د. النور حمد

إذا كنا مؤمنين حقَّا بضرورة التحول الديمقراطي، فينبغي علينا أن نعمل بصدق وبشفافية أكبر مما نفعل الآن. ما يجري الآن أغلبه "مكاجراتٌ" ومحاصصاتٌ، وضربٌ تحت الحزام، ودفنٌ للمحافير. كل قبيل يظن أنه سوف يكسب الصيال بهذه الأساليب الملتوية. وفي هذا فصور خيال 

تمر الأمم بمنعطفات في تاريخها تفقد فيها البوصلة تمامًا؛ فتنطفئ فيها وقدة الحكمة، وتضعف حاسة العدل والانصاف، وتنعدم الحيدة العقلية، وتطغى الذاتية على الموضوعية. في هذه الأحوال يختلط الحق بالباطل وتسود الغوغائية وتختل جميع الموازين، فينكمش العقلاء ويميلون إلى 

بسبب غيابي ثمانية عشر عامًا متصلة من البلاد، لم يسعدني الحظ بالتعرف على البروفيسور الراحل، الطيب زين العابدين، إلا في السنوات الثمان الأخيرة من حياته العامرة. التقيته في هذه المدة بضع مرات، في مؤتمرات ولقاءات تفاكرية؛ في الدوحة ونيروبي والخرطوم. عرفت من لقاءاتي 

ستبقى تركة الإنقاذ المثقلة بيننا لحينٍ من الوقت. من هذه التركة صحافة التضليل وتعطيل الوعي، بواسطة صحفيين لا يتقيدون بمهنية، ولا يعرفون الحيدة والنزاهة، ولا يهمهم رفع الوعي وخدمة الديموقراطية. هؤلاء جيشٌ جندته الإنقاذ ليشتغل في خلط الأوراق وإغراق الحق الأبلج باللغو 

رغم أن تحسنًا طرأ على الأداء الإعلامي للمرحلة الانتقالية، إلا أننا لن نمل الطرق والتنبيه إلى أن الإعلام لا يزال دون مستوى الثورة ومهامها، وتطلعات ثائريها. لا يمكن لأي ثورة أن تنجح بلا ذراع إعلامي؛ يكشف عورات المرحلة السابقة، ويجلي دخان التشويش الذي لا ينفك كارهو 

للفاشية، في تقديري صورتان: هناك فاشية علمانية، مثَّلتها ألمانيا النازية، وإيطاليا، تحت قيادتي موسوليني وهتلر. وهناك فاشية دينية، تمثلها جماعات الإسلام السياسي. والجامع بين الفاشيتين الشعور بالحق في السيطرة على الحكم، وكبت الخصوم وقهرهم، بل وقتلهم. بعد أن بث هتلر 

في ساحة الاعتصام خرج السودان الأصيل، ذو العمق التاريخي الذي يعود لسبعة آلاف عام، من الرماد كطائر الفينيق. لقد ظنوا أنهم عبر ثلاثين عامًا من الاستبداد والغطرسة والأكاذيب، أنهم محوه، وأحلوا محلَّه، وإلى الأبد، هذا المسخ المستورد النقيض لكل قيمة أتى بها الدين. استجمع السودانيون في ساحة الاعتصام فضائلهم التاريخية من كرم وشهامة