نسأل الله الرحمة والمغفرة لعبده الطيب المرضي عبد القادر وأن يتقبله قبولاً حسناً ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن اؤلئك رفيقاً ، ثم اعزي اسرته الكريمة وانجاله واهله وعشيرته وان يلزمهم الصبر الجميل. وبعد ، ماذا عساني أن اقول في رثاء فقيد البلاد الطيب المرضي فكل صفات الشرف والعزة والشموخ والوطنية تلتصق به. لقد عرفته عن قرب بالفاشر على مدى ثلاث سنوات عملت فيها سكرتيراً لمكتبه الفخم بوجوده. وكان من حسن الطالع أن أعمل مع قامة مثله في بداية عهدي بالعمل العام. دخل الى دارفور بتمهل وثقة كسيل من سيول اودية دارفور وما لبث أن تسلل الى قلوب اهل دارفور فكسب ثقتهم وحبهم وبذلك سهُل عليه خدمتهم.
كان شديد الحرص على إحكام ادارة الشؤون العامة حيث كان يلتقي بمساعديه في اجتماعات دائمة بهم في مكتبه وفي مراكز عملهم وقد قيض الله له مجموعة ممتازة من المساعدين في الرئاسة وفي المصالح والمناطق. وكان المرحوم حريصاً على عدم تجاوز النظم. قال مرة يا سعيد ( المراقب المالي للاقليم في عهده) أنا طالع زيارة الى (جهة صغيرة لا اتذكرها) وراح تواجهني بعض المواقف المحتاجة لتبرع فكم مبلغ الاعتماد المالي المتاح في الميزانية عشان اتبرع لهم بشئ.
كان يولي الامن اهتماما كبيرأ وكانت المشاكل الامنية تتمثل في الاحتكاكات القبلية للاسباب التقليدية وهي التنافس على موارد الماء والكلأ بالاضافة الى مشاكل الحدود المضطربة أنذاك مع تشاد وليبيا. كان يهتم بتقارير مساعديه في المناطق المختلفه ويبحثها في لجنة الامن الاقليمية برئاسته وعضوية قائد القيادة الغربية وقائد الشرطة وغيرهما من المساعدين. وكان البلسم الشافي لكل المشاكل القبلية يتمثل في مؤتمرات الصلح حيث كانت شخصية المرحوم القوية حقاً وصدقاً تطغى على الجميع فيكسب بذلك احترام وثقة القبائل المتخاصمة وبخطابه الافتتاحي تتطايب النفوس وتهدأ الخواطر وفي أول اجتماع يعبرون صراحة عن ثقتهم في الحكومة ثم تعمل اللجان على حلحلة الامور بمهنية تامة وبعدل ترضى به الاطراف المتنازعة. حدث هذا في اكثر من ثلاثة مؤتمرات اتذكرها تماما وفي كل مرة شهدت كيف يلتف المواطنون حول حاكمهم حباَ يعبرون عنه بكلماتهم وقصائدهم ثم يتجمع أفراد القبائل للاحتفال بالغناء والرقص.
كانت التنمية هي الهم الدائم للمرحوم وكان ضعف الامكانيات المالية يقض مضجعه ولذلك كان يتحدث عن مشاريع بعينها وتمنى لو توفرت لها استثمارات مثل مشروع ساق النعام ومشروع ام بياضة ومشروع ام عجاجة الذي قام بزيارته منذ البدء من فرط تحمسه لتنفيذه فوجد مهندسي المساحة وقد نصبوا خيامهم للتو للبدء في تخطيط ارض المشروع. وبهذه الروح لم تتوفر له ايرادات إلا انفقها في البناء والتعمير في كافة انحاء الاقليم. فشيد كثيرا من المباني الحكومية والمرافق العامة القائمة الآن وابتدع فكرة توزيع إقامة احتفالات أعياد الاستقلال وثورة مايو على المناطق المختلفة وبالفعل استفادت مناطق كثيرة من اعتمادت تلك الاحتفالات وأقيمت فيها منشآت عامة لم تكن لتتوفر لها امكانيات غير تلك الاعتمادات.
ونجح المرحوم نجاحاً مشهوداً في تشجيع التجارة ، من ذلك نجاحه في تأسيس أول شركتين بذلك الحجم في الاقليم هما شركة دارفور للنقل والشركة التجارية اللتين نجحتا نجاحاً كبيرأ وخصوصاَ دارفور للنقل التي أولاها رعايته الشخصية كرئيس لمجلس ادارتها فنمت الشركة في عهده حتى أصبح لها اسطول ضخم من الشاحنات وامتلكت اصولاً عقارية كثيرة في دارفور وفي الخرطوم، فكانت الشركة معيناَ كبيراَ للتنمية في الاقليم حيث عهد اليها بترحيل معظم الامدادات الحكومية مثل الادوية والكتب والمستلزمات المدرسية الى جانب السلع الاستراتيجية مثل الدقيق والمواد البترولية والسكر.
لقد بذل المرحوم كل ما في وسعه لخدمة دارفور بصدق واخلاص. وكانت الخرطوم تستجيب له وتدعمه وكان كثيراً ما يسافر لمتابعة شؤون ادارته مع نائب رئيس الجمهورية والوزراء. وكان مسؤولو المركز يزورونه كثيراً للتباحث في امور الاقليم. وهذا ما دعاه لبناء قصر الضيافة الذي أمّن مكاناً يليق بمكانة الضيوف بالاضافة الى أن المينى كان إضافة عمرانية للمدينة. في عهد المرحوم اتخذت وزارة المالية بالمركز قراراً بفتح محطة جمركية في شمال كردفان لاستقبال التجارة القادمة من ليبيا. فغضب المواطنون في دارفور لأن المحطة المزمعة كانت ستنافس محطة مليط الجمركية وتهدد تجارتها. وسرت شائعات بان المرحوم كان وراء ذلك القرار. كان الموقف حساساً بالنسبة له حيث جرحته الشائعة شخصياً فكتب الى وزير المالية منتقداً القرار للآثار السلبية للمحطة المزمعة في كردفان على تجارة دارفور، واقول بصدق أنه لم يسبق أن رأيته بذلك الانفعال وهو يوقع ذلك الخطاب.
لقد نجح المرحوم في فترة ادارته غير الطويلة في تكوين علاقات واسعة ووثيقة بالناس في كل انحاء دارفور ويبدو أنه كان على صلة بكثير من الاعيان بعد أن ترك منصبه وكان يتابع اخبار دارفور حتى آخر أيامه. بعد غيبة طويلة اتصلت به هاتفياً قبل حوالي ستة أشهر للتحية والاطمئنان على صحته ، فما أن سلمت عليه قال فلان الفلاني وفرح جداً لاتصالي وبعد السلام والسؤال عن الصحة والاحوال تحدث طويلاً وقال نحن خدمنا دارفور عشان الوطن واستخدم كلمة "الوطن" وابدى ارتياحه أن الناس الذين ثاروا ضده في السابق عرفوا الآن حقيقته وقال إن أحدهم وذكره بالاسم كتب قبل أيام في الجرايد وقال إنه كان طالبأ اثناء حكم المرضي وأنهم تظاهروا ضده وكان من اسباب التظاهر بناء قصر الضيافة بالفاشر حيث كانوا يرون ان تلك الاموال كان الاجدر ان تصرف على الفقراء ... الخ وانه أي الكاتب يعترف الآن بانهم أخطأوا في حقه وظلموه. كان المرحوم اثناء المكالمة حاضر الذهن فسمعته على الهاتف يسمي بعض اعيان الفاشر الذين رحلوا منهم إمام علي زين العابدين والملك رحمة الله ، فحسبته يسألني عنهم وكلما ذكر احدهم اقول له توفي فقاطعني أنا بقول ليك انا عارف انهم توفوا وأنا بترحم عليهم. وجاء دوره لنترحم عليه ونذكره بكل خير " يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.