، (إعلان مدفوع). ولقد لاحظتُ أن قناة النيل الأزرق، تقدم دعايات تجاريةً صرفة، تحت ستار أنها تقدم برنامجاً عاماً. مع أنها، لا تقوم في حقيقة الأمر سوى بالترويج لإسم عمل، أو لبضائع يروج لها إسم عمل. وبطبيعة الحال يمثل الإعلان جانباً مهما جداً في ما تبثه أي قناة تلفزيونية. ولكن، ما ينبغي الحرص عليه هو أن نكتب عن مثل تلك الحلقات (إعلان تجاري مدفوع)، حتى لا يتم تضليل المشاهد، وتضييع وقته. فهو إما بقي مع الإعلان التجاري المطول، على بينة، أو ضغط على "الريموت" مبتعداً عن ذلك، على بيِّنةٍ أيضاً.

إن دور أجهزة الإعلام في الدولة الديمقراطية هو أن تكون رقيباً، على الأداء الحكومي، لا بوقاً له. فالأجهزة الإعلامية في الدول الديمقراطية، حتي في الحالات التي تكون فيها ممولة كلياً، أو جزئياً، من قبل الدولة، كما في نموذج البي بي سي، وإذاعة مونت كارلو، وصوت أمريكا، وما شابهها، فإنها يتم تأسيسها كهيئات مستقلة، لا ترسم سياساتها الدولة، ولا تشير عليها الدولة بما يجب أن تفعله، وما يجب ألا تفعله. إنها هيئات لا تسترشد، إلى حدٍ كبيرٍ جداً، إلا بموجهات المهنة، والمهنة وحدها. ولكن القائمين على أجهزة إعلام الإنقاذ، لطول ما عملوا تحت الأنظمة الشمولية، ظنوا أن الدولة، من حيث هي، لا يمكن إلا أن تمتلك أجهزة الإعلام! بل، لعلهم لا يتصورون أصلاً،  وجود دولةٍ، لا تملك بوقاً إعلامياً، خاضعاً لها تمام الخضوع، يسبح بحمدها، صباح مساء! فمن الدروس التي ينبغي أن نخرج بها مما جرى في الحملات الانتخابية الأخيرة، هو إدارة حوار جدي حول ضرورة إخراج أجهزة الإعلام من قبضة الدولة. أعلم أن مطالبةً كهذي ربما بدت للكثيرين مطالبةً غير واقعية، في ظروفنا الراهنة. ولكن لا أقل، في هذا المنعطف الكبير، الذي نمر به، من رفع راية المطالبة بإعلام حر. فالإعلام الحر هو المصير، الذي لا محيص عنه، طال الزمن أم قصر. وكما رأينا جميعا، فقد استطاعت القوى السياسية المعارضة، مؤخراً، من إخراج الصحف من قبضة الدولة. وهذا نصرٌ سعت الإنقاذ إلى إفراغه من محتواه، وتعويق رسالته، عن طريق الإسراف في اصدار الصحف الممولة، التي أخذت تتكاثر كالفطر. وعموماً، فإن كل ما جرى في الشهر المنصرم، يقول، وبأعلى صوت: لقد جاء الوقت للعمل الجدي لإخراج الإذاعة والتلفزيون من قبضة الدولة وهيمنتها. بغير ذلك لن تكون هناك ديمقراطية على الإطلاق!

وهن المعارضة:

لا أريد أن أزايل مقامي هذا، دون أن أشير إلى تفريط قوى المعارضة في السعي، كل على حدها، إلى امتلاك آلة إعلامية. أين إعلام حزب الأمة، مجتمعاً أو متفرقاً ؟ وأين إعلام الاتحادي بكل فصائله؟ وأين إعلام الحركة الشعبية الذي حتى بعد أن نشأ، وجاء متأخراً جداً، انتبذ لنفسه مكاناً قصيا! ظلت ما تسمى بالمعارضة بلا رؤية، وبلا استراتيجية، وبلا أدوات فاعلة، طوال تاريخها. فهي تريد أن تنال كراسي السلطة بلا رأسمال، وبلا بلاءٍ، وبلا كسبٍ حقيقي. والحق يقال، فإن الحركة الإسلامية هي الجهة السياسية السودانية الوحيدة التي كانت لها رؤية، ولها استراتيجية، ولها آليات. اختلفنا معها في مقاصدها وأهدافها وأساليبها، أم اتفقنا. صنعت الحركة الإسلامية الواقع الراهن الذي نعيشه اليوم، بخيره وبشره. صنعته بالمؤسات المالية، وصنعته بالإعلام المكثف، وصنعته بشراء النخب، وصنعته بشراء الطرق الصوفية، كما صنعته بالآلة العسكرية. ولا ينبغي للقوى السياسية المعارضة أن تحلم بأن تتخلى لها الإنقاذ عن ما أنجزته، أو أن تشركها فيه (كرامة لله)، وهي التي لم تكدح، ولم تعرق من أجله. على القوى المعارضة أن تعمل لكي يصبح لها صوت مسموع. عليها، إن كانت تفكر تفكيراً جديا، ولا تحلم أحلاماً هلاميةً، أن تعمل على قلب الواقع، رأساً على عقب، كما قلبته الإنقاذ! وإلا فلا سبيل أمامها سوى أن تستجدي الإنقاذ الهبات، أعطتها، أو منعتها! ولربما عرضت الإنقاذ على قوى المعارضة صورة من صور الإشراك في السلطة في المرحلة الجديدة، التي تعقب الانتخابات. ولكن ذلك الإشراك، لن يكون سوى ذلك الإشراك الديكوري، الذي أتقتنه الإنقاذ. وللنتظر لنرى ما إذا كانت المعارضة سوف تصمد في موقع المعارضة، ذات المبدأ، والمشروع، والاستراتيجية، أم أنها، كما كان ديدنها، ستفيء إلى الكراسي وما يتصل بها من أعطيات جديدة؟!

نعم لقد اختطفت الحركة الإسلامية الدولة برمتها، ووضعتها تحت يدها. ولكن، أين كانت الأحزاب ذات الثقل الجماهيري، حين كانت الحركة الإسلامية تنخر في بنياتها كالسوس، حتى تهاوت تلك البنيات الهشة على عروشها؟! بل، لماذا لم تتجه الأحزاب الجماهيرية في كل حقب الديمقراطية الثلاث، الماضية، إلى إخراج الإعلام من يد الدولة. نعم، سيقول البعض: ولكن ماذا نفعل من الإنقلابات المتكررة؟ ونقول لهم: إنها انقلاباتكم أنتم، يا جماعة الخير. فلو أنكم أخرجتم الإعلام من يد الدولة، منذ ذلك الزمان، لكنتم أسستم لمفهوم جديدٍ كنا في أمس الحاجة لتأسيسه. فكثير من الناس لدينا لا يتصورون الإعلام، إلا مملوكاً للحكومة، وواقعا تحت سيطرتها. تحويل الرأي العام، أهم، وبكثير جداً، من اصطياد الكراسي، في مواسم اصطياد الكراسي. ألم يكن قادة هذه الأحزاب، وآباؤها المؤسسون، متعلمين تعليمياً غربياً، ويعرفون، أكثر من جوع بطونهم، وضعية الإعلام في الدول الغربية؟! إذن لماذا تركوا الإعلام، منذ الاستقلال في قبضة الدولة؟ أترى لأنهم استمرأوا التلميع الإعلامي المجاني والبرستيدج، ودفن الإخفاقات، وجعل الفسيخ شربات، وكل ما يمكن أن تسهم به مثل هذه الأجهزة الميري الواقعة تحت قبضة الحاكم في تزيين وجه الحاكم؟! ثم، ألم يكن إعلام الأحزاب هو ذات الإعلام الذي مكَّن لثقافة الوسط النيلي، والشمال النيلي، وحجب سائر الثقافات السودانية، في الأطراف، وسائر أبناء هذه الثقافات، عن فرص الظهور. فما الفرق بين إعلام الجبهة، وإعلام الأزهري، والمحجوب، وإعلام إبراهيم عبود وحسن بشير، وإعلام الصادق المهدي، وإعلام نميري، وإعلام سوار الدهب. أين كانت الحيدة الإعلامية، والشفافية الإعلامية، التي تتباكى عليها القوى التقليدية، عندما كانت هي في السلطة؟! على الأحزاب التقليدية أن ترضى بحقيقة أن الواقع الراهن الذي صنعته الإنقاذ، لا سبيل إلى قلبه رأساً على عقب بين يومٍ وليلة. بل من الخير ألا ينقلب الحال القائم الآن، رأساً على عقب، بين يومٍ وليلة. فالواضع القائم الآن يتحمل مسؤوليته الجميع، وبلا استثناء. ولذلك على قوى المعارضة أن تعمل على تجديد دمها، والتخطيط من الآن للانتخابات القادمة بعمل مؤسسي طويل النفس، بعيداً عن الهيجات الموسمية غير المنتجة.

إذا لم يتم تخليص الأجهزة الإعلامية من سلطة الدولة، ستبقى الدولة بغير رقيبٍ، وبغير حسيب، ولن نرى، من ثم، سوى التضليل، والفساد، والتغطية على الفساد. فلا مجال لممارسة ديمقراطية حرة إلا بإعلام مهني غير مسيس، وغير (مهوسن دينياً). فاق النهج الإنقاذي في السيطرة على الإعلام، والإكثار من الصحف الممولة، ومن اذاعات الإف إم الممولة، ومن التلفزيونات الممولة، كل الحدود المعقول. فما تقوم به الإنقاذ في هذا الصدد لا يتناسب مع إمكانيات دولة فقيرة كالسودان. إن تعويل الإنقاذيين على الإعلام في غسل الأدمغة، وجعل الباطل حقاً، وقلب الرأي العام رأساً على عقب، لايماثله، فيما نعرف، سوى نهج الصهاينة من اليهود.

(الحرامي فوق راسو ريشة)!!

شخصي الضعيف، (ـكما ترد عبارة ادعاء التواضع الشائعة)، ليس ممن درجوا على تعليق الآمال على ما كانت تسمى بـ "الأحزاب الكبيرة". فأحزابنا هذه، كبيرها، وصغيرها، كانت أحزاباً ضعيفةً، مضطربة الأداء، قصيرة النظر، متهالكة التنظيم. وهي قد كانت كذلك، حتى في الزمن الذي كانت فيه الريح مواتية لها. فما بالك بها اليوم، وقد هدها طول التجميد، والاغتراب عن القواعد؟ يضاف إلى ذلك، تحوُّل قياداتها، الحريصة دوماً على القيادة، إلى أشياخ يتسلون في شحوب أصيل العمر، تسلياً لا يعد بشيءٍ ذي بال. لذلك، لم تكن الإنقاذ، حسب رأيي، بحاجة إلى هذه الفسالة التي مارستها مع كل أطياف قوس القزح السياسي. فهذه الأحزاب ضعيفة، ومتشظية، وغير منظمة، وبلا موارد مالية تذكر، ومن يملك من قادتها شيئاً من الموارد المالية، نجد يده مغلولة إلى عنقه، ولا يخشى شيئا في الدنيا خشيته من الانفاق!  باختصارٍ شديد، ما كانت الانقاذ بحاجة لأن تمارس كل هذه الحيل، وكل هذا  اللعب الخشن، وكل هذه الكزازة K لتثبت أن الخارطة السياسية قد تغيرت. فهي قد تغيرت بالفعل، ولا يماري في ذلك إلا من يفكر بأمانيه وحدها. غير أن الإنقاذ،  فيما يبدو، لم تكن واثقةً تماماً، في دخيلة نفسها، من قبول الناس لها. ولقد استمر الرئيس البشير يكرر مسألة (القلع)، بمناسبة وبغير مناسبة: (نحن قلعناها منهم والدايرها اليجي يقلعها مننا)!!. ومع ذلك، فقد ابتعلت الانقاذ كثيراً مما لم تكن مستعدة لبلعه. ولسوف تبتلع الانقاذ ودهاقنتها المزيد، إذ لا محيص عن الديمقراطية، طال الوقت أم قصر.

لدى الانقاذ احساس داخلي، يقول لها: إن هي تركت الأمور تسير على طبيعتها، فإن الشعب المغلوب على أمره، خاصة جيوش الخريجين العطالى التي يئست من إيجاد العمل، والمغبونين من المسحوقين الذي يرون رفاه الحكام، بإزاء بؤسهم المرعب، سوف يجدون في صندوق الاقتراع فرصةً للثأر منها. سيفعلون ذلك، لا حباً في ما تُسمى بقوى المعارضة، وإنما نكاية في الانقاذ التي سدرت في غيها، ظانَّةً أن صندوق الاقتراع لن يعود مرة أخرى. وفي تقديري أن سر هذا التخوف، هو الاحساس الداخلي لدى الانقاذ التي تعرف، في قرارة نفسها، أنها لم تنجح عبر سني عمرها العشرين، سوى في خلق طبقة كبيرة جداً من الأغنياء، الذي يظهرون في ما بين رمشة عين وانتباهتها، في بلد يهصره الفقر المدقع هصرا. فعامة الناس لم يصلهم، إلى اليوم، شيءٌ يذكر، من كل "معافرات" الإنقاذ المتنوعة، التي اجترحتها. لقد استقن الانقاذيون من استشراء الفساد الذي نخر بنية مشروعهم. فالفساد يوهن العزيمة، ويفت في العضدد، وهو في نهاية المطاف، ينتهي بصاحبة إلى الهزيمة الداخلية. والهزيمة الداخلية، هي المقدمة الطبيعية للهزيمة الخارجية. وكما يقول المثل: ((الحرامي فوق راسو ريشة)). يتعين على الانقاذ أن تدرس ما أفرزته الحملات الانتخابية الأخيرة بغرض إدارة حوار حقيقي يخرج عن إطار المنولوج المكرور الذي ظلت الإنقاذ تديره مع نفسها، وهي تنظر، بنرجسيةٍ فالتةٍ، إلى صورتها في مرآتها المنكدرة. نحن جميعاً لم ندخل بعد في منطقة الحوار المنتج، وأرجو ألا يكون الوقت قد فات على ذلك، وإلى غير رجعة.