تجد القصة القصيرة في السودان حظاً طيباً من الاهتمام والمتابعة ولها محبيها من القرّاء والكتّاب والنقاد كثرُ..واذا تأملنا للإنسان نجد انه بطبعه ميَّال الي الحكي والقصة القصيرة تشبع له هذه الرغبة ولكن طبعاً بحبكة درامية يفرضها واقع وزمان معينين..


المتابع للقصة القصيرة في السودان يمكن ان يرى انها قد تطرقت لكل ضروب مناحي الحياة الاجتماعية ولم تترك شاردة ولا واردة إلاّ وتناولتها بالسرد القصصي طبعاً..لذلك وفِي اعتقادنا ان القصة السودانية القصيرة لم تكن ابدا ضرب من ضروب الترفيه او نوع من الفانتازيا ولكنها بدون شك خلقت لتؤدي مقاصد اجتماعية وايضاً لتسهم مساهمة فعالة في رفع مستوى الوعي الثقافي والوجداني لمجتمع غلب عليه الجهل والامية واكبر دليل على ذلك ان كتّاب القصة في السودان كانوا كلهم او جلهم من اصحاب من جماعة الفكر الحر والمستنير..وفي تقديري الشخصي ان هولاء كانوا منضوين تحت مدارس فكرية قوية ومنظمة..ولن نجافي الحقيقة ان قلنا ان هولاء الكتاب لم ينقصوا بشي من نظرائهم المبدعين في كل ضروب الثقافة الاخرى كالتشكيل والشعروهذا الأخير على سبيل المثال اشتهر اكثر عند عموم أدباء السودان في زمان مضي وان تغير الحال في الزمان ليصبح الغناء والمغنين هم الذين يملؤن الساحة..


وعوداً لموضوع القصة القصيرة فقد وجد هذا الضرب من ضروب الابداع من أجادوا فيه لحد الإمتاع خاصة بعد المد اليساري والوجودي على وجه التحديد والذي تغلغل وسط المثقفين في زمانٍ باكر وساعد على ذلك اغتراب شباب ذلك الزمان شمالاً الي مصر ومنهم من عبر المحيطات الي أوربا وروسيا وغيرها وتشبعوا بتلك الثقافات ونقلوها الي السودان..


وعموما فان الفن القصصي في السودان ينقسم لعدة مدارس كالمدرسة الواقعية التقليدية وكان عميد هذه المدرسة المرحوم عثمان علي نور الذي يحسب له انه اول من تجرأ وقام بعمل طفرة في وقته حينما قام بتاسيس مجلة كاملة للقصة القصيرة ومن جيبه الخاص ويعد في ذلك رائداً لا يعلى عليه..

الفلسفة الوجودية عندي انها سيطرت على ماعداها من المدارس الفكرية عند شباب تلك الفترة من كتاب القصة القصيرة ومنهم على سبيل المثال عثمان حوري وعيسى الحلو، والمدرسة الواقعية ذات الصبغة اليسارية ويمثلها علي ألمك ومحمد المهدي بشرى وبشرى الفاضل، اما مدرسة الخيال العلميي فرائدها بلا منازع هو جمال عبد الملك وتاريخ القصة السودانية القصيرة تاريخ طويل وحافل (ارجع لكتاب مختار عجوبة في هذا المجال) وقد بذرفي المجال الكثيرين لا نريد ذكر اسماء حتى لا ننسى احد او نظلم من وضع بصمة في هذا الضرب من ضروب الأدب..
وعلى المستوى الشخصي انتبهت للقصة القصيرة منذ ان كنت يافعا حين تفتحت مداركي ووعي على تلك المجلات الأدبية والثقافية سودانية كانت أم مصرية وغيرها وكان من حسن حظي ان أكون مقرراً للجنة القصة بالمجلس القومي للاداب والفنون وانا بعدُ موظف هناك..اتاحت لي هذه الفرصة ان أتعرف وبقرب على مجموعة من المع كتاب القصة القصيرة في ذلك الوقت منهم علي المك،عثمان على نور عيسى الحلو، محمد المهدي بشرى،جمال عبد الملك ابن خلدون، مختار عجوبة، مصطفى مبارك النّوَر عثمان ابكر،حامد العطا، كانت اللجنة تجتمع أسبوعياً بالمجلس ومهمتها الاطلاع على اعمال الرواد خاصة من كان يود نشر رواية او مجموعة قصصية حيث ان الدولة لم تكن تسمح بالطباعة الا بعد يجاز العمل من تلك اللجنة، اما الشباب فقد اهتم بهم أولئك الأساتذة الاجلاء بشكل خاص حين كنا نعرض عليه أعمالهم لقراءتها وإجازة الجيد منها وبمهنية تامة وبدون مجاملة وقد استفاد العديد من شباب ذلك الزمان من توجيهات تلك اللجنة..ومن انجازات تلك اللجنة مسابقات للقصة القصيرة بشكل سنوي وكانت تتم طباعة بعض تلك القصص الفائزة في كتاب مما يشجع شباب تلك الأيام على عملية الإبداع..وفي مناسبات اخرى كانت تقيم تلك اللجنة ندوات عامة تتناول فيها قضايا العمل الروائي والقصصي في السودان ولعمرك افتقد الناس هذا المجهود الان..

قبل فتره فكرت ان أقوم بعمل جسم يقوم بالاهتمام بالقصة القصيرة في السودان وقد أسميتها (بيت القصة السودانية القصيرة) ورايت ان أضع لها بعض الأسس والتي من شانها ان تنظم هذا العمل..
أعدكم ان يبقى (بيت القصة السودانية القصيرة ) مفتوح وسيكون منبرا للجميع حيث لا أبواب توصد ولا حوائط عازلة.. واصدقكم القول انني عندما فكرت في تشييد هذا البيت لم أضع له تصور في كيفية بنائه لعلمي ان اهل السودان اهل فزعة ونفير ومروة..
وبما ان هذا الصرح بدأت ترتفع أركانه كان لزاماً على ان اقدم بعض المقترحات علها تجد القبول:
الأهداف التي من اجلها فكرنا في تأسيس هذا المكان يندرج في الآتي:
/اتاحة الفرصة لكتاب القصة القصيرة لنشر أعمالهم.
/رعاية كل من له محاولة في هذا المجال
العمل على تشجيع النقاد
ومن مشاريعنا المستقبلية: التفكير في انشاء جائزة لأحسن قصة قصيرة ونسميها قصة العام..

ليس هناك قيود او حجر على احد ولكن يجب علينا البعد عنما يدعو لخدش الحياء العام فيما نكتب توخي النقد الهدام والمطاعنات الشخصية..

أتمنى للجميع إقامة طيبة في بيت القصة القصيرة..


عثمان يوسف خليل
يوليو 2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////