عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المنطقة العربية برمتها على كف عفريت.
إنه عفريت ماهر في نصب حبائل منسوجة بإحكام يتعذر الفكاك منها. كان هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، قال إن على بلاده أن تصحح «خلل التوزيع الإلهي» الذي وضع الموارد الطبيعية بعيداً عن مواطن الصناعة والتكنولوجيا والبحوث والتطوير. يقصد بذلك ضرورة أن تستحوذ أميركا على النفط والغاز الطبيعي بذكاء ودهاء تصحبهما قوة عسكرية ضاربة وتغلفهما براعة دبلوماسية معجونة برقاعة.
ذلك هو جوهر سياستهم نحو الآخرين. سياسة لن تتغير أبداً.
فمنذ عهد ريتشارد نيكسون، مروراً بجرالد فورد وكارتر وريغان وبوش وكلينتون.. وحتى أوباما، الذي استبشر به الضعفاء وهللوا له، وترامب، الذي يعبر عن وقاحة السياسات بفجاجة الأسلوب.. منذ ذلك الحين وحتى اليوم ظلت سياستهم تقوم على المصلحة. ومصلحتهم لا تتحقق إلاّ إذا دارت عجلة التصنيع العسكري دورة كاملة وسلسة، مع تشحيم تروسها بالبحوث والتطوير.
بالنسبة للطفرة التكنولوجية الهائلة التي نشهدها اليوم في كافة المجالات، من طب واتصالات وعلوم فضاء وهندسة طيران وكمبيوتر، يرى الأمريكان أنها حدثت نتيجةً لاستثمارات عسكرية ضخمة انفقت إبان الحرب الباردة منذ بداية خمسينيات القرن الأخير. يقصدون بذلك أن ثورة الاتصالات التي نعيشها اليوم، ونهلل لها كثيراً، لم ندفع فلساً واحداً من تكلفتها. وهم يرون أن تلك التكلفة كانت عالية، وأن المواطن الأمريكي هو الذي تحملها وكانت خصماً على رفاهية عيشه في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. ذلك زعمهم الذي لا يخلو من بعض الصواب!
لذلك فهم يعتزمون تصحيح هذا الوضع مستقبلاً. إذ يجب على العالم بأسره دفع فاتورة الطفرة المقبلة من التطور. بمعنى أن تدفع كل دول العالم، وخاصة دول العالم الثالث، ما تحتاجه أميركا من استثمارات للطفرة المقبلة. ولاحظوا أن الطفرة المقبلة ستبدأ بنقل الإنسان إلى كوكب المريخ في 2030م.
من المؤكد أن تكلفة هذه الطفرة ستكون هائلة جداً.
لكن من سيعترض عليها؟ ومن يملك القدرة، أصلاً، على الاعتراض؟ فهم ليسوا أغبياء للكشف عن أجندتهم. سيتحركون تحت غطاء أجندة زائفة، من قبيل حقوق الإنسان، وعدالة التنمية، والديمقراطية ومكافحة الإرهاب. وسيتم استدراجنا إلى الشرك المنصوب بسذاجتنا التي نعرفها عن أنفسنا، قبل أن نشتهر بها في العالم، كما اشتهر هبنقة بالغباء في كتب التاريخ.
الغريب في الأمر، أن بعضنا يستعجل الدخول في الشرك قبل الأوان.
أخيراً، أظن ظناً كاليقين أن منطقة الشرق الأوسط تحديداً هي التي سوف يُطلب منها، بل ستُجبر رغم أنفها، على دفع الفاتورة كاملة. ولأن العملية تبدو كالولادة القيصرية، من المتوقع أن تشهد المنطقة نزيفاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودموياً.. من شأنه أن يضعف الجسد فوق ضعفه ووهنه الواضحين. ولعل الحروب الدائرة في بقاع عديدة من المنطقة، والتي تنذر بانتثار شررها ليشعل عرائش أخرى مجاورة لديها القابلية للاشتعال، لعل ذلك يشهد بمأساوية الوضع.
فأين الحل؟
لا أشك أن شعوب المنطقة تملك الحكمة الكفيلة بإخراج بلدانها من المأزق الراهن. لذلك يبقى السؤال الكبير مطرقةً تهشم الجماجم وتصدّع الرؤوس: أين هذه الشعوب؟ أهي غائبة أم مغيبة؟