د. النور حمد

يعيش نظام الرئيس السوداني، عمر البشير، منذ ديسمبر/ كانون الأول 2018 وضعًا حرجًا، في صراع البقاء. فهو يصارع، الآن، على جبهتين، خلافًا لأكثرية الأنظمة العربية، الأخرى التي واجهت ثوراتٍ شعبية، صارعت فيها على جبهةٍ واحدةٍ، هي جبهة الحراك المناوئ لها.

درجت كثير من الأنظمة الديكتاتورية، على صنع حزبٍ أوحدٍ، تسخِّر له موارد الدولة، لتشرعن به وجودها، وتبرر به سرقتها للسلطة، واحتكارها لها. يتّسم هذا النوع من الأحزاب، بأنه بلا أقدامٍ، يقف عليها، وبلا صوت، سوى صوت من صنعه. فهو لا يؤدي سوى ما يؤديه

لا يبدو أن الهدف القريب للثورة الجارية الآن، في السودان، منحصرٌ في هدِّ الركائز، الاستبدادية، التي قام عليها حكم الإسلاميين، الممتد منذ عام 1989، وحسب. إذ يتعدى الهدف، كما يظهر من حوارات الشباب، التي عكست رؤيتهم، وتطلعاتهم، إلى تطلُّعٍ لمراجعة مجمل حقبة ما بعد 

ظل الإسلاميون، في العالم الإسلامي، يبشرون بمشروعهم للحكم، منذ بدايات القرن العشرين. ومنذ تلك الفترة، تعددت الجماعات المنضوية تحت لواء الإسلاميين. وانتشرت، هذه الجماعات، في مختلف البلدان الإسلامية، والعربية، في مساحةٍ، جغرافيةٍ، شاسعةٍ، تمتد، من جنوب شرقي آسيا

يبدو أن الثورة السودانية التي دخلت أسبوعها الآن، قد بدأت تفضح ما يسمى "الإسلام السياسي" مقدِّمةً أنصع الأدلة، في نسف الأوهام القائلة: إن من الممكن أن تحمل الدولة التي تنشدها جماعات الإسلام السياسي، صفة "الإسلامية"، ثم تبقى دولةً عصريةً مرتكزة على دستور، وعلى فصل 

واضح جدًا، أن موقف المؤتمر الشعبي، ملتبسٌ جدا. فهو، فيما يبدو، منقسمٌ في النظرة إلى الثورة المشتعلة الآن، بين مراراته القديمة، مع المؤتمر الوطني، ورغبته الدفينة في الثأر منه، وبين خوفه من أن يسقط النظام، الذي هو أصلا الابن الشرعي لأفكار المرشد والزعيم التاريخي للحركة 

ما وصل إليه نظام الانقاذ، وما أوصل إليه أحوال البلاد، والعباد، كان أمرًا متوقعًا، منذ مدةٍ طويلة. وما أكثر ما نصح العقلاءُ من السودانيين، والسودانيات، أهل الإنقاذ، بأن يسيروا في طريق يقود إلى تحول ديمقراطي، فلم ينتصحوا.